كتاب / الكورد الشيعة في العراق .. سيد حسين الحسيني الزرباطي

 

ارسل الى الارشيف العراقي من قبل موقع كلكامش للدراسات والبحوث الكوردية

 

 

 

الطبعة الثانية

ربيع 2007

 

 

 

 

 

 

هوية الكتاب

 

اسم الكتاب .....................................................  الكورد الشيعة في العراق

المؤلف ..........................................................  السيد حسين الحسيني الزرباطي

الناشر ...........................................................  المؤلف

الطبعة ..........................................................  الثانية / ربيع 2007

المطبعة .........................................................  العصرية

تاريخ الطبع ....................................................  2007

العدد المطبوع ..................................................  3000 نسخة

القطع ...........................................................  وزيري

عدد الصفحات.................................................. 134 صفحة

 


 

 

 

 

 

 

 

                                                   الإهداء ؛

 

                                                                                     إلى :

 

                                  @              كل مظلوم من الشعب الكوردي عانى من لمز العنصريين .

 

                                                                    @              وكل شيعي منهم جرح بسهمي المذهبية والقومية .

 

                                                                                                      @              وكل منصف يبحث عن حقائق التأريخ .

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                      أقدّم مجهودي هذا ...

 

 

 

 

 

 

 

%%%


 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ([1])

 

 

1. In the name of Allah, Most Gracious, Most Merciful.

 

13. O Mankind! we created you from a single (pair) of a male and a female, and made you into nations and Tribes, that ye may know Each other (Not that ye may despise (each other). Verily the Most honoured of you In the sight of Allah is (He who is) the Most righteous of you. and Allah has full knowledge and is well acquainted (With all things).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .

وبعد :

امتحنت شعوب الأرض بما قدّر لها من المعاناة حسب اختيارها نمط الحياة بكل أبعادها ، على تفاوت بين شعب وشعب وزمن وآخر ، فمن أمة أبطرها الخيرحتى فقدت الصواب إلى أمة أشقتها الشرور فاقتحمت المهالك ، والكل في ركب القانون سائرون ، ولو شاؤوا لاستقاموا على الطريقة ولأسقاهم ربهم ماء غدقا . ولكن تعاسة الحظ أبت إلاّ الشقاء .

إن أفراد البشر جميعاً أخوة من أب واحد هو آدم وأم واحدة هي حواء ، ولا نكير من أحدهم لهذا النسب العريق ، كما أن المشرّع سنّ لهم قانون الحياة على أفضل وجه ، فبيّن لهم طريق الخير والكمال وحذّرهم طريق الشر والضلال ، وأفهمهم أن لا فضل لأحد على أحد إلا فضل الإلتزام بالقانون ، كما أوصى الشعوب والقبائل بالمحبة والتعارف والتعاون على البر والتقوى لا على الشر والعدوان ، وأعلمهم أيضاً بأن العواقب مرهونة بحسن الاختيار ، فمن اختار الخير فقد فاز ومن اختار السوء فقد ظلم نفسه ، ودخلت البشرية على هذا الأساس قاعة الامتحان الإلهي لتتحمل مسؤولية النتائج ، إلاّ أنّ الأكثرية أخطأت الطريق بعد أن اعتمدت الهوى بدل العقل في الجواب ، لتكون النتيجة الأولية هي ما نراه ونسمعه من مشاهد الظلم وأنين المظلومين !!!

وامتنا الاسلامية غير خارجة عن هذا القانون العام البتة ، فهي الأخرى دخلت امتحانها كغيرها من الأمم وانطلقت في بدايتها بعقلانية واضحة لمن تمعّن في تاريخ صدر الاسلام ، وبقيت آثارها مفخرة بين أجيال الأحفاد إلى زماننا هذا ، لكن هذه الانطلاقة لم يكتب لها النجاح كما كان ينبغي ، حيث توقفت عند الاختيار الصعب ونقطة التحيّر المتمثلة في انتخاب الأصلح من اثنين ، القليل العاجل أو الكثير الآجل ، إذ لم توفق الأكثرية عندها في الانتخاب ، بعد ان اختارت قليلها العاجل ، وبسوء الاختيار هذا نالت الأمة نصيبها من تبعات هذا الخطأ الفادح في الدنيا ، ولا شك أن نصيب الآخرة في الانتظار .

اعقب هذا الفشل في الامتحان ، اختلافَ الأهواء وتشرذم القوى وتحكّم الانانية وطغيان النفس البهيمية ، وبسببها بات الهدف الأسمى للأفراد والجماعات في مجتمعنا الاسلامي هو تأمين المصالح الشخصية أو الطائفية بدل المصلحة العامة ، ولم يبق من الدين الجميل إلاّ الشعار ، يتجمّل به البعض ويستخدمه الأغلب وسيلة لتحقيق أهداف دنيوية مثل السلطة والمال والجاه ، يقتتل باسمه أبناء القبيلة الواحدة أحيانا فضلا عن الطوائف والملل .

لقد بدأ الصراع باسم الدين بعد ظهورالاسلام للاستحواذ على مقام خلافة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ ودام هذا الصراع لعقود قليلة كسب فيها من كسب وخسر من خسر ، ثم تبدلت خلافة الرسول بعد ذلك إلى ملك عضوض وسلطة وراثية أسرية مقيتة مغلّفة بالاسلام ، قتلوا عليها الناس أيضاً باسم الدين، بعد أن تلقفها القوي الملي ، اللابس لقميص النسك والصلاح والمتظاهر بالحرص والكفاءة .

لم يدم هذا السطو طويلا ، فسرعان ما انكشف الزيف وبانت الحقيقة ، وتسابقت فئات متعددة متربصة لسدّ الخلل وتصحيح المسار حسب زعمها ، وكان الفوز في السباق نصيب فريق واحد ، فاز بفضل سلاحه القوي وشعاره المقبول في الوسط الجماهيري ، فتمسك بعراها بالظفر والأنياب ، وهكذا تغير العنوان من الخلافة والسلطة الفردية الأسرية إلى احتكار قبلي قومي طائفي ، بعد عرض شعار افضلية العرب في سيادة الأمة على غيرها من ملل الإسلام وتحت مظلّة قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: " الخلافة في قريش "([2]) وهم يتزاورون جهلا أم بقصد عن حقيقة مراد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من هذا الحديث ... إن صحّ ، حتى استحكم الخلاف في الأمة وبان العداء وظهرت الأحزاب والفئات بعد انكشاف حقيقة المتاجرة بالدين للقاصي والداني .

ثم جاءت المدنية الحديثة بما حملت من أوزار وفي صدر قائمتها العنوان الرسمي البديل لمزاولة هذا الفن ـ وأعني فن الوصول إلى السلطة والمال ـ والمتمثل في السياسة بمعناها الاصطلاحي ، والتي لا تتعدّى الفكرة السوفسطائية القديمة في إغواء العقول فطرحت شعارات السيادة والاستقلال والحرية وما أشبه من اطروحات مشوقة لعشاق السلطة والمال لدخول ملعبها . وتسابقت الفرق في رفع راياتها بتشويق ودعم خالص من جهات معيّنة وهكذا تزاحم سوق الأحزاب بين من يدعو إلى التحرير ومن يغني بالاستقلال ومن يدق طبول القومية ومسميات لا تحصى ، ولم يخل سوقها حتى من المتاجرين بالدين .

ونحن نعيش اليوم في ذروة زحام سوق التجارة السياسية بعد اقحام عوام الناس في هذا الوباء بإغلاق أبواب الحياة إلا باب السياسة التي حكم دينها بالبقاء للأقوى فمن دخل مسالكها عاش بقوة الفئة ومن تخلف مات في عزلته لهذا نرى تزاحم مكاتب الأصناف في كل شارع وزقاق ولم تسلم المساجد ودورالعبادة هي الأخرى من مكاتب دلالي السياسة والهدف واحد هو الوصول إلى غاية في نفس يعقوب لا يجدوها بعد ضلالهم عن طريق الحق إلا في أبواب الساسة وسوق السياسيين لاحتكارها مواد الحياة .

لقد حكمت هذه الأوضاع المستجدة على كل ذي نحلة بالتفكير الجاد في حصر آلية العمل في التكتل والتحزب ، لئلا يتخلف عن الركب بعد أن صار ذلك واقعاً لا مفرّ منه ، وعذرا إلى الساسة الذين أخلصوا النية في أدوارهم ، وما أقلّهم وظني أنهم يعذِّرون ، فمنهم من استغل القومية وسيلة لجمع الشمل واصطناع القوة اللازمة للدخول في المساومة ، وتنازع على هذا الميراث عصابات متعددة تشكلت منها عدداً كبيرا من الأحزاب القومية يجتمعون في الشعار ويختلفون فيما وراءه ، كما تنازع آخرون على شعار الديموقراطية بعد أن انهكت الدكتاتورية الشعوب المضطهدة فتطوعت فئات تحت رايتها كل يدعو إلى نوع منها لتتولد أحزاب ديموقراطية تتقاتل فيما بينها عند اجتماعها على الفريسة ، وأستغل آخرون شعار التقدمية بعد كساد سوق الرجعية وآخرون شعار الاشتراكية لإنقاذ المحرومين من براثن الرأسمالية والإقطاع وتمسك بعضهم بشعار الاستقلال بعد انكشاف تفشي الاستغلال ، ومن فاته قطارها تمسك بعروة القبيلة والعشيرة .

لم تسلم الإنسانية والدين من الاستغلال في هذا السباق ، ففي العقود الأخيرة التحق بالركب فئة جديدة لا نشك في سلامة نوايا بعض رموزها قد اتخذت الدين شعارا بهدف انقاذ الدين من تخريب السياسة وصون المجتمع المسلم من تضليل الشيطان .

ونظرا لكون الدين بضاعة جديدة في هذا السوق ، وقد احسن عامة المتدينين الظن بكل ما يمت اليه بصلة ، فقد لاقى الترحيب من الوسط المتدين والتفّ حول مروجي هذه الفكرة الجموع الغفيرة من الناس فبات للأحزاب الدينية هي الأخرى شأن بين المتنافسين .

وسرعان ما تنبّه سماسرة سوق السياسة العالمية لهذه البضاعة واسرعت في تقليدها وتمويهها بشكل لا يمكن لعامة الناس التمييز بسهولة بين الحقيقي منها والمزيف ، بل ونجح المزيِّفون في كثير من الأحيان من اخراج الدعاة الحقيقيين من الساحة وهكذا اختلطت الأوراق على المتدينين بعد أن كثرت الحوانيت والباعة.

والعلامة الفارقة بين الحقيقة والزيف لمن أراد التمييز كامنة في الثوابت حيث يتمسك بها صاحب الحقيقة ويبيعها المتلبس بالثمن البخس ، والسوق شاهد على ما نقول فكم من حزب ديني ينادي أصحابه باسم الاسلام حتى إذا حان القطاف فإن أعطوا نصيبهم من المناصب رضوا بالمقسوم وأودعوا ثوابتهم في أرشيف خاص لحين الحاجة وسخّروا شعاراتهم لحفظ المنافع المكتسبة وإن تمّ ذلك على حساب الدين ، وإن لم يعطوا ما نصبوا اليه ازداد عويلهم وصراخهم بشعار " وا إسلاماه " لتحريك الشارع المتدين الغافل ، وكلٌ يجسّد الاسلام في خطه دون غيره ويكفِّر من شذّ عنه .

والغريب أن الكثير من مكاتب هؤلاء الساسة المتدينين الجدد تديرها وتمولها عقول وأيادي من خارج حدود دولة الاسلام بل ومن عواصم الدول التي لا تتواني في تضعيف الاسلام ، مما يوحي باصطناعها لتمرير مخططات سياسية خاصة باسم الدين ، وما دام باب هذا السوق مفتوحا لولوج من هب ودب وما دامت الدنيا ألجمت ألسن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فقد يدوم بعض الوقت ارتزاق المرتزقة من هذا السماط ببركة حسن نوايا المؤمنين ، ولكن الكأس الذهبي سيكون آخر المطاف لصالح أعداء الاسلام الذين تمكنوا من تفريق المسلمين ببركة هذه الأحزاب التي جعلت من اتباعها قبل عامة المسلمين خصوما يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا .

إن الناظر ليرى في هذه الساحة آثار النقع ويسمع جعجعة الخيول ، ويتصفح مشاهد الزحام والسباق والكر والفر فيخال أن القيامة قد قامت ، انه يرى قوما في نعيم الكسب يمرحون وقوما من خسارة الصفقة يبكون وثلة تعيش الأمل تراوغ مراوغة الثعلب ساعية بين قصعة أهل النعيم ومكامن أهل الجحيم قد تحصل على لقمة من فضول أو تقتنع بشم ما حملته الريح من قدور الفحول ، أذلة على المتخمين أعزة على الجوعى والمضطهدين لا يكلّون في عملهم ولا يملون .

وأشواط اللعبة السياسية التي بدأت لم تحدد بعدد خاص من الأشواط أو زمن محدود أو بلد مخصوص بل هي عالمية دائمية ما دامت الدنيا ، واللاعبون غالبا هم العارفون بفنونها وأسرارها وهم قلّة إلا أنهم قادرون على استقطاب المشاهدين حسب مهاراتهم وحيلهم ، فمنهم من بلغ المرتبة الأعلى في الفوز وكسب الانصار ومنهم من هو دون ذلك ومنهم هواة لم يصلوا بعد مرحلة التأهيل للمشاركة في المسابقات الرسمية لكنهم يكسبون بتمارينهم الموسمية الخبرة لجولات قادمة فحسب .

ونحن اذ نعيش أجواء هذه اللعبة في العراق نرى بوضوح الخطوط واللاعبين والمستقطبين ، ولا حاجة لبيان التفاصيل بعد أن اطّلع عليها الصغير والكبير ونكتفي بالإشارة إلى مجمل النتائج التي ترتبت على اللعبة لنحدد بذلك موقع موضوع البحث الذي خصصنا له مباحث هذا الكتاب .

المعلوم ان العراق بلد احتضن الطوائف والقوميات والملل المختلفة([3])، فيها اكثرية عربية منقسمة إلى شيعة وسنة ، وأقليات أخرى أكبرها الأقلية الكوردية وهي الأخرى منقسمة إلى شيعة وسنة([4]) اضافة إلى باقي الطوائف الأقل عدداً ، كانت وما زالت مهمشة في تاريخ العراق .

وقع هذا الشعب بعربه وكورده وأقلياته في أواخر عهده فريسة بين مخالب "حزب البعث العربي الاشتراكي" ، ذلك الحزب القومي الذي اختُزل أخيراً في حكم عائلي مقيت ، وقد عامل العراق والعراقيين معاملة فرعون لبني إسرائيل ، يذبّح أبنائهم ويستحيي نساءهم ولو قدّر له البقاء لأتمم نظرية فرعون بقوله للناس أنا ربكم الأعلى ولكن الأيام دول فسلط الله تعإلى عليه قوماً جعلوه جذاذا .

وتأمّل الجميع الخير في التغيير الذي حصل تحت شعار " تحرير العراق " لِما بلغهم عن حسنات الديموقراطية الغربية العادلة جداً والقادمة حسب الزعم لوضع الأمور في نصابها فضحكت الأكثرية مستبشرة وتنفست الأقليات الصعداء ، وبدأت العملية الديموقراطية نشاطها بتشكيل عشرات الأحزاب من مختلف مكونات الشعب العراقي بأمل الوصول إلى الحقوق والاستحقاقات.

لقد غاب عن عامة الناس ان قانون السياسة الحديثة لم ولن يسمح بأي شكل من الأشكال اعتماد المنطق السليم في اختيار الشعب لقانونه أو لحكامه لاختصاص هذا الصيد في عرف السياسة بالقوي ممن سبق والأكثر اعتمادا لدى اللجنة الدولية لنقابة الحكومات ، فإذا تمكن الشعب في ظرف خاص من قول كلمته بمسمع من العالم ، تعاملت النقابة مع هذا التصرف بنفاق مكشوف فتتظاهر باحترام رأي الشعب اعلاميا وتسعى من وراء الكواليس بكل جد في استئصال هذا المزاحم وإعادة مسير سفينة السياسة إلى وجهتها المرسومة من قبل .

وشعار الأكثرية والأقلية في عرف الغرب ليس على الاطلاق كما يتصوره البعض بل انما يحدده الولاء للأسياد ، فالأولوية لمضمون الولاء السامع المطيع أكثرية كان الموالي أم أقليّة ، فلا يغرّن الشعب العراقي والشيعة منهم بالخصوص الذين يشكلون الأكثرية ، آيات الساسة فالعاقبة للعملاء ، نعم هم يتعاملون الآن حسب الظروف باستخدام المهدئات لدرء الأخطار والغد الفيصل لناظره قريب .

وتخبط الناس في أجواء هذه اللعبة ، فالاكثرية التي طبختها جولة قدامى الساسة وأدركت ضرورة الاستقطاب لم تتوان في التقرب إلى الأنفع فالأنفع من الأحزاب المدعومة ، وبقيت الأقليات كما كانت لا حول لها ولا قوة إلاّ من انضوى منها تحت لواء الأقوياء .

ومن الأقليات التي شملها نظام الاستقصاء لضعفها واستقلالها الكورد الشيعة ، التي لم تنل على اهمية عددها معشارما نالته شرائح لا تضاهيها في العدد من نصيب بسبب قوتها التي أرغمت عمالقة الساحة على التذلل والخضوع والتوسل لتقديم المزيد اليها وهذا هو عيب الأكثرية في مجتمعنا ، وهو الذي يثير حفيظة الأقليات ويقضّ من مضاجعها ويدعوها إلى التساؤل عن العدالة والشعارات التي صكّت آذان العالمين .

لقد أدرك مثقفو الكورد الشيعة هذا الغبن فسارعوا في تدارك الوضع وتشكيل الفرق الرسمية لخوض السباق ، إذ أن قانون السياسة لا يسمح بطلب الحقوق إلاّ من خلال الأحزاب والتكتلات ، لكنهم أخطأوا التقدير مع علمي بحسن نوايا الجميع ، فقد بادروا افرادا وجماعات إلى تشكيل أحزاب متعددة وأكثرها تحمل عنوان الفيلية وتناسوا أن المسؤلية وخطورة الوضع هي أكبر بكثير من هذه الخطوات المتواضعة ، وأن المضطهد في هذه الطائفة هم الجميع دون استثناء ، والفيلية فرع من هذه الشجرة المتشابكة وكان الأجدر أن يبذلوا الجهد في توحيد الصفوف ، وجمع كامل القوى .

إن الطريق السليم للنجاح في العملية السياسية لأقلية انهكها الضعف المادي وخوّر قواها صولة الذئاب عبر التأريخ وآيسها من الاعتماد على النفس وسوسة الطالحين من الاصدقاء والأعداء ، هو في الرجوع إلى الذات ونبذ الخلافات والتجرد للمصلحة العامة وتقبّل الآخر ، وبإمكان الجيل المثقف فعل ذلك إن أراد ، ولا يكلفهم الكثير لو شاؤوا .

لا شك أن مشكلة هذه الشريحة كامنة في نسيانها لقضيتها الأساسية وهي كونها فرعا أساسيا من المجتمع له حقوقه كسائر الفروع ، وأن الحقوق لا توَّزع في منطق السياسة توزيع المواد التموينية بل تنتزع بالحضور والمطالبة ، ولا يمكنها الحصول على حقوقها كاملة بانتظارتقديمها من قبل القوى الحاكمة أو القيادة الدينية العليا أو الأحزاب الاسلامية العاملة في الساحة .

والأهم أن الاستضعاف قتل في عامتهم روح الشجاعة وتحمل المسؤولية بل وساقهم إلى اليأس والشك حتى بأبناء مجتمعهم ، لهذا طغت اللاابالية في صفوف الكثير منهم حدّاً لا يريدون معه سماع أي حديث يلقى بشأن مستقبل قومهم أو السعي في جمع شملهم في صوت واحد مدوي يطالب به حقوقهم في ساحة لا يسمع فيها إلاّ صوت الأقوياء .

ولا لوم على عوام الناس فيما اتخذوه من موقف وإنما اللوم على العارفين والمثقفين الذين صيقلتهم الأحداث وعلّمتهم التجارب وبصّرتهم مشاهد سباق الحضارات بالصالح والطالح ، فالعجب منهم كيف حيدتهم الحزازات التي لا مبررلها وكيف ارتضوا أن يلقوا حبل عامتها على غاربها ؟

ان من مستلزمات ضمان نجاح هذه القضية هو السعي الدؤوب من أجل إعادة الثقة المفقودة في عامة المجتمع باجتناب سلوك الطرق الانفرادية أو القبلية الضيقة وشن حملة توعية في صفوف المجتمع الكوردي الشيعي لايقاظه من سباته واقناعه بضرورة العمل من أجل اثبات الوجود وأخذ الحقوق وأهمية وحدة الكلمة والسعي الجاد في كسب ثقة الجمهور بالساعين في هذا الطريق من القياديين ، وذلك ما يتطلب الإيثار من القيادات المتفرقة الفعلية بانفتاح العلماني منهم على المتدين وتحمل المتدين تبعات الواقع ومسؤولية الموقف وقبول الآخر والالتقاء في نقطة مشتركة تلبي مطالب كل شرائحهم وتكوين ما يمكن تسميته بتحالف يسنده الجميع للمصلحة العامة .فبذلك يمكن خلق الصوت المسموع والمطلوب في مثل هذه المواقف .

 أما إذا أصرّ الجميع على ما هم عليه من انفراد بعضهم بأحزاب خاصة وبعضهم الآخر بالانتماء إلى أحزاب خارج محيطهم وتقاعس الجمهور الأعظم عن أداء الدور بحجة تبعيتهم للمرجعية الدينية ، فمن المستحيل أن تصل هذه الشريحة إلى أبسط حقوقها علما أن المرجعية لا حول لها في استنقاذ حقوق الفئات من السياسيين ، كما أنها لا تمانع من سعي طبقات الشعب في ايجاد تكتلات سياسية للدخول في الساحة والدفاع عن حقوق كتلها وقد سمع الجميع مباركة المرجعية لبعض التكتلات وتأييدها لبعض الأحزاب إلاّ أن ذلك لا يعني أن المرجعية ضمنت حقوق الفئات في ظل تلك التكتلات المعروفة أو يعني أن المرجعية حللت على بعض الأفكار ايجاد تكتلات وحرّمت على البعض الآخر ذلك ، فهذا أمر لا صلة له بالمرجعية الدينية فلا يجوز التمسك بهذه الأعذار ـ التي يروجها غالباً بعض أتباع الأحزاب خدمة لمصالحهم ـ نظرا لأهمية الموقف . وقد لمس الجميع فئوية الخطوط العاملة في الساحة بعد أن أغوت الجماهير بشعارها (خدمة الجميع) ، وأثبتت بحق أن عبارة "خدمة الشعب" ليس إلاّ نغمة من نغمات المزمار السحري الذي به يعبئون الناس متى دعت الحاجة اليهم .

ان المصلحة العامة تقتضي توحيد الكلمة وجمع الشمل وقيادة مدافعة عن الحقوق بعد ان ثبت عدم عدالة القانون السياسي الحاكم في المجتمعات . وهذه نصيحة لا يخسر من نظر فيها وناقشها .

أما فيما يخص موضوع الكتاب ، وبعيدا عن السياسة ، فهو محاولة متواضعة أردت بها دفع مظلمة لازمت الشيعة عامة والكورد منهم في العراق خاصة عبر الحكومات العراقية السابقة ، بل وروج لها الكثيرون من قوميي العرب خارج العراق أيضاً ألا وهي تهمة تبعية الكورد الشيعة في العراق لإيران ، تلك التهمة التي شكلّت عبئاً أثقل كاهل كل أفراد هذه الشريحة المضطهدة وأذاقت الكثير منهم الويلات . فبها سلبت حقوقهم وأبيحت حرماتهم وقتلت رجالهم ومزقوا شرّ ممزّق .

أكتب عن الكورد الشيعة وأنا ترعرعت في وسطهم منذ نعومة الأظفارلأقول للمزايدين على المواطنة والقوميين من غير مجاملة ، أن هذه الشريحة التي أنكروا مواطنتها هم الأعرق في العراقية من عرب العراق ، وإن أبوا إلاّ الدليل من التأريخ العربي فقد قبلت المبارزة لإثبات ذلك من تصريح مؤرخي العرب دون غيرهم .

فالفرع المقصود بالبحث إذن هو " الكورد الشيعة في العراق " وهم شريحة مهمة من الشعب الكوردي الكبير المنتشر في العالم([5])، آثرت الخوض فيه قدر الميسور بعد طلب ممن لا يرد لهم طلب من بعض الكورد الشيعة الكرام الذين احتضنوني صغيرا ورافقوني كبيرا وغمروني ما دمت فيهم بلطفهم وحبهم وحنانهم ، فما كان بوسعي بعد الطلب إلا الاستجابة لسؤلهم عرفانا مني لجميلهم ، وشكرا لما لهم علي من فضل ، وقد لمست منهم معاناتهم ومعاناة شيعة الكورد عموما من غمز العنصريين ولمز الطائفيين في خصوص مواطنتهم ، ومن السياسيين في تهميشهم ، ومن الحكومات في ظلمهم واستبعادهم ، وهم أوسع الناس صدرا وأقلهم حيلة واكثرهم تواجدا في ساحة الواجبات الوطنية والاجتماعية وأشدهم تحملا للضيم وأفضلهم صبرا على البلاء ، لا تخشى خيانتهم لأصالتهم ولا بطشهم لنبلهم ، وهم على ذلك في ظلامة مع الايام تزداد كلما طفرت اجيال الناس الذين يعاصرونهم من نمط ثقافي إلى نمط أعلى وهو ما يثير العجب ، فكيف ترتضي العقول المثقفة هذا التضييق في أفقها وهي تعلم أن الأجداد الذين وصموهم بالرجعية كانوا أكثر انسانية وأبعد نظرا وألين عودا في تعاملهم مع شرائح مجتمعاتهم ؟

ويزول العجب لو علمنا أن الاسلام الذي تلبس به الأجداد قد ارتحل من نادي المتعصرنين ليحل محله العنصرية القومية والطائفية ، ليكونا هما الملاك في قبول الآخر ورفضه وان كان قريبه أو ابن وطنه ، والشعار معروف " من لا يدخل تحت خيمة القوم أو المذهب ليس له حق الحياة " فبئس الديار في ظل هذا الشعار .

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                  سيدحسين الحسيني الزرباطي([6])

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   في 17/6/2005

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

الفصل الاول

 

الكــورد

ومعايير الهوية والمواطنة

 

اختلفت معايير تشخيص الهويات في العالم باختلاف قيم الانتماء الحاكمة في المجتمعات عبرالتأريخ ، فمن الجذم والشعب والقبيلة والجد والحاكم والأرض واللغة والحضارة إلى الدين والقومية ، كلها موازين نجد لها أمثالا في التاريخ البشري اكتسبت بها مجاميع من البشر هوياتهم ، ولا يجد المتتبع معيارا ثابتا تقاس به الهوية لعامة البشرية سوى (الآدمية) وهو الآخر قد نسخته العزة بالإثم .

لكن المعلوم في الحقبة التي وثّقها لنا التأريخ أن اللغة باتت المعيار والمقوّمة الأكثرفاعلية في تحديد ودوام الهوية الملّية لمجاميع البشر ، وبها جرت السيرة إلى زماننا هذا ، وبتفاوت هذه المقوّمة في القوة والضعف تفاوتت الأمم في التعريف ، فمن أمة باتت تطاول الأمم بما امتازت بها لغتها من قوة وتأثير إلى أمم معزولة منسية لضعف لغتها بقلة مقوماتها ، إلى أمم ذابت واستحالت بسبب موت لغتها ، ولهذا تنافس المتنافسون على البقاء من أهل كل لغة بالحفاظ على هذا السلاح الدفاعي الهجومي والحيلولة دون تأثرها باللغات المنافسة والمجاورة منها بالذات.

ولتقريب هذا المعنى نذكر مثالا واحدا في متناول اليد يتحسسها من شاء بأدنى تأمل يكشف سرّ صمود الثقافة الفارسية امام المد العربي وفشل قوميات أخرى في هذا المجال لنبين من خلاله أهمية اللغة ودورها في الحفاظ على الثقافة والهوية .

الكل يعلم أن العرب والفرس والكورد والترك والديلم والانباط والروم والأحباش أمم تجاورت في بقعة جغرافية متصلة ، وكان لكل منها كيانه الوجودي الندّي للآخرين ميزتهم وميّزت أوطانهم لغتهم التي بها ينطقون ، وقد كانت علاقاتها بسبب التجاور والاحتكاك بين المد والجزر وقد حاولت فيما بينها التأثير بالقوة المادية وحدثت بينها صراعات وغزوات كثيرة ربما انتصر فيها بعضهم على بعض أو هُزم بعضهم من بعض ، لكن هذه الصراعات لم تتسبب في موت ملة منها بل العكس فقد أحيتها جميعا بفعل التنافس والأمل بعد احساسها ضرورة التكاتف القومي والعمل من أجل البقاء والحياة .

وبدخول عامل آخر وهو الدين نجد الموازين قد اختلفت ، فانه لما جاء الاسلام ، ونزل القرآن بلغة العرب ، كان لهذا الأمر الأثر الكبيرفي هذه الأمم المتجاورة ، فبعد اعتناق أكثرها الاسلام واضطرارها بفعل ايمانها الجديد إلى التعامل مع لغة غير لغتها ، ابتعدت شيئاً فشيئا عن لغاتها الأم وعن التعصبات القومية بعد أن أدانها الإسلام ، وبما أن الاعتزاز بالاسلام بات الأرغب من الانتماء إلى القبيلة واللغة تحول سلمان الفارسي إلى سلمان المحمدي ، ودخلت اللغة العربية كل بيت من بيوت المسلمين فهم يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار ، ويستمعون في مجالسهم ومحافلهم إلى الحديث النبوي .

ودفع فضول العلم واستباق الخيرات الطبقة المثقة من هذه الأمم لتكريس حياتها لدراسة الدين الجديد وفهم آيات كتابه ولما كان هذا الأمر لا يتأتى إلاّ بإحاطة كاملة باللغة العربية وآدابها ، فقد بذلت الجهد في تعلمها وسبقت العرب في هذا المضمار فتحول سيبويه الفارسي إلى إمام في النحو العربي والبخاري ومسلم أئمة في الحديث وابي حنيفة إماما في الفقه والبيضاوي إماما في التفسيروغيرهم كثير وكلهم اعاجم.

وانقلب من أسلم منهم على قومه وملته ممن لم يدخل الاسلام بعد أن أزاح الدين هوى التعنصر من قلوبهم ، ففي رواية لابن كثير : ان عدداً من اتباع الملك الفارسي يزدجرد قد استسلموا بعد اطمئنانهم بأحقية الاسلام : " وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم ، حتى بلغ من أمرهم انهم حاصروا حصنا ، فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن وضمّخ ثيابه بدم ، فلما نظروا اليه حسبوا انه منهم ففتحوا اليه باب الحصن ليأووه فثار إلى البواب فقتله ، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن وقتلوا من فيه من المجوس "([7]).

هكذا غير الإسلام موازين الأمور ، وهذّب العقول وأقلم النفوس ، وتهاوت امامه كل المعايير وكاد الناس من الملل المختلفة أن يكونوا ملّة واحدة بعد اتخاذهم الدين الجديد قانوناً لحياتهم وتعاملهم .

وببركة هذا الدين استولت اللغة العربية على ساحات اللغات وبالتالي ساحات الأمم ، فقضت على الكثير منها وأحجمت الكثير.

تنبه مثقفو الفرس لهذا الخطر المحدق بتراث الأجداد ، وانبروا بعد قرون من تأثير الاسلام الفعال في معايير الأمم لإيجاد البديل الواقي فعمدوا إلى أرفع مؤلفات شعرائهم في الأدب الفارسي فروجوها بين ملتهم واضفوا عليها طابع القدسية بالتأويل والتهويل ، كمؤلفات عمر الخيام ومولوي وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي حيث عدّوا ديوانه معبرا عن لسان الغيب وحكموا بضرورة حفظ اشعاره والتدبر في معانيها وأوحوا إلى عوامهم أنه من الكتب المقدسة بما تحويه أشعاره من معاني دقيقة للقرآن والحديث .

وهكذا بات "ديوان خواجه" من القداسة حداً أصبح به الكتاب الثاني بعد القرآن فتراهم يتفألون به عند الاستخارة ويحتفظون به في بيوتهم وسياراتهم للحفظ ودفع البلاء والتبرك كما يتعامل المسلمون مع القرآن ، وقلما تجد ايرانياً لم يحفظ ابياتاً من أشعار حافظ الشيرازي .

كما حرصوا على الاحتفاظ بموروثهم القومي كاعتماد التقويم الشمسي واحياء يوم نوروز وغيرها من الموروثات ، وقد ساعدتهم ظروف مملكتهم وقوّتها وامكاناتها وحكمة حكامها ، على خلق الجو الأدبي في الوسط الشعبي وتثقيف الأمة بما يساهم وبشكل جدي في الحفاظ على هذا الجو عبر الاجيال ، لذا ترى الفرد منهم ما زال محتفظا بروحه القومية مقدّسا لتراثه الفكري والأدبي حتى أن الكثير من شخصياتهم رغم إلمامهم بلغات أخرى لا يستعملون غير الفارسية في حلقات دروسهم أو خطاباتهم وإن كانوا في محيط غير محيطهم ، بل وبلغ بهم الأمر بقصد أو بغير قصد الجمود على أصوات حروفهم حتى في قراءتهم للقرأن أو الصلاة مع قدرتهم على أدائها من مخارجها وفق التهجية العربية .

كل ذلك من أجل صيانة لغتهم وآدابها المنوط بها وجودهم الملّي ، بينما غفلت أمم أخرى عن هذا الصراع فتأثرت لغاتها ووجودها تبعا لذلك فأحجمت بعضها واستحالت البعض الآخر حتى صارت نسيا منسيا ، كالانباط والديلم والاحباش . فاللغة إذن باتت هي المقوّم الوحيد للوجود التراثي للأمم بها تحيا وبها تموت .

لم يرتض الله سبحانه وتعإلى ما تعارفت عليه الأمم في اثبات هويتها من الفخر بتكاثر العشيرة وأمجاد الأجداد فقال تعإلى : [ ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر ]([8]) وكذا عبادة الأرض وتقديس اللغة والنحلة ، لعلمه تعإلى بما يستلزمه التعصب لهذه المعايير من تنافر وتنابذ وفرقة وسوء عاقبة للجميع ، فعرض عليها دين التوحيد بديلاً أعظم نفعا وأكثر أمناً يغيَّر به التفريق العنصري بوحدة الكلمة ، والفناء الوقتي ببقاء أبدي، وخيَّرها بعد أن بيّن لها مصالح الدين الموحِّد ومفاسد القومية والتعنصر [ وهديناه النجدين ]([9]) ولم يجبرهم على ذلك [لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ]([10]) [ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ]([11]) لكنه سبحانه وتعإلى نصحهم ورغبهم في انتخاب الأصلح والأسلم من الطريقين بعد أن بيّن لهم أن الدنيا دار امتحان وزوال وأن الآخرة هي دار البقاء ، والعاقبة للعمل الصالح والتقوى لا للمتعصب والأقوى .

لكن عامة الناس ما قدروا الله حق قدره ولم يستجيبوا لندائه ، مع رغبة مشهودة من أجيال منها في استبدال أمميتها المفرقة السابقة بالتوحيد الآدمي الديني لكي لا يبقى فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ، فكادوا كيدهم وفرقوا كلمته حتى عاد الدين غريبا كما بدأ ، ليحل محله من جديد الطائفة والقوم واللغة وما أشبهها . وما فرّق أهل الأديان إلاّ بقايا العنصرية والطائفية والعزة بالإثم التي ظلّت عالقة في قلوب بعضهم ، ففعلت فعلتها حتى في ظروف التقمص بالدين ليضاف إلى التمزق العنصري تمزق ديني مقيت ، كيف لا والوباء هو هو أينما وجهته لا يأتي بخير.

ان موضوع بحثنا لا يبتعد كثيرا عن هذا المسار بل هو في صلبه ، فبعد أن ترك الناس دين الله وراء ظهورهم عادت النعرات الطائفية والعنصرية لتكون هي الحاكمة بينهم ، وعلى أثرذلك اصطدمنا بواقع مرّ في محيطنا الاسلامي حيث بدت الأصوات مرتفعة تنادي بشعارات الجاهلية الأولى بين عربي قدّم العروبة على الإسلام يفاخر سائر الناس بعروبته وفارسي يتباهى بكورش والامبراطورية القديمة ، وتركي يتغنى بجولات تاريخه البعيد ، وعدوٍ بعيد يصب زيته على النار المؤججة متربصا الفرصة للانقضاض على الجميع ليكون الوريث بلا منازع لغنائم الأمة.

ونجد وسط هذا الزحام أمة الكورد شأن أخواتها من الأمم منقسمة على نفسها وقد ذاقت بجميع طوائفها ويلات منافسات الرقباء ، فآلمتني ظلامتها و تمنيت أن أوفق في تقديم شطر كلمة يدفع الظيم عن هذا الشعب المظلوم ككل ، لكن العين بصيرة واليد قصيرة ، ومن باب ما لا يدرك كله لا يترك كله عمدت بهذه المحاولة الحديث عن طائفة من هذا الشعب كان نصيبها الأهمال لا للغتها ولا لوطنها ولا لقوميتها بل لسبب آخر افرزه تراجع الإسلام بين المسلمين حيث انقسموا على اسلامهم كما ورد في الحديث إلى ثلاث وسبعين فرقة ليذيق بعضهم وبال بعض .

لا يخفى على أحد من المسلمين ، ان الاسلام في صدره الأول لم يكن ليميز بين المسلمين بأعراقهم أو ألوانهم أو لغاتهم ، فالكل سواسية لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى ، فبلال الحبشي الأسود يكون مؤذنا لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسلمان الفارسي يكون مستشاره بل يصبح من أهل بيته ـ "السلمان منا أهل البيت" ـ ([12]) ثم يكون واليا على المدائن في ظل الخلافة الاسلامية دون ان يخرج عنصري معارض يعترض على خلفاء الاسلام بعدم جواز تقلد الفارسي لمنصب في دولة العرب .

وحيث كان الولاء للاسلام كانت الأخوة بكل معنى الكلمة ، ولكن وبعد وفاة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نمت شيئاً فشيئاً بذرة العنصرية من جديد في نفوس مريضة لم تهدأ لها بال حتى أسرت الاسلام برمته لتلبسه ثوب العروبة وليصبح الولاء والمواطنة على ضوئها ، ومن يومها ضاعت القيم والموازين ، وقد اعترضت على هذا السطو والتبديل فئات من ذات المجتمع العربي ، فلم يكن نصيبها إلا الحكم عليها بالتهميش اولا ثم بالموت بل وسرى هذا القانون في حق من تبعها عبر العصور . ومن مصاديقها الكورد الشيعة في العراق .

ومما يحز في نفس كل عاقل على وجه البسيطة أن يرى تبدل المعاييرالانسانية المنطقية منها والدينية مع مرور الأيام وبشكل علني من غير نكير مسموع أو اعتراض ملموس ، بل الأمرّ أن يرى الجاهلية المقيتة تحيا وتطغى بحلّة السفسطة في زمن يوصم بالعلم والرقي في حين يقتل فيه المنطق السليم الذي أبدعته العقول وأقرته الشرائع ، وهذه ظاهرة تبنتها الثقافة العصرية ، ورفع رايتها المثقفون جداً ، وشاركهم في إثمها الساكتون عن الحق من طلاب دنيا المادة .

إنّ القاصي والداني يلعن الماضي بما احتواه من عناصر التخلف واللا انسانية والجهل والفقر والظلم وما إلى ذلك من نعوت ، والجميع يعيش احلام اليقضة آملين المستقبل السعيد عصارة التطور ومخاض التقدم العلمي ، وقد بات الحديث عن الماضي في عرف العصر ضرباً من التجني على الانسانية ، والمثقف في عرفهم هو من تكيَّف مع منطق العصر وأجاد لغته بما هي ، ومن آمن بخلافه فهو رجعي جاهل ليس له محل في الوسط الانساني ، ولو راجعنا العقل المجرد في هذا الأمر لسخر من هذا الاعتقاد الواهي ولأمر بالمقارنة بين الماضي والحاضر في مصداقية المعايير لينكشف بها الزيف .

والانقلاب الذي حصل بفضل العصرنة لم يقتصر على جهة دون جهة بل شمل كل مناحي الحياة ، وتفصيل القول فيه يستدعي دراسة مقارنة موسعة للانسان والمعايير التي حكمته في عصوره المختلفة وموارد التبديل والتحول ونوع التغيير ايجاباً وسلباً وما إلى ذلك من أمور ، وهو خارج عن نطاق هذا المختصر ، وانما نكتفي ببعض المصاديق الخاصة بموضوعنا وفي حدود العصور الاسلامية فقط للاستدلال على صحة ما ذهبنا اليه في هذا المجال .

لقد كان المسلمون العرب في صدر الاسلام يحملون ما ذكرنا من معايير اسلامية نبيلة ، وأظلت ببركتها راياتهم العربي والعجمي والتركي والكوردي والحبشي والأسود والأبيض لم يميزوا بين أحد ممن انضوى تحت هذه الراية ، وكان المجتمع في أيامهم يدا واحدة على من سواهم . فكيف تغيرت تلك المفاهيم الانسانية البحتة إلى مصطلحات ضيقة لا تتماشى وعنوان الاسلام الاصيل الذي به يفتخرون ؟ وما هو معيار الانتماء الاجتماعي للمواطن المسلم في حدود الأفكارالعصرية التي حلت محلّ الإسلام والمدّعية أنها أكثر انسانية وتطوراً ؟ وما هو ميزان المواطنة في قواميسها الحديثة بعد أن قسّم اللصوص وشركاؤهم ميراث الاسلام بين الفرس والعرب والترك ؟

لا شك انهم يضعونا امام الأمرالواقع بعد تجزئة ارض الاسلام إلى دول ذات حدود معينة يعزي الكل اسبابها إلى المستعمر البغيض الذي غزا ارض الاسلام ، لكننا الآن وفي عصر الاستقلال والحرية وبعد الاستسلام لهذا الواقع المر نسأل ماذا غيّر المتحررون المستقلون التقدميون مما حمّلهم المستعمرمن أخطاء بعد رجوع السيادة والاستقلال المزعوم ، وهل فكروا يوما في استعادة ما ضيعته الأيام من الأصول والقيم الانسانية والاسلامية الأصيلة ؟

اننا اليوم في عصر الفضاء والعلم والشعارات الانسانية ومع ذلك نجهل فلسفة الكثير من المعاييرالحاكمة في مجتمعاتنا عبر الأفكار والنظريات المستوردة بل وفي دولنا عبر الحكومات المستبدة ، لم يكن لها في دين الله وشرع العقل وجود ، يروج لها بحماس جماعات لا تؤمن هي بها في أنفسها خدمة للأجنبي مقابل ثمن بخس ، كلَّفت بعض تلك الأفكارالاسلام والمجتمعات الكثير قانوناً واقتصاداً واجتماعاً وسياسة ووجوداً ، وهذه الشعوب الاسلامية المبعثرة والأسر المفككة والاخلاقيات المزيفة والأنانية المقيتة والحكومات المدلَّسة كلها شواهد على ذلك ، ولو قلنا أن السياسة بمعناها الاصطلاحي اليوم والتي يروج لها دعاة التقدم في الغرب والشرق هي في الواقع بعث جديد للسفسطة اليونانية القديمة التي ماتت بسيف سقراط وافلاطون ومقتها من جاء بعدهما من فلاسفة البشر ، وهي السبب في كل هذه المعاناة التي ضاقت بها الصدور لرأينا سيوف السوفسطائيين الجدد ممشوقة تتسابق في قطع دابر الذين ظلموا أنفسهم بتلفظهم قول الحق هذا .

ولكي نحصر الأمر في دائرة أضيق تتناسب وحجم الموضوع وتبعدنا عن متاهات العموم نسأل تجار السياسة العالمية وأصحاب الأفكار الوطنية الذين سعوا من قبل ويسعون من اجل التصدي لمنصب القيمومية على شعب العراق ، معرّفة نفسها على انها هي ممثلة العدل والاسلام والانسانية والتحضر بل هي المنتجبة للسيادة دون غيرها ، نسألهم عن بعض تلك الموازين المقلوبة في حدود مكان موضوع البحث (العراق) فنقول:

ـ هل المواطنون متساوون عندكم في الحقوق والواجباب حقاً ؟

ـ وماذا تحملون من نظرية في حقل المواطنة في دولة العراق ؟

ـ ومن هو العراقي في نظركم ؟

هل الميزان هو تراب الاجداد والدم ، أم قانون الجنسية والمستمسكات العثمانية؟

أم لا هذا ولا ذاك بل الانتماء الطائفي؟

ونجيب إذ لا مجيب !!! ان هذه المعايير جميعها موجودة في النسيج الفكري العراقي ونظريات ذوي الأفكار الذين يتربصون الدوائر ببعضهم ، فمن مؤمن بأن العراقي هو كل من عاش آباؤه واجداده في ارض عراق العرب أو ما يسمى في التاريخ الاسلامي بسواد العراق ولكن هذه الفكرة ما زالت في حدودها النظرية لم تمنح الأيام فرصة لاصحابها كي تحكم العراق لاثبات صدق نواياهم بتطبيق الشعار على ضوء معتقدهم .

وآخر تبنى المعيار الثاني وعدّه القانون الرسمي ، عملت به بعض الحكومات في العراق حيث عدّ من يحمل المستمسكات العثمانية هو العراقي من الدرجة الأولى يمنح شهادة الجنسية من صنف 4/ أ ، اما من لم يحمل مثل هذا الصك فهو ليس بعراقي أصيل وان كان من اصلاب عراقيين ، بل هو مواطن من الدرجة الثانية أو يخرج من المواطنة ، وهذا هو المعمول به منذ تسنين قانون الجنسية العراقية إلى زماننا هذا .

ومنهم من نافق في هذا المجال فادعى تطبيق المعيار العثماني شعارا لكنه التزم عملياً معايير الطائفية والعنصرية البحتة في تشخيص المواطنة كما في عهد الحكومات القومية ، ويعتمد هذا الفكر الانتماء الطائفي اولاً والقومي ثانياً.

فمن ليس بسني في المذهب فهو ليس بعراقي وان كان عربياً ، وهو ما عملت به حكومة البعث حيث نفت وجود عراقي شيعي ، فكل شيعي فهو ايراني بلا نقاش وهو ما اعلن عنه الطاغية صدام حسين في سنة 1991م عندما قال وهو ينتقد اهالي محافظات البصرة والعمارة والناصرية والسماوة بسبب الانتفاضة :  "هؤلاء اجدادهم من الفرس وكانوا ساسة خيول الفرس ، وبعد هزيمة الفرس في القادسية بقي هؤلاء في اهوار العمارة والناصرية وتكاثروا ثم حسبوا على العراق" ؛  ولو راجع التأريخ والانصاف لرأى الأمر خلاف ما قال .

ورائحة هذه الفكرة تُشمّ أيضاً وبشكل واضح من كلمات بعض الساسة والمثقفين القوميين من العرب بعد سقوط صدام حسين وفوز الاكثرية الشيعية في الانتخابات ، حيث حصروا سيادة العراق في السنة العرب فالعراق لهم لا لغيرهم من العراقيين وما زالوا يتحايلون ويتآمرون ويتملقون لأمريكا والغرب من أجل سلب حق الحياة والحرية والمواطنة والمساوات المشروعة في الأعراف والأديان عن الشيعة وتخصيصها بالسنة العرب وكأن العرب الشيعة ليسوا من العرب .

وسيستمرون على دق طبول الطائفية هذه حتى افناء العراق أو استرجاع السيادة كما يفسروها هم، فالجهاد هذه الأيام هو من أجل كرسي السيادة لا في سبيل الله كما يروجون ، وحديثهم في الواقع عن الحصة في الحكومة لا تدنيس أرض العراق ، ولعمري لو أعطي من سمّى نفسه مجاهداً حصة الأسد من الحكم لتبخر الجهاد وسكتت بنادق المجاهدين وها هم يصرحون ، ويقولون لغيرهم اتركوا المحاصصة واعطونا ما نستحقه من سلطة تقف سياراتنا المفخخة عن قتل الابرياء ، وتغيب شعارات الجهاد في أفق العراق ويعم الأمن ونقول كما تقولون أن بقاء قوات متعددة الجنسيات هو بموافقة من الأمم المتحدة ووجودها قانوني واننا سنخرج المحتل بالمقاومة السلمية . وما دمتم لا تعطونا حقنا من السلطة فأنصار السنة وقاعدة الجهاد وباقي فصائل القتلة هم بالمرصاد لتقطيع أمواتكم واحياءكم في اللطيفية ، وهتك أعراضكم في المدائن ، وقتل علمائكم وإن كانوا في مسجد أو ضريح مقدس مثل ضريح علي بن ابي طالب [u] ، وتفجيرجموع مواكبكم كما فعلنا في كربلاء بل وحتى مجالس ترحيمكم على موتاكم وإن كانت في الموصل الحدباء، واياكم ان تمسونا بسوء وإلاّ فقد أعذر من أنذر.

هذا هو الجهاد من سالف الدهور ، فعلى كل عراقي غيور على وطنه وشعبه درك الخطر الكامن في هذا السم الزعاف الذي ينفثه اصحاب هذه النظرية في الوسط العراقي والعربي ، ولا تغرنهم المظاهر والشعارات بعد أن سُمع هذا الفحيح من حناجر علماء دين و حكام و ساسة أحزاب وبعض الرعاع ، ولا ينتظر غير ذلك من مثل هذا المعيار الفاسد السائد في الفكر الطائفي .

والذي ذكرناه هو ذيل التأريخ وللمسألة عمق أكبر بعمق التاريخ الملكي الاسلامي ، ينطوي على أسرار غريبة في هذا المجال لا يهمنا ذكرها إلا بمقدار ما اشرنا لارتباط جذور مسألتنا بتلك ، فمن عرف عرف ومن لم يعرف لا يتعدى تفسيره لما عليه الكورد الشيعة من ظلامة من سلب مواطنتهم وانتمائهم واهمال أي دور لهم إلا بسبب كونهم دخلاء على العراق ، ولا يدري أن التشيع لأهل البيت ذنب عظيم لا يغفره التأريخ السياسي إلى يوم القيامة ولا فرق في ارتكاب هذا الجرم بين الكوردي والعربي .

لقد حاول العراقيون بجميع اعراقهم الحوار مع أصحاب هذه الفكرة منذ عهد بعيد لإقناعهم بأن ما هم عليه لا ينسجم وطبيعة الشعب العراقي ولا يساعد عليه دين أو عرف ، ولابد من قبول منطق العقل في مسألة إدارة الشعب حقنا للدماء البريئة التي حرّم الله سفكها وحرّمها القانون والعقل ، وصونا للأعراض والحقوق واستجابة لنداء العدالة والضمير وهم يعلمون ان كورد العراق أكثر أصالة في العراقية من عربها لكونهم أصحاب الأرض قبل فتح المسلمين لها بل وقبل هجرة العرب اليها ، وان العرب انما كانوا يدخلونها لقربها من بلادهم وقد صرح القلقشندي بذلك في صبح الاعشى في وجه تسمية العراق بعراق العرب ، إذ قال وانما سميت بذلك " لأن العرب كانت تنزله لقربه من بلادهم" . وسنقدم في آخر فصول الكتاب الدليل على ذلك من لسان مؤرخي العرب أنفسهم .

كما ان شيعة العراق أعمق جذراً من سنيها وهذان المصران الكوفة والبصرة يشهدان أن شيعتهما أبيدت وشردت بأمر من معاوية وعلى يدي زياد بن ابيه والحجاج بعد أن جمع معاوية المصرين لزياد بن ابيه؛

ـ قال الطبراني " كان يتتبع شيعة علي رضي الله عنه فيقتلهم "([13]) ،

ـ وقال ابن عساكر والذهبي " تتبع شيعة علي في البصرة فقتلهم "([14])،

ـ ونقل محمد بن عقيل عن ابي الحسن المدائني وكذا ذكر الطبرسي قوله : " وكان أكثر الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي "([15]) .

ـ وذكر ابن ابي الحديد فيما فعله زياد قائلاً : " فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشرّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم "([16]).

لكن النصح لم ينفع والتأريخ لم يشفع ؛ بل أبوا إلا ارتكاب الخطأ ، وعبادة الهوى ولعمري ان هذه الأساليب القمعية التي ذكرها ابن ابي الحديد عن أوائل العروبيين امثال زياد والحجاج أعادها وأضاف اليها آخرهم صدام حسين ورجاله من منتسبي حزب البعث العربي الاشتراكي وهذا شعب العراق شاهد حي يشهد لمن أراد تقصّى الحقائق .

أقول هذا وانا اعلم انه كلام لا يروق لمن لا يرى لنفسه وزنا عند قيام الميزان ولا يجد في جعبته حرفا للقول عند التحكيم ولا في نفسه شجاعة لقبول المنطق ، وكيف يروق له هذا وقد تربى على حب نفسه دون سواه وعزّ عليه سبيل اثبات ذاته إلا بالذي نراه فحق أن يكون من الذين [ زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ]([17]).

انه من الظلم والسفه ان نقول للشيعي الاسدي والتميمي والخفاجي والمالكي والشمري والخزرجي والربيعي والعبسي والكعبي واللامي وغيرها من قبائل العرب انهم من الفرس وانهم ايرانيون ، ومع ذلك فقد قالها الطائفيون صراحة ، ومسّت نار حقدهم الكثير من أفراد هذه القبائل وغيرها فمن عجزوا عن تلصيق الاعجمية به منهم حصدته سيوفهم أو غيّبته سجونهم أو ضيّقوا عليه الحياة ليهرب طوعا من جحيمهم ، فما بالك بشيعة الكورد الذين ظلموا جملة بين القتل والسجن والابعاد الجماعي عن الوطن ومن تبقى منهم لم تكن حياته في ظل جورهم بأفضل ممن أُبعد أو سجن([18]) .

وأما عن حالات الإختفاء([19]) ذكر انه : لايزال عدد كبير من الذين اعتقلوا سنة 1980م ، و بعد أكثر من 25 سنة من اعتقالهم ، مجهول مصيرهم و لا يعلم أقاربهم ما حدث بهم. أغلب الظن أنهم في سجون النظام في شتى أنحاء العراق . ليسوا سحناء حرب ، و لم يوجه لهم ايّ اتهام.([20])

هذه مفردات من الوف المفردات ذكرناها استطراداً ، لنتبين ان العربي الشيعي في العراق مطلقاً كان عرضة لهذا القانون الجائر ، وكم من عربي شيعي يحمل من المستمسكات والوثائق ما لا يحملها صدام نفسه تعرض لنفس التسفير بعد اخذهم مستمسكاته وتمزيقها ، ومنه نعلم حال الكوردي الشيعي الذي هو مغضوب عليه من ناحيتي العروبة والمذهب .

وعودا لأصل الموضوع ، وهو البحث في معيار الهوية والمواطنة ، فبعد قبولي دعوة الأخوة في ظرف صعب يعيشه كل عراقي من جراء الارهاب والقتل المتعمد للشيعة وفقدان الامان في الطرقات وخطورة التنقل بين المحافظات بحثاً عن المكتبات والمصادر لم اجد بداً من الشروع ولو في حدود المتوفر في مكتبتي ، فبدأت برسم الفكرة ، وتحديد المسائل ذات العلاقة بالموضوع فرأيت ضرورة تقديم نبذة عن الشعب الكوردي لأختصاص بحثنا بفرع من هذا الشعب .

ولا يمكن الخوض في الفرع دون اشارة إلى الأصل من حيث عراقة الجذور وتشعب الفروع وطبيعة المكونات ليتضح للقارئ مغزى العنوان ، ثم نواصل البحث عن تأريخ هذه الشريحة وبدايات تكوينه ومن ثم نعكف على دراسة التواجد الجغرافي لهذا الفرع في بقاع العالم ونركز بشكل اكبر على العراقيين منهم ببيان الحدود الحقيقية للعراق والمدن التابعة لها لنثبت بشهادة التأريخ تواجدهم التأريخي على أرضهم بخلاف ما روجه العنصريون ، لنقف أخيرا على السبب الحقيقي وراء تهميشهم وانكار مواطنتهم ، والمعاناة التي واجهوها طوال حياتهم ، وما إلى ذلك من مسائل تخص هذه الطائفة من المجتمع العراقي ؛ وأملي ان اكون قد وفقت في تقديم خدمة بسيطة لهذه الشريحة المؤمنة المظلومة التي كانت اكثر الشرائح عرضة للاهمال والضياع.

وتوضيحا لبعض الأمور وما يمكن أن يقال في نقد ما اعتمدناه من آراء في هذا البحث أقول :

لا شك أن تفسير الأحداث والوقائع التأريخية سيما تلك الواقعة في العمق البعيد يختلف باختلاف مذهب الباحث في اعتماد المصادر الخاصة بالحدث بل لكل مدرسة فكرية نظريته الخاصة في التفسير ، فلا يمكن رفضها جميعاً بعد وجود الأثر كما لا يمكن قبولها جميعاً للضبابية المكتنفة لعملية الرؤية ، فهي جميعها تعتمد العلم والظن والحدس .

وبما أن العلم التفصيلي محال على البشر فلا مفر من الاعتماد على المظنون . والظن يتفاوت في مراتبه بتفاوت مراتب حذاقة الظان ومصادره لذا من الممكن أن يدخل الوهم أحيانا في صورة المظنون ، فمن المنطق الاحتياط في التعامل مع المظنونات وعلى هذا الأساس تعاملنا مع بعض مسائل البحث فأخذنا بأقرب الظنون إلى الواقع وتجنبنا الافتراضات والحدسيات سيما في موضوع تكوين المجتمعات وتواجدها في مناطق سكناها في بداية نشوئها وكيفية انتشارها .

لقد تعاملنا مع مسألة أصل المجتمعات الحالية مثلاً على أساس ما ثبت في القرآن الكريم من أن الحياة الحيوانية أبيدت بطوفان نوح ولم ينج من نسل آدم إلاّ نوحاً ومن نجّي معه من أهله المؤمنين ، ومنهم بدأت البشرية بالتكاثر من جديد وأصل المجتمعات البشرية الموجودة حالياً يرجع في نظرنا إلى النبي نوح والناجين معه من أولاده وأحفاده ، أما ما يقال من تعدد الملاحم المبيرة فلم يثبت عندنا شئ منها .

وكذا في موضوع انتشار الذراري والتجمع القبلي فقد اعتمدنا الروايات وأقوال مؤرخي أهل الأديان باعتقادنا أن النصوص الواردة عن الأنبياء بعد نوح وأخبار الكتب السماوية المنزلة هي الأقرب إلى القبول من حدس علماء العصر الحديث المبني في كثير من الأحيان على فرضيات لم تثبت صحتها ، فلو قلنا أن بلاد الفرس في المكان الفلاني وبلاد العرب في المكان الكذائي لم نعتمد كتيبة عثر عليها الأثريون في تل هنا أو كهف هناك لاحتمال التقليد والعرضية في مثل هذه الأمور .

كما اننا لم نعر أهمية لكثير من الآراء التي غلب عليها التعصب الأعمى فأماتت حقاً أو أحيت باطلاً ، لمساواة البشر عندنا في كل شئ إلاّ فضل التقوى .

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

عراقة الشعب الكوردي

 

ليس المقصود من كلامنا عن أصول الشعب الكوردي وعراقته هنا على انه مرادنا الأصلي فيما نكتب لينتظر ايفاء الموضوع حقه من التفصيل والبحث الاكاديمي ، بل الغرض الحقيقي من الكتاب ينحصر في عرض نقطتين اساسيتين هما اصالة عراقية الكورد القاطنين في العراق عموما والشيعة منهم بشكل خاص لكونهم محور الحديث ، وموقع الكورد الشيعة في المجتمع العراقي ، لهذا تكون اشارتنا إلى هذه المسألة بمقدار ارتباطها بما قصدناه ، لهذا نختصر ونقول :

اختلفت آراء النسابين والمؤرخين في أصل الشعب الكوردي اختلافا كبيرا نلخصها فيما يلي :

 

الرأي الأول :

القائل انهم يرجعون إلى الاصول العربية وان موطنهم الأصلي هو اليمن ، قال الفراهيدي في العين : " والكرد جيل من الناس " ثم ذكر قول الشاعر :

لعمرك ما كرد من ابناء فارس                                                                      ولكنه كرد بن عمرو بن عامر([21]).

وكذا ذكره ابن منظور([22])، كما اختاره الزبيدي([23]) : وقال هو الذي جزم به ابن خلكان في وفيات الاعيان في ترجمة المهلب بن ابي صفرة قال : "ان الأكراد من نسل عمرو مزيقياء وقعوا إلى ارض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم فسموا الأكراد". وبعضهم يرى([24])انهم من ولد مضر بن نزار وانهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة انفردوا قديماً لدماء كانت بينهم وبين غسان .

الرأي الثاني :

ما ذهب اليه بعضهم اذ قسّم الكورد بين ولدي نزار، ربيعة ومضر ، يقول المسعودي([25]) : "وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس والأصح من أنسابهم انهم من ولد ربيعة بن نزارـ فأما نوع من الأكراد ـ وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة وهي أرض الدينور وهمذان فلاتناكما بينهم انهم من ولد ربيعة بن نزار بن معد، والماجردان ـ وهم من الكنكور ببلاد أذر والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشادنجان والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حًلّ بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم ـ فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار.

 

الرأي الثالث :

رأي نسابة الفرس ، فقد ذهبوا إلى ان الكورد من ولد كرد بن اسفنديار بن منوشهر ، كما ذكر ذلك المسعودي([26])، والزبيدي([27]). والمقريزي([28]).

 

الرأي الرابع :

رأي بعض الكورد ، فقد رجح العلامة محمد افندي الكوردي ان يكون : كرد بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح هو الجد الأعلى للأكراد ، كما نقل عنه ذلك الزبيدي([29]).

 

الرأي الخامس :

قول من قال انهم من نسل بلقيس ملكة سبأ ، ولهذا نسبهم البعض إلى الجن باعتبار ان أم بلقيس كانت من الجن كما هو المتفق عليه بينهم . وربما كان هذا الرأي هو الذي عوّل عليه من نسبهم إلى عمرو ميزيقيا بن عامر ماء السماء وعدّ أصلهم من اليمن .

 

وآراء كثيرة أخرى في الباب أعرضنا عن ذكرها لعدم الفائدة ، وبعد بعضها عن الحقيقة ، وهذا الاختلاف الكبير والآراء المتكثرة بين القوم ، تدل بمجموعها على العمق التاريخي السحيق لجذور هذا الشعب بحيث حيّر النسابين والمؤرخين ومن أدلى بدلوه في هذا الباب .

 

 

والحق ان الشعب الكوردي كبقية شعوب العالم شعب أصيل قائم بنفسه وإن لم يحظ في زماننا بدولة سيادية مستقلة ذات حدود اقليمية كما عليه العرب والفرس والترك وغيرهم من الشعوب الاسلامية، وانهم شعب ليس من الفرس كما ادعى البعض ولا من العرب كما ذهب اليه الآخرون ، بل هم أمة مقابل الأمم العريقة التي عاصرتها ، تطاول غيرها في الاصالة والقدم إن لم تكن أعرق منها أصولا وان التقت بها في الجذور ، لذا ليس من الغريب على الباحث ان يتحسس وجود الكورد حسب الروايات والاخبار في القرون الموغلة في التاريخ .

نعم فقد يقرأ المتتبع من أسمائهم (هيزن) أو (هزن) في زمن ابراهيم الخليل ، كما جاء في رواية المفسرين ، فقد ذكروا في تفسير قوله تعإلى : " قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين "([30]) : ان الذي قال ذلك هو رجل من الاكراد ، ذكره القرطبي([31])عن ابن عمر ومجاهد وابن جريج ، وابن كثير([32]) عن شعيب الجبائي وفي قصص الانبياء([33]) والطبري([34])عن عبد الله بن عمر ، والطبرسي([35]) عن ابن عمر ومجاهد ، وكذا ذكر ذلك محمد بن حبيب البغدادي([36]) والطبري([37])وابن كثير([38]) وهي فترة حكومة الطبقة الأولى من ملوك الفرس وفترة حكومة الكلدانيين بالعراق الذين اتخذوا كلواذي عاصمتهم والبابليين في بابل حيث اشتهرت أيامهم بحمورابي ونبوخذ نصر.

قال المسعودي([39]) : " والفرس تذكر أن هؤلاء الملوك البابليين انما كانوا خلفاء لملوكهم الأولى ومرازبة على العراق وما يليه من المغرب حيث كانت دار مملكتهم بلخ إلى ان انتقلوا عنها ونزلوا المدائن من أرض العراق وكان أول من فعل ذلك خماني ابنة بهمن بن اسفنديار".ويبدو ان ذلك كان في زمن الضحاك الذي يقال بانه هو النمرود.

ويرى أيضاً آثارهم أيام كيكاووس بن كيقباذ ، وهو من الطبقة الثالثة من ملوك الفرس لا كفرع صغير من ابناء الفرس اجداد كيكاوس ، ولا كفرع فارسي بل كأمة مقابل الفرس([40]) ؛

كما يجدهم أيام بهمن بن اسفنديار ، الذي بعث بخت نصرلتخريب بيت المقدس ، قال الدينوري([41]) : " كان ساسان بن بهمن يومئذ رجلا ذا رواء وعقل وأدب وفضل ، وهو أبو ملوك الفرس من الأكاسرة ، ولذلك يقال لهم الساسانية ، فلم يشك الناس أن الملك يفضي إليه بعد أبيه ، فلما جعل أبوه الملك لابنته خماني أنف من ذلك أنفا شديداً ، فانطلق ، فاقتنى غنما ، وصار مع الأكراد في الجبل ، يقوم عليها بنفسه ، وفارق الحاضرة غيظا من تقصير أبيه ".

وهذه النصوص القديمة وغيرها من روايات المفسرين والمؤرخين المعروفين تؤكد ما ادعيناه من عمق جذور هذا الشعب الكبير ، وأصالة أعراقه ، فلا يضير طودهم الشامخ لمز الاعداء ، ولا همز ضعاف النفوس ، ويحق أن يقال للعنصريين ممن غرّهم جهلهم بعراقة الشعوب فتجاهلوا غيرهم ، ما قاله الفرزدق لهشام بن الحكم حين تجاهل الامام علي بن الحسين [u] :

وليس قولك مـن هــذا بضــائره                                                                                      العرب تعرف من أنكرت والعجم

ونحن إذ نتعرض لموطن هذا الشعب انما نأخذ بنظر الاعتبار التوطن والاستقرار في الأرض ابتداءً ، ولا يهمنا سلطنة الحكومات على تلك المناطق اطلاقا ، فإن بلد الكورد لا يتغير بتغيير الحكومات التي تحتل مناطقها ، فهو بلدهم سواء استعمرها الفرس أو احتلها الروم أو حكمها العرب ، فلا يحتج علينا من يحتج بقدم حكومة الفرس ، ونعتمد في ذلك ما قاله ابن خلدون([42]) عن الموطن الحقيقي للفرس والكورد : "وأما موطن الفرس فكانت أول أمرهم بأرض فارس وبهم سميّت ، ويجاورهم اخوانهم في نسب شوذ بن سام ، وهم فيما قال البيهقي ، الكرد والديلم والخزر والنبط والجرامقة ... ثم صارت لهم خراسان ومملكة النبط والجرامقة وسائر هؤلاء الأمم" .

وهذا أمر متفق عليه بين المؤرخين بعد اقرارهم باختصاص كل أمة منها بأرضها منذ نشوء قبائلها وهو ما دعانا إلى السؤال عن بلاد الكورد من اولئك الذين يقرون مرغمين بوجود هذا الشعب الكبير ويتهربون من الاعتراف بأرضهم ووطنهم .

ومن المفارقة أن نسمع تحامل بعض القوميين العرب على الكورد في آخر عصور الإسلام بينما نقرأ عن أوائل عصوره أن الخليفة الأموي مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم ، كانت امه امرأة من الكورد اسمها لبابة ، كما ذكر ذلك ابن عساكر([43]) والذهبي([44]) وسنذكر لاحقاً موارد مشابهة تؤكد مصاهرة العرب للكورد في القرون الأولى من الإسلام مما يثبت تداخل الشعبين منذ زمن بعيد.

 

وأما انتشارهم في البلاد ، فلم يعد خافياً على من تصفح اوراق التأريخ ، فقد استقرت قبائلهم منذ زمن بعيد جداً في ارجاء واسعة من بلاد الله العريضة ، فمن ايران إلى العراق والشام وأرمينيا وشمال افريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية وغيرها من البلاد إلى بلاد الترك وما بعدها من حدود ، حيث تجد الكورد وآثارهم ومآثرهم ، وقد اعرضنا عن الاستشهاد لذلك بنصوص تأريخية روما للاختصار أولاً ، وللغنى عنها بعد الشهرة العالية في كتب التأريخ والسير ثانياً .

وقد تعرض الكثير من الكورد العراقيين للجلاء عن أوطانهم بفعل الحروب والغزوات ، فقد ذكر ابن خلدون في تأريخه([45]) : "ان عشيرتين من الكرد تعرفان ببني لوبن وبني بابير فيمن اليهم من الاتباع دخلوا المغرب لآخر دولة الموحدين ونزلوا على المرتضى ". وعند ترجمته لمحمد بن القالون المعروف بالمزوار ، قال : "انه كردي من الاكراد الذين وفد رؤساؤهم على ملوك المغرب ايام اجلاهم التتر عن أوطانهم بشهرزور عند تغلبهم على بغداد سنة 656 هج ، وقال : فمنهم أقام بتونس ومنهم من تقدم إلى المغرب فنزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن جوارهم " .

واما قبائلها وعشائرها : فهي لا تعد ولا تحصى ،

 

أما عن قبائلهم القديمة ، فقد ذكر منهم المسعودي في التنبيه والاشراف([46]) : البازنجان والشوهجان والشاذنجان والنشاورة والبوذيكان والرية والجورقان والجاوانية والبارسيان والجلالية والمستكان والجابارقة والجروغان والكيكان والماجردان والهذبانية وغيرهم ممن بزمام فارس وكرمان وسجستان وخراسان واصبهان وأرض الجبال من الماهات ، ماه الكوفة ، وماه البصرة ، وماه سبذان والايغارين ، وهما البرج وكرج أبى دلف وهمذان وشهرزور ودراباذ والصامغان وآذربيجان وأرمينية وأران والبيلقان ، والباب والابواب ، ومن بالجزيرة والشأم والثغور . واضاف كما عن الزبيدي السورانية والكورانية والعمادية والحكارية والمحمودية والبختية والبشنوية والجوبية والزرزائية والمهرانية والرضائية والسروجية والهارونية إلى غير ذلك من القبائل التى لا تحصى كثرة .

وقال الزبيدي([47]) ، نقلا عن فاضل عصره العلامة محمد افندي الكوردى : انهم قبائل كثيرة ، ولكنهم يرجعون إلى أربعة قبائل السوران والكوران والكلهر واللر .

فالجاوان كانوا يسكنون حلوان والمناطق الشرقية في العراق كما استقر بعضهم في الحلة المزيدية بالعراق كما ذكر الفيرزآبادي([48])، منهم الفقيه محمد بن علي الجاواني الكردي الحلي ، ومنهم الحسن ابن ابي طاهر احمد بن محمد بن الحسين الجاواني من أكراد الحلة([49]).

والبشنوية موطنهم جزيرة ابن عمر لهم قلاع مثل البرقة وقلعة بشير وقلعة فنك ، ذكرهم الحموي في المعجم([50]) وقال عن سطوتهم : " وما كان يقدر صاحب الجزيرة ولا غيره مع مخالطتهم للبلاد عليها وهي بيد هؤلاء الأكراد منذ سنين كثيرة نحو الثلثمائة سنة وفيهم مروة وعصبية ويحمون من يلتجئ اليهم ويحسنون اليه "([51]).

والزوزانية ، وتنسب إلى الزوزان ناحية واسعة في شرق دجلة من جزيرة ابن عمر وأول حدودها من نحو يومين من الموصل إلى حدود خلاط وينتهي حدودها إلى آذربيجان إلى عمل سلماس .

والهكارية([52]) ينتمون إلى الهكارية وهي قرى فوق الموصل ، اصحاب المعاقل والحصون والقرى في شرق بلاد الموصل .

والشوانكارية وهم الذين التجأ اليهم في سنة 564 هج ، شملة ملك فارس صاحب خوزستان .

والبختية وكانت لهم قلاع في الزوزان منها قلعة جرنقيل وهو كرسي ملكهم وقلعة آتيل وقلعة علوس واروخ وباخوخة وكنكور وغيرها ومن زعمائهم الأمير موسك بن المجلي .

والدنبل أو الدنابلة ، كانوا بنواحي موصل منهم الامام شمس الدين ابو العباس احمد بن نصر بن الحسين ناب في القضاء ببغداد ومات بعد الستمائة . ومنهم الميرزا عبد الرزاق بيك ابن نجفعلي الدنبلي الأديب المؤرخ([53]) المتوفي سنة 1243 هج ، ذكره الطهراني([54]) وقال توجد نسخة مخطوطة من الكتاب في طهران في خزانة كتب ملك الشعراء . ومنهم الشاعرة حيران الدنبلي([55]) ، كما عن الذريعة([56]).

والحكمية ومن أمرائهم الأمير ابو الهيجاء الإربلي .

والجوزقان بحلوان وضواحيها ومنهم ابو عبد الله الحسين بن جعفر الجوزقاني الكوردي مؤلف كتاب الموضوعات توفي سنة 543 هج .

والكوران وهم قبيلة كبيرة انتشرت بين العراق والشام خرج منهم كثير من العلماء .

والجوبية ومنها ابو عمران موسى بن محمد بن سعيد الجوبي .

والبابير وهم قبيلة كبيرة كانت تقطن شمال العراق ، هاجر قسم كبير منهم إلى المغرب أيام زحف التتار ومنهم أبو بكرالأمير سيف الدين البابيري ترجم له الصفدي في اعيان العصر([57]).

والكلالية : موطنهم بين شهرزور إلى جبال همذان ، وكانوا يعرفون بجماعة سيف ولهم أمير يخصهم وهو يحكم على من جاورهم كما ذكر القلقشندي في صبح الاعشى .

والزنكلية : وموطنهم كان جوار ديار الكلالية .

والمازنجانية وهم فرع من المحمدية ، يعرفون بطائفة المبارز (كك) كما قال القلقشندي([58]) .

وغيرها الكثير من القبائل العراقية الأصل ولا ينكر ذلك إلاّ مكابر ولا موجب لذكر المزيد عنها بعد ان كفانا التأريخ مؤنة الدليل على وجودهم ومواطنهم .

 

وأما قبائلهم الحديثة فهي الأخرى تشعبت وتوسعت في موطن أصولها ، ففي أقصى شمال العراق حيث :

في زاخو نجد السليفاني والسندي والكللي وشمدينان .

وفي دهوك قبائل مزوري كأرتوش والشرفان والدوسكي ؛

وفي عقرة الزيباريين بطوائفها البرروز والمزوري والشيروان وبراودوست وكردي وهركي ، وكذا السورجية والشمزينية والزركي ، وخت بري وغيرها الكثير ؛

وفي شيخان الايزدية بفروعها بكران وبردهلي وبلسين وبابيري ؛

وفي كركوك الداوده والشوان وساله يي وشيخ بزيني والكاكائية والبيرقدار من الدلو وبالاني وغيرها.

وفي العمادية البهدينان ومن فروعها تيرواريكان وبرواري ؛

وفي السليمانية واربيل العدد الكبير كقبيلة البارزان بفرعيها بروش ونزار وقبيلة الزنكنه والبابانية والشيخ بزينية وطوائف من اللك وطوائف من الكلهروالزرزا وكثير غيرها .

وفي ديالى وضواحيها الزركوش والروزبهان والزندية .

وفي خانقين ومندلي المنصورية والشهبازي من الكلهر وغيرهم .

وفي واسط وبدرة ونواحيها الزركوش والملكشاهي والشوهان والقيتول وورمزيار والميشخاص والملخطاوي وآليوي وأغلبهم فيلية .

وأمثالهم في محافظتي ميسان والبصرة ، وما ذكرناه كشاهد هو القليل القليل من فروع قبائل الكورد العراقية .

 


 

وأما ما يخص أدوار حكوماتهم فيكفينا ذكربعضها فمنها :

الف ـ الدولة الأيوبية ، فقد ذكر المؤرخون أن أسد الدين شيركوه ، هو أول من ولي مصر من الكورد الايوبيين . وهو عم السلطان صلاح الدين الايوبي([59]) .

ب ـ الحكومات المحلية للكورد الشيعة في مناطق متعددة من بلاد الكورد :

حكومة أبو نصر سهلان بن مسافر في القرن الثالث ؛

وحكومة آل حسنويه في مناطق الجبل بين خراسان وهمذان إلى خوزستان في القرنين الرابع والخامس .

وحكومة آل ابي الشوك فارس بن محمد بن عنان في حلوان وقرميسين([60]) في القرنين الخامس والسادس .

وحكومة اللرالكبير والصغير في لرستان ، وحكومة حسين قلي خان في مناطق بشتكوه وما حولها . وغيرها من الحكومات العشائرية في الفترات المختلفة .

 

وأما عن اخلاقهم ومآثرهم فقد كتب الكثير وانتخبنا منها بعضها :

الأول : قصة قصيرة ذكرها اسامة بن منقذ([61]) تحت عنوان "يقاتل لرد الجميل". قال : " ومن الناس من يقاتل للوفاء فمن ذلك ان رجلاً من الأكراد يقال له فارس وكان كإسمه فارس وأي فارس ، فحضر أبى وعمي رحمهما الله وقعة كانت بينهما وبين سيف الدولة خلف بن ملاعب . عمل عليهم فيها وغدر بهم ، وقد حشد وجمع وهم غير متأهبين لما جرى ، وسبب ذلك انه راسلهم وقال نمضي إلى (أسفونا) وفيها الفرنج نأخذها. فسبقه أصحابنا إليها وترجلوا وزحفوا إلى الحصن نقبوهم وهم في القتال وابن ملاعب وصل ، فأخذ خيل من كان ترجل من أصحابنا ووقع القتال بينهم بعدما كان للإفرنج واشتد بينهم القتال .فقاتل فارس الكردي قتالاً عظيماً وجرح عدة جراح ، ومازال يقاتل ويجرح حتى اثخن بالجراح وانفصل القتال ، فاجتاز أبى وعمي رحمهما الله وهو محمول بين الرجال فوقفا عليه وهنآه بالسلامة فقال والله ما قتلت أريد السلامة لكن لكم علي جميل وفضل كثير ، وما رأيتكم في شدة مثل هذا اليوم فقلت أقاتل بين أيديكم وأجازيكم عن جميلكم وأقتل قدامك . وقضى سبحانه وتعإلى أن عوفي من تلك الجراح ومضى إلى جبله ".

الثاني : ما ذكره ابن كثير([62]). وفيه ما لا يخفى من البطولة والإيثار والمفردات من هذا القبيل كثيرة جداً في ابناء هذا الشعب العريق وقد لمسها العدو والصديق .

الثالث : موقفهم من أحد خلفاء المسلمين ، كما ذكره الدميري ([63])، : " جرى بين المقتدر وبين مؤنس الخادم حرب ، فاقتحم المقتدر نهر السكران فأحاط به جماعة من البربر فقتله رجل منهم وأخذوا رأسه وسلبه ثيابه ومضوا إلى مؤنس الخادم ، فمرّ بالمقتدر رجل من الأكراد فستر عورته بحشيش ودفنه وأعفى أثره " .

وما أجمل هذا الموقف !! يقتل خليفة المسلمين في أبواب بغداد على يد أعوانه من العرب المغاربة ثم يحزّ رأسه ويجرّد من ثيابه ويترك عارياً بلا كفن أو دفن ولم يقدم أحد من المسلمين لستر عورته فيسارع كوردي غيور فيؤدي حق هذا المسلم الميت.

ولم يتحمل بعضهم ذكر هذا العمل النبيل في التأريخ فمنهم من أهمل الفاعل كابن الأثير([64]) فيقول : "فسترت عورته بحشيش ثم طمي" ، ومنهم([65]) من حاول تضييع الكردي بقوله : "حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش ثم دفنه" وآخر بقوله :"رجل من الأعاجم" وآخر([66]) يحاول أن يلصق تهمة بالرجل اذ يقول : "فطرح بعض المطوعة على سوأته خرقة أخذها رجل من العجم وألقى عليها حشيشاً إلى أن حملت جثته إلى مؤنس" في حين أن المغاربة أخذوا رأسه مرفوعاً على خشبة إلى مؤنس لا جثته .

 

وأما شجاعتهم : فهي معروفة عند الصديق والعدو فقد عجز عن مقارعتهم وقهرهم ملوك الارض وسلاطينها رغم ما بذلوه في هذا السبيل فلا يحتاج هذا الموضوع إلى بيان ، لكننا كدأبنا نذكر من باب التنوع مثالاً لطيفا ً ذكره أسامة بن منقذ([67])، تحت عنوان : "وثالثة تنفذ في صدر الإفرنجي"؛  قال : " ومن عجائب الطعن ان رجلاً من الأكراد يقال له حمدات كان قديم الصحبة قد سافر مع والدي رحمه الله إلى اصبهان إلى دركاه السلطان ملكشاه فكبر وضعف بصره ونشأ له اولاد. فقال له عمي عز الدين رحمه الله يا حمدات كبرت وضعفت ، ولك علينا حق وخدمه ، فلو لزمت مسجدك وكان له مسجد على باب داره واثبتنا أولادك في الديوان ويكون لك أنت كل شهر ديناران وحمل دقيق وأنت في مسجدك. قال افعل يا أمير . فأجري له ذلك مديدة . ثم جاء إلى عمي وقال يا أمير والله لا تطاوعني نفسي على القعود في البيت وقتلي على فرسي أشهى إلي من الموت على فرشي . قال الأمر لك وأمر برد ديوانه عليه كما كان . فما مضى إلا الأيام القلائل حتى غار علينا السرداني صاحب طرابلس . ففزع الناس إليهم وحمدات في جملة الروع ، فوقف على رفعة من الأرض مستقبل القبله فحمل عليه فارس من الإفرنج من غربيه فصاح إليه بعض اصحابنا يا حمدات فالتفت ، فرأى الفارس قاصده فرد رأس فرسه شمالا ومسك رمحه بيده وسدده إلى صدر الإفرنجي فطعنه فنفذ الرمح منه ، فرجع الإفرنجي متعلقاً برقبة حصانه في أخر رمقه. فلما انقضى القتال قال حمدات لعمي يا أمير لو أن حمدات كان في المسجد من طعن هذه الطعنه " .

 

وفيما ذكرنا الكفاية مادام هذا الموضوع لم يكن من مقاصد الكتاب وانما احتجنا هذا المقدار من الإشارة لارتباط الفرع المقصود بهذا الأصل ، كما اجد نفسي مضطرا وانا اتحدث عن الكورد الشيعة إلى اشارة اخرى تخص هذا الشعب من جهة مكوناتها الطائفية لتتضح معالم البحث بشكل أكبر ، فوجود الكورد الشيعة في العراق وغيرها أمر واقع لا ينبغي تجاهله ، رغم كراهة ذكر التقسيم الطائفي ، ولولا ترتب الأثر العملي عليها في أوساط الشعوب والحكومات في هذه الأزمنة ، وما ينجم من المواقف بسببها من الظلم والحيف لأعرضت عن هذا الموضوع ولكن الواقع لا يمكن تجاهله .

 

 


 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المكونات المذهبية للشعب الكوردي

تمهيد

ان الكثيرين من الساسة العراقيين يتعاملون هذه الأيام مع من ذكر الطوائف بحساسية بالغة ، وتنفتح قرائحهم بتقبيح الطائفية والدعوة إلى نبذها والاعتراض بشدّة على من تفوه بإحدى مكوناتها بادّعاء انهم في عصر جديد وتحول جذري في الفكر العراقي ينبغي فيه نبذ هذه النعرات لما فيها من عوامل التفرّق والضعف وانه لابد من تبديل كل تلك المصطلحات بمصطلح واحد هو " المواطن العراقي " دون تمييز بين عربها وكردها وسنيّها وشيعيّها وهذا ما يتطلبه العراق الجديد ، وهذا كلام لطيف جداً وشعار طالما تمنى كل عراقي تحققه ، وقد سمعنا هذه البشارة العظيمة من اكثر المتعاملين مع القضية العراقية .

لكننا ومع الأسف رأيناهم عملا وهم يرفعون رايات الطائفية عندما حان وقت تقسيم ميراث السلطة والأدوار ، فالشيعة العرب قالت نحن الأكثرية ، والسنة العرب قالت نحن شريحة كبيرة همشنا ولا نشترك في هذه الحكومة ما لم نحصل على النصاب الكامل والكورد السنة أيضاً طالبت الاستحقاق .

ووقفت سفينة المساكين ساعة الامتحان حين جاء دور تعيين من يتصدى لحكومة العراق وخدمة هذا الشعب المضطهد ، حيث تبدل شعار "المواطن العراقي" إلى غيره فلا أحد يسأل عن المواطن العراقي فالمهم عند جميع التكتلات السياسية هو نسبة الحصة والحصة لا تتعدى الافراد المشتركين في الفرق ، وها تمر الاسابيع والأشهر ولم نجد منهم من كال بمعيار صلاحية المرشح لخدمة هذا الوطن ولا من دعا إلى استماع صوت هذا الشعب المسكين ابتداء من ترشيح موكليهم وانتهاء بتوزيع المناصب والمسؤوليات بل رأينا تزاحم الألوية وكيل الشتائم والاتهامات ، وكل طائفة تريدها خالصة لرجالها ، ولا يلوح في الأفق القريب نهاية واضحة لنتيجة السباق ، ولهذا ما أخطأ من قال أن الديموقراطية ولدت ميّتة في العراق ، ولا مفرّ من اجتماع المتنافسين الأقوياء خلف الكواليس لطرح البديل الذي سموه بالتوافق ، وهذه مرحلة من مراحل التحول الجديد في العراق .

وللشعب أن يسأل عن هذا التوافق المزمع عقده بعيداً عن أعين ابنائه وعمن يمثله فيه ، لماذا يحصل هذا التوافق وراء الكواليس وانتم تملأون أسماع الدنيا بنشيد الديموقراطية ، وعلام التوافق ومع من وهل استأذنتم الشعب ولو في حدود استفتاء على بنود الاتفاقات داخل المجلس الوطني؟

هل هو توافق على استعادة الثقة ليقتنع الجميع بمن يرشحه الشعب دون السؤال عن هويته الطائفية؟ أم توافق على اعطاء حصة المساكين للأقوياء الذين ما آلواً جهدا في جمع مخازن العتاد في مناطقهم لاستخدامها في أخذ الزائد بالتعصيب ؟

هذا ما دعى الفئات الأقل قوة والأضعف جندا للبكاء على الأطلال والنوح على الحظ العاثر في ساحةٍ تقابل فيها شعار الديموقراطية وواقع التزاحم الطائفي ، لتحيا بين هذه وتلك أمجاد الطوائف وتراث المذاهب والكل يعيش الأمل ولا أدري هل يبادر الضعيف الذي تعلم من القوي من أين يؤكل الكتف فيما لو تيقن الخسارة والإهمال في إظهار قوته بشكل ما لتبقى الفوضى هي سيدة المواقف ، أم ستخمده الحقيقة المرّة الحاكمة بالبقاء للأقوى ؟ أم أن الله تعإلى سيهدي أهل العقد والحل فيبدلوا شعار العدالة إلى عمل ملموس ينهي كل هذه الأقاويل ويعيش الجميع حياة حرّة كريمة وهو ما يتمناه الجميع ؟

على هذا لا يحق لمن تعلق بأطراف الغنيمة ببركة الطائفية أن ينهى غيره عن ذلك فيصدق عليه قوله تبارك وتعإلى : [ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ]([68]). سيما وأن الشيطان قد أوحى إلى أوليائه لينفخوا في صور الطائفية عبر أبواقه الفضائية ليل نهار على مرأى ومسمع من الناقدين وغيرهم ، وها أنا أسمع الآن عبر فضائية عربية المدعو سمير المتحصن في لندن يقول بملئ فمه عندما سأله مدير الحوار عن رأيه في الانتخابات التي جرت في ظرف خطير وملايين الأصوات التي شاركت يقول بكل صلافة : ان الاكراد والشيعة هم مواطنون من الدرجة الثالثة والرابعة .

فبالله عليك أيها المثقف المنصف ، كيف ترضى ديموقراطيتك بمنع الشيعي أو الكردي المضطهد من الدفاع عن نفسه في حين لم تجد بأساً فيما ينفثه قاتله من سموم وأنت تكبت هذا وتشرح صدرك لما يمليه عليك ذاك ؟ لا تلوم ذاك على ما يبث من حقد وكره ويزرع من بغضاء وتكيل العتب على المظلوم الذي يقدم دليله على مظلوميته من تأريخك وكأنك بموقفك هذا تناصر الظالم على المظلوم فإن كنت صادقا فافضح باطل ذاك قبل أن تطلب من هذا اخفاء حقه .

 


 

 

المكونات

المذهبية للشعب الكوردي

 

يعزّ عليّ كمسلم أن أتعرض على كره لذكر الطوائف والتقسيمات التي أدت إلى شرذمة الشعوب الاسلامية وتضعيف كياناتها بعد أن جمع الله كلمتهم بالاسلام وهي حقيقة قد ينكرها السطحيون إلا أنها كانت القشة التي كسرت ظهر البعير بعد أن دخلت الأهواء في ساحة الدين وتزاحم على تراثه المستغلون طمعا في حطام الدنيا لتكون النتيجة هي الكراهية المقيتة بين الأخوة والأحبة والتباغض والتباعد والتشاحن حدّ المقت والظلم والقتل .

فنصيب الشعب الكوردي من هذا الإرث البغيض لم يكن بأقل من نصيب الشعب العربي أو الفارسي أو غيرهما من الشعوب الاسلامية ، فكما نرى الانقسام في الشعب العربي إلى سني وشيعي وخارجي وزيدي واسماعيلي وغيرها فكذلك في هذا الشعب ، حيث نرى السني الكوردي والشيعي والعلي اللهي والايزدي وغيرها من طوائف .

والجميع يظهر نفرته من هذا التقسيم ويدعوا إلى نبذه ويدعوا إلى الأخوة والألفة والمحبة ، لكن التأثير الخفي للتعصب المذهبي يأبى إلا أن يكشّر عن ناب التنفر والانزجار ولو في القلوب ، لهذا نرى الأخوين في المدينة الواحدة تجذبهم إلى البعض ألفة الدم واللغة والوطن من جهة و تدفعهم عن البعض بغض التعصب للمذهب من جهة أخرى ، فتراهم يعيشون لا هم أصدقاء ولا هم أعداء ، تظهر صداقتهم في موقف ويطغى عداؤهم في موقف ، وهم يتمنون أن لا يكون ذلك لكن الأمر فوق التمني مع وجود مقتضيه ، فالعدو الظاهري المتربص بالمسلمين والعدو الباطني المتمثل في الجهل وقصر النظر وعزة الطبيب المداوي كلها أمور تحول دون تحقيق الأماني .

نعم لابد من الاعتراف بوجود هذا التقسيم الطائفي في صفوف هذا الشعب الأصيل ، فهناك أكثرية من السنة وهناك أقلية من الشيعة ، وفي كل بلد يتواجد فيه فروع هذا الشعب في ايران والعراق وتركيا وسوريا وبعض جمهوريات روسيا وغيرها ، ولا يختلف الأمر كثيرا فيما يحكم هاتين الفئتين من علاقات بين الشعب العربي والكوردي ، فالعربي المعتدل في مذهبه وهم الأكثرية يبغضون الشيعة قلبا من غير تحفظ ، والمتعصب لسنيته السلفية يكفر الشيعي علنا ويبيح قتله بل ويقتله تقربا إلى الله كما عليه التكفيريون هذه الأيام ، والشيعة كذلك لكن بموقف لساني بحت لا يصل إلى قتل أو انتقام . مع فارق بين الشعبين وهو اقتصار التباغض بين المذهبيين في الشعب الكوردي على اظهارالانزجار والتذمر بنحو ما ، ولم نسمع ان سنياً كردياً قتل شيعياً كردياً أو عربياً لشيعيته ولا شيعياً كردياً أو عربياً قتل سنياً كردياً أو عربياً لسنيته ، لكننا نرى أن هذا المقدار أيضاً هو أمر ممقوت لا يخدم الشعب ولا الإسلام ويا حبذا لو توجه عقلاء كل قوم إلى هذه المسألة الخطيرة وسعوا في قلع جذورها من القلوب وعدم الاكتفاء بظاهر شعار نبذ الطائفية . حينذاك يمكن القول بأننا تخلصنا من ظاهرة الطائفية الممقوتة .

لا شك أن الاختلاف المذهبي عائق كبير يحول دون السير الطبيعي للمجتمع بما يسببه من عوامل مفرقة للشمل موهنة للقوى مفسدة للود لاهبة للمشاعر ، ولم يسلم شعبنا الكوردي من هذه السيئة ، فقد انقسموا كما قلنا إلى سنة وشيعة ، استوطنت غالبيتهم السنية في شمال العراق بدأً من الحدود التركية العراقية شمالا وانتهاءً ببلدة خانفين في شرق الوسط العراقي يخالطهم نزر يسير من الشيعة متفرقين هنا وهناك ، امتازوا بلهجاتهم الخاصة ، بينما تمركزت الشيعة منهم في الوسط والجنوب من اطراف خانقين حتى البصرة جنوبا تميزهم أيضاً لهجتهم الفيلية غالباً. وكان لهذا التقسيم أثره البالغ في الشريحتين وكان تأثيره على الشيعة أكبر وأعمق ويمكن تلخيص هذا التأثير في نقاط :

* احساس الكورد الشيعة بالعزلة والانقطاع عن الشريحة الأكبر الشمالية وتلمّسهم آثار الجفوة التي أفرزتها المذهبية ، فهم قد عانوا من كلمة "رافزي" التي يسمعونها من بعض اخوتهم المتعصبين نفس معاناة الشيعة العرب الذين سمعوا اللفظة بالضاد "رافضي" من اخوتهم السنة العرب ، وهذا أول الغيث .

* هناك مثل يقول : " وفي الشدائد تعرف الأخوان " ، والكورد الشيعة يكثرون العتب على اخوتهم الكورد السنة بإهمالهم وتركهم عند الشدائد ، وكأنهم يشعرون بتبري الكورد السنة منهم بتأثير التعصب المذهبي وإلاّ فإن المشاعر القومية عند الكورد الشيعة لا تقل حماسا عن تلك التي يمتلكها الكورد السنة، وللكورد الشيعة مواقف في مواقع تعرض فيها الكورد في شمال العراق لظلم الحكومات العنصرية لا سيما في ايام تسلط حزب البعث على العراق .

* كان لهذا الفتور في العلاقات والبرود في المواقف الأثر السلبي الكبير على موقف الكورد الشيعة في الوسط والجنوب حيث تعامل العنصريون معهم براحة بال بعد تأكدهم من عزلتهم وانقطاعهم عن ابناء جلدتهم في الشمال ، فعاملوهم بقساوة بالغة ، ومنعوهم أبسط مستلزمات الحياة ، بل ورتبوا عليهم واجبات دون حقوق ، فلا يحق لطلابهم الدخول في الكليات المهمة ، ولا لرجالهم تسنم مقاعد في دوائر الدولة ، ولا لتجارهم امتلاك اكثر من قوت يومهم وهكذا أوصدوا عليهم أبواب الحياة ، وعامة الشيعة العرب لا حول لها ولا قوة في دفع الظيم عنهم مع معاناتهم لموقف شبيه ، مضافا إلى بقايا مؤثرات النزعة القومية التي أحيتها الحكومات العربية العنصرية في بعض أوساطهم والتي غلبت النزعة الدينية فيهم وأوقفتهم على الحياد في أفضل أحوالهم .

* جدّ الطغاة العنصريون جدّهم من أجل الخلاص منهم ، فقتلوا وسجنوا وأبعدوا الكثير ، ثم احتالوا على الباقين باللعب بورقة المستمسكات العثمانية وشهادة الجنسية ، فإذا أقدم أحدهم للحصول عليها قالوا له أنت كردي ايراني ، وهكذا عوملوا منذ عهد بعيد . وأخيرا بدأت الحكومة البعثية مع تسلمها السلطة في العراق بإجلائهم عن مواطنهم وترحيل الآلاف منهم قسراً إلى الحدود الايرانية بعد سلب هويتهم واتهامهم ولم يجدوا أيام محنتهم تلك ناصراً إلاّ الله .

 

ان الحكومات العنصرية عموما ما كانت لتتجرأ على الشعب الكوردي لولا هذا الانقسام وتفرّق الكلمة ، وما كان القوميون العرب خصوصا بقادرين على ارتكاب كل تلك الجرائم النكراء بحق الشيعة منهم فيما لو كان الشعب متمسكاً بوحدة الكلمة ومتجاوزا النعرات التي ليس وراءها غير الضعف والتشتت.

لقد بات قانون "فرق تسد" السلاح الذي لا يتأثر بتعاقب الدهور ، ولم يحدّ من مضي سيفه تقلب العصور ببركة الجهل الطاغي وشعوذة دجالي السياسة العالمية الذين سحروا أعين الناس بألاعيبهم وأضلوا عقولهم بشعاراتهم ، بعد أن توقّف تأثير سحرهم على ابقاء الناس في ظلمات الجهل وحضيض الشهوات ، ومن أجل ذلك تراهم يسعون أول ما يسعون إلى الاستحواذ على برامج الحياة في المجتمعات بالتضليل أو باستخدام القوة ، فالتربية والتعليم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وغيرها لابد أن تكون وفق البرامج المعدّة سلفا في مختبراتهم ومعاهدهم لكي تسير الشعوب كما شاؤوا في الخط المطلوب .

ولا شك ان عملية تطبيع الشعوب وفق أهواء القراصنة تتطلب الكثير من الامور ليس هنا مجال التعرض لها وانما نكتفي بالاشارة إلى بعضها فمنها :

* السيطرة على عمليات العقل البشري بتحديد خزينها وحركتها في مجال الاجتهاد والاستنباط وإخضاعها لبرمجة خاصة تطبّق في المراحل الدراسية منذ الطفولة وحتى البلوغ العقلي .

* حجب العقول عن بنات افكارها وتزريقها بأفكار ونظريات مصطنعة بديلة واقحامها في متاهات تلك النظريات لتنشغل عن الواقعيات بل وحتى عن الموروثات فيشب الجيل من المجتمع وليس له ايمان بقضية بل يردد المصطلحات التي اكتسبها من المنهج المدروس كما هي .

* سوق الناس نحو الماديات وابعادهم عن المعنويات ليكون اقدس مقدسات الانسان المادة واشباع الغرائز .

* اصطناع الحكام للضغط على الشعوب وحرمانها من ابسط حقوقها والتلويح بعد تأثير ظلم الحكام في الشعوب بحسنات مجتمعاتها اغراء للعقول الفارغة ، مثلهم مثل الذي يحبس انسانا ويقطع عنه الماء والغذاء إلى حد الموت ثم يريه كأس ماء بارد أو قرصة خبز ، ولهذا نرى الكثير من شبابنا متعطشون للغرب وأفكارها ولو علموا ان ما يعانوه من شقاء هو بسبب هؤلاء التقدميّون جداً لشكّوا على أقل تقديرفي مصداقية الشعارات ، فخيرُهم حِكر على انفسهم وما للآخرين منه إلاّ الشعار .

* استغلال المعتقدات المذهبية الموروثة ، المفرقة بين الناس والسعي في تعميق الخلافات الناتجة عنها ، واستغلال بعض الفئات منها على بعض لاشعال نار الفتنة الطائفية وخلق جو عدم الاستقرار للايحاء بذلك إلى حاجة مثل هذه الشعوب لقيّم متحضّر من تلكم العصابة .

وأمور اخرى كثيرة تتمخض منها جميعا سعي المستعمر الدائم من أجل إيجاد الأرضية المناسبة للتدخل في شؤون الشعوب لاستغلالها لا لخدمتها كما يتصور البعض ، وان أهم الثغرات التي تسهّل له عملية التسلل إلى ساحات الشعوب هو الجهل والفراغ الفكري في صفوف ابنائها ، والضعف الاقتصادي مضافا إلى طغيان الظلم والتعسف وسلب أمن المواطنين ، فهذه العوامل المهمة تؤدي إلى قبول الشعوب ـ بعد فقدان عناصر قوتها ـ بأي بديل ينجيهم من عذاب أليم .

ولقد رأينا الشعب العراقي في ضل البعث كيف استعدّ للتعامل مع الشيطان من أجل الخلاص من صدام حسين ، وها نحن جميعا نرى البديل بكل جبروته وشعاراته ، كما نرى تغيير نوع المأساة بقدومه ، ولو دققنا النظر في الوجبة الجديدة من المعاناة لرأينا كيف يحاول المخلّص بألاعيبه المتضادة احكام الطوق السحري في عنق الشعب بترويجه فعالية الرُّقية التي انقذت القاتل والمقتول والتلويح بالفضل الذي لا يبلغ شكره العراقيون إلا بالتسليم والعبودية .

ان مسألة انقسام الشعوب إلى مذاهب وطوائف أمر كاد أن يكون طبيعياً ، ولا يعد مجرد ذكر الطوائف عيبا أو خطرا يهدد جهة معينة مادامه حاصلا في الواقع ، انما المهم هو التفكير الجاد في ايجاد الأرضية المناسبة لنبذ سلبياتها وتناسي متطرفاتها وتوسيع افق المعتنقين بالتثقيف الجاد والبنّاء والسعي من أجل قلع جذورالفتن بسد الذرائع على المقتنصين وطمأنة ابناء مختلف الطوائف بتطبيق العدالة الحقيقية عملا لا شعارا بعد أن لمس الجميع مغزى الالتجاء إلى المذهبية ، ولا ابتدع كلاماً لو قلت أن أكثر اسباب هذا التعصب انما هو من صنيع تجار المذاهب المستفيدين من مراكزها والمتقوتين من سماطها الذين يخدمون أنفسهم بترويجهم للضار من الأفكار أكثر من خدمتهم لمذاهبهم وأبناء مذاهبهم .

ان العيب كل العيب والخطر كل الخطر هو الاغماض عن الواقع الذي لا مفرّ منه ، وليس من الحكمة مداراة القوي لقوته وترك الضعيف وشأنه بحجة الأمر الواقع واختلاق الأعذارالقانونية ، فأي قانون مثلاً حكم بحصر عدد أعضاء المجلس الوطني بالعدد المقرّر ، وأي مانع منعهم من اضافة مقاعد آخرى يكتسب بها ودّ مكونات من الشعب تعد في الأقليّات ضمن واقع المجتمع !! وأي قانون خصّ الأقوياء بالتقديم على الضعفاء عند تقسيم الخيرات إذا كان الجميع سواسية ؟ أوليس من العدل أن يقدّم الضعيف المحتاج على الغني الموسرعندما يفتح باب للرزق أو يبنى مشروع للخدمات ؟ وإلى متى يبقى الضعفاء بانتظار الأسئار؟ وهذه جموع الضعفاء ترى كيف صارت الحياة بجميع شؤونها ملكا للأقوياء .

لعمري ان داء الدول كامن في تهميش الضعفاء غرورا بالقوة واستهانة بالضعف وبهذا التصور الخاطئ دفعوا سفينة البشرية القهقرى ويرى البصير بوادر المسخ في كل مكان وقد تناسو قول الشاعر :

لا تحقرن كـيد الضعيف فـربما                                                                     تموت الأفاعي من سموم العقاربِ

وقول الآخر :

لا تحقرن صغيراً في مخاصمة                                                                     إن الذبابة أدمت جبهة الأسدِ

 

ولئن تطرقت لهذه المسألة على كره فلم يكن الغرض والله يشهد سوى التنبيه والتذكير بأخطاء السابقين وما أعقب تلك الأخطاء من عبء ثقيل على الحكومات والشعوب ، وإلا فلا ناقة لي في السياسة ولا جمل في الطائفيات بل أؤمن بقوله تعإلى : [ وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ] ([69]).

لكن قول الحق يدفعني أحيانا إلى الصراحة رغم المخاطر التي تكتنف القائل به في عالم الثقافة والسياسة بل وفي منطق بعض المذاهب الدينية أيضاً . إذ ليس من العدل السكوت عن أمراض تفشّت بشكل واضح في العالم الانساني تؤدي لا محالة إلى اهلاك الحرث والنسل بحجة الخوف ، خصوصا مع احتمال التأثير الايجابي ، ولا نشك في نجاعة الصراحة والنقد البنّاء .

إن الترفع عن الجهل والعصبيات العقيمة والتحلي بالصبر وقبول المنطق زينة للأفراد وخير كبير للمجتمعات وعلى كل فرد في أي شعب كان ادراك حقيقة أن الغرور بالقوة واللجوء اليها لتكبيت المخالف لما هو عليه من رأي أو عقيدة وعدها السلاح الأنجع في حل الخصومات ، أمر ثبت عدم جدواه في تأريخ الخلاف العقيدي للبشر وأن التقييد بشروط الأمر بالمعروف والإلتزام بحكمة العقل في الجدل بالتي هي أحسن من غير إدخال النتائج في مسير الروابط الاجتماعية والعلاقات العامة لهو الأجدر بمن يروم إرضاء ربه وخدمة مجتمعه .

ويا حبذا لو تأمل جميع شرائح المجتمع في جذور المشاكل التي تعصف بهم وبمجتمعهم لا سيما الخلافات المذهبية بما تفرزه من عناصر الفرقة والشقاء ، ووقفوا على بقايا الضعف في قلوبهم واستعانوا عليها بالحكمة والشجاعة لئلا يقعوا في أسر الجهل والغضب اللذان يخرجان الانسان عن الاعتدال ويبليانه بما نراه جميعا من شقاء لا عاصم منه إلاّ التوبة والرجوع إلى الصراط المستقيم .

إن الواجب يملي على الجميع إدراك خطورة الطائفية وما يترتب عليها من تشتيت للوحدة الاجتماعية وتضعيف لقوة الكلمة وتعكير لصفو العيش وهدر للطاقات التي تتطلبها حركة المجتمع نحو الأحسن والأجدى ، والكل يعلم أن مسؤولية الأفراد تجاه معتقداتهم ليست بأكبر من مسؤولية الأنبياء الذين بعثهم الله تعإلى خاصة لتبليغ أمره ، وكلنا نقرأ قوله تعإلى لنبيه : [وإن تولّوا فإنما عليك البلاغ المبين ]([70]) وقوله تعإلى : [ إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل]([71]) وقوله تعإلى : [ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ]([72]) كما نسمع جميعا دعاء الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حق المخالفين له في الدين بالاصلاح : "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"([73]) .

لقد آن للعلماء أن يفصحوا لأتباعهم أن التعصب لشخص أو رأي أو حكم اعتمادا على العاطفة والظن لا يتناسب مع منطق العقل والدين ، وأن الموروث ليس كله وحياً منزلاً وأن المسطور في الكتب سواء التاريخية أو الدينية جلها مظنونات لا تستحق التعصب وأن الكثير من مسائلها تعرضت بقصد أو غير قصد لتلاعب الأيام والأقلام وعلى طالب الحقيقة أن يتتبع مظانها بحياد وإلا سقط في وحل العاطفة وليكفّوا عن التنزيه والتفسيق والتحريض على العداء بصريح الفتوى أو خائنة الألحان .

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

الدلالات التأريخية

على ظهور التشيع الكوردي في بدايات العهد الاسلامي

 

لا شك ان التشيع الكردي يرجع إلى بدايات العصر الاسلامي ، كما لا يمكن التفريق في هذه المسألة، بينهم وبين غيرهم من الأمم التي أسلمت وعاشت تطورات الأحداث في العقود الأولى للقرن الاسلامي الأول وانقسمت بسببها إلى الشطرين السني والشيعي بشكل رسمي ، وأغلب الظن أن جذورها الرئيسية ترجع إلى أواخر الخلافة الراشدة بين السنوات 36 و40 للهجرة حيث تفاقم الوضع في الدولة الاسلامية ، وإن كان لتضارب المواقف قبل ذلك ، الدور التمهيدي لهذا الخلاف الخطير .

فالسنوات الأربعة لخلافة الإمام علي بن ابي طالب [u] ـ تلك الخلافة التي شهد على صحتها وسلامتها أهل الحل والعقد وعلى أساسها تمت البيعة للخليفة ـ كانت كافية لخلق وجهات نظر مختلفة بين المسلمين في الموقف الأموي من خليفة المسلمين المجمع على خلافته لينقسم المسلمون على ضوئه إلى مخالفين ومؤيدين ، ولم يكن الأمر بحاجة إلى وسائل اعلام لاظهار هذا الخلاف بعد حروب الجمل والنهروان وصفين التي وقعت بين خليفة المسلمين وبين المنشقين عليه ، ولو علمنا أن الحروب الثلاثة وقعت في مرمى البصر وفي قلب موطن الشعب الكردي أدركنا أن موقف المسلمين الكورد لا ينبغي أن يختلف عن موقف غيرهم من الملل الاسلامية كالعرب والفرس .

وأثر هذا الانقسام لم يكن مقتصرا على طائفة واحدة من الكورد كما قد يتصور البعض بل شمل جلّ طوائفهم شأن كل حدث سياسي في مجتمعات العالم حيث تنقسم المواقف وتتباين الآراء ، فمن الخطأ حصر التشيع الكردي في الطائفة المعروفة بالفيلية كما شاع بين عوام الناس أو تعمد اظهارها كذلك في وسائل الاعلام المذهبي للتقليل من شأن الخصم وتحجيمه وحرف الأذهان عن أصل المرض المتوارث فالواقع انه ما من طائفة كردية إلاّ وفيها شيعي وسني . وسنبين خلال بحثنا نماذج تبين هذا التعميم .

كما ينبغي الاشارة إلى تضليل اعلامي آخر مارسه بعض الفئات منذ زمن ليس بقريب لغرض تهميش الشيعة والتقليل من شأنها يتلخص في اشاعة كون المذهب الشيعي من صنع الحكام الصفويين الذين حكموا ايران في القرن السابع وما بعده ، وربما كان هذا هو سبب ابتلاء الطائفة الفيلية من بين الكورد بتهمة عدم كونهم عراقيين سيما بعد أن تنازل الحكام المسلمين عن جزء كبير من أرض العراق إما لعجزهم عن الدفاع عنه أو لمقايضتهم به ازاء موقف سياسي وقد شاءت الأقدار أن يكون معظم تلك الأرض السليبة هي ارض الكورد الشيعة من الفيلية والكلهر واللك وغيرها من الطوائف من حلوان إلى عبادان .

إن هذه الاشاعة المغرضة لاتصادم العقل فحسب بل تتعارض مع حقائق التأريخ أيضاً ، تلك الحقائق التي حاولت الفئات المضلِّلة غض الطرف عنها وتحاشي الخوض فيها بل وانكارها عند الضرورة وهي كالشمس في رابعة النهار ، وسنقدم أمثلة تثبت أن هذه المسألة أقدم بكثير من زمن ظهور الصفوية وأن هذا الصراع المرّ كان ملازماً للتأريخ الاسلامي منذ صدر الاسلام فلا هي من اختراعات ابن سبأ ولا من صنع الصفويين ، وان استغلالها لظلم فئات من الناس من قبل السلطات العنصرية المتعاقبة أو للانفراد بالملك من وجهة نظر بعض الأفكار السياسية والمذهبية لأشنع وأقبح من عرضها على صفحات الأوراق دفاعاً عن حق مهدور . فالعجب ممن يستنكر قول قائل بحق ، بحجة تأويل اثارة الطائفية ولا يستقبح شين فعل سلطان أو أفكار بتدمير ملّة على نفس المسألة . والعجب ممن يصف شيعة العراق هذه الأيام وعلى قنوات الفضائيات بالخط الصفوي أو المد الشعوبي الأصفر ، مجيزا لنفسه كل باطل من قول أو فعل ، ثم يستنكر على المظلوم اقامة الدليل من واقع التاريخ على تبرئة ساحته واثبات ظلم خصمه وهشاشة أصله وتزوير بضاعته .

ان التشيع عرف يوم البصرة ويوم النهروان ويوم صفين وترعرع يوم كربلاء والهاشمية وتفرع عندما تفرق أولاد علي [u] في أقاصي المشرق والمغرب وحلّوا في نائي الأطراف وشاسع المحال وزاد يقين معتنقيه يوم كشّر عبيد الله بن زياد والحجاج وغيرهما من المتلبسين بالاسلام السلطوي عن أنياب حقدهم على الإسلام الحقيقي في الكوفة والبصرة وواسط .

لقد توفرت الدواعي لبعض الكورد في تلبية داعي الحق بعد الأحداث المشبوهة التي وقعت تحت راية الاسلام وشعاره ، منذ الانشقاق الأول بين المسلمين وبعد ان استرجعوا ذاكرتهم بفعل المد الثوري الجديد الذي افرزته ثورة الحسين بن علي [u] بكربلاء وما أعقبتها من حركة التوابين من أهل الكوفة وبعدها قيام المختار وبعدها قيام زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام وتلك هي أقلام الخصوم والاصدقاء قد سطرت كل شاردة وواردة ، وأفلتت من بينها حقائق كثيرة رغم شدة رقابة السلطات ، وهي كافية للمنصف في اثبات الحقائق المرّة التي لا غبار عليها ؛ فاسمع ما قاله الحموي([74]) المتوفي سنة 626 هج ، بخصوص ما ذكرناه ، وهو يتحدث عن مدن شهرزور ؛ فقد ذكر أن : "فيها مدينة كبيرة وهي قصبتها في وقتنا هذا يقال لها نيم أزراي وأهلها عصاة على السلطان قد استطعموا الخلاف واستعذبوا العصيان ، والمدينة في صحراء ، ولأهلها بطش وشدة يمنعون أنفسهم ويحمون حوزتهم ، وسمك سور المدينة ثمانية أذرع ، وأكثر أمرائهم منهم ، وبها عقارب قتالة أضر من عقارب نصيبين ، وهم موالي عمر بن عبد العزيز ، وجرّأهم الاكراد بالغلبة على الامراء ومخالفة الخلفاء ، وبشهرزور مدينة أخرى دونها في العصيان والنجدة تعرف بشيز ، وأهلها شيعة صالحية زيدية أسلموا على يد زيد بن علي ، وهذه المدينة مأوى كل ذاعر ومسكن كل صاحب غارة ، وقد كان أهل نيم ازراي أوقعوا بأهل هذه المدينة وقتلوهم وسلبوهم وأحرقوهم بالنار للعصبية في الدين بظاهر الشريعة ، وذلك في سنة 341 " .

نعم ، كان هناك كورد شيعة في شمال العراق ـ في شهرزور ـ اسلموا على يد زيد بن علي [u] ، لابوحي من عبد الله بن سبأ كما روج له المزيفون ، ولا في عهد الصفوية كما حلا لمتأخري ساسة المسلمين قوله ، بل كان تشيعهم قبل الظهور الصفوي في ايران بثمانية قرون تقريباً . وإلى جانبهم بعض موالي عمر بن عبد العزيز ويبدو أن هذه الفئة من اهل نيم ازاري كانوا من الأمويين اللاجئين بعد سقوط دولتهم بدليل قوله"جرّأهم الأكراد بالغلبة على الأمراء ومخالفة الخلفاء" فهؤلاء السلف الطالح قد أباحوا لأنفسهم قتل الشيعة وسلبهم وحرقهم بالنارللعصبية الطائفية والتي تعني الحكم بتكفير من لا يكون على معتقدهم ووجوب قتله والذي بقي إرثا في أعقابهم إلى يومنا هذا . علما أن الحموي الذي ذكر هذا الخبر ليس من الشيعة كي يتهم بالكذب والوضع .

وداع آخر أيضاً لتشيع الكرد في منطقة الجبل نذكرها تنويرا للأذهان وتأييداً لما قلناه ، هو ما ذكره المؤرخون من خروج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار على الأمويين في عهد مروان آخر خلفائهم فبويع له في الكوفة وغلبه عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ولحق بالمدائن وجاءه ناس من أهل الكوفة وغيرها فسار إلى الجبال وغلب عليها وعلى حلوان وقومس واصبهان والرى وأقام باصبهان وهذا ما ذكره ابن خلدون([75]) وكان قد عيّن أخاه الحسن بن معاوية حاكما من قبله على منطقة الجبل كما ذكر ذلك ناصر راد([76])، وباتت المنطقة في تلك الأيام مأوى لمعارضي الحكومة الاموية من الطالبيين والعلويين والعباسيين وكلهم يدعون إلى الرضا من آل محمد صلوات الله عليه وآله . فعن الدينوري([77]) : " ان دعاة العباسيين كانوا يأتون كورة بعد كورة فيدعون الناس سراً إلى أهل بيت نبيهم ويبغضون اليهم بني امية لما يظهر من جورهم واعتدائهم وركوبهم القبائح حتى استجاب لهم بشر كثير في جميع كور خراسان ".

وكان يقال لأبي مسلم أمين آل محمد ولأبي سلمة الخلال وزير آل محمد كما عن القمي([78])، وذكر اليعقوبي([79])، ان ابا سلمة الخلال أخفى ابا العباس واهل بيته ودبّر أن يصير الأمر إلى بني علي بن ابي طالب [u] وكتب إلى جعفر بن محمد [u] كتاباً مع رسولٍ له .

كان لمثل هذه الدعوات التي كانت تنطلق باسم أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأثر البالغ في سكان تلك المناطق التي آوتهم وبايعتهم ، وإن استغلت تلك الشعارات أخيرا لصالح غير أهل البيت . وكان من الانصاف أن يعزو الخصوم انتشار التشيع إلى مثل تلك الحركات التي قادها رجال من أهل البيت أو قراباتهم بدل انكارها واختلاق فكرة التشيع الصفوي ، فهذه الثورات كانت وبشهادة التاريخ في عصر الحكومة الأموية بين السنوات 127 ـ 132 هج فأين كانت الصفوية آنذاك ؟

ولو صححنا الرواية التي ذكرها الخطيب([80]) وابن خلكان([81]) وابن عساكر([82])، وابن قتيبة ([83])، وكذا في كتاب أخبار الدولة العباسية([84]) واللفظ من هذا الأخير من أن ابو دلامة نسب أبا مسلم الخراساني إلى الاكراد وانشد في ذلك قوله :

أبــــا مجـرم مـــا غـير الله نعمـة                                                                   على عبده حتى يغيرها العبد

أفي دولـة المهـدي حاولت غدره                                                                    ألا إن أهـل الغـدر آباؤك الكـرد

أبامجرم خوفتني القتل فانتحى                                                     عليك بما خوفتني الاسد الورد

هذه الرواية لو صحت لكانت شاهدة على مدعانا أيضاً من أن العباسيين استغلوا شعار إرجاع الأمر إلى آل البيت عليهم السلام ، فقد كان ابو مسلم من المستجيبين لدعوة نصرة أهل البيت عليهم السلام ، ولم يكن تصديه لهذا الامر إلا لاعتقاده بأن دعوة العباسيين لنصرة أهل البيت هي دعوة للخط المعروف عند العلويين القائم على أساس الوصية وقد غاب عنه ان آل العباس انما أرادوها لأنفسهم بعد تلاعبهم بأحاديث الوصية لا لخط أهل البيت ، ويمكن ملاحظة ذلك في المكاتبات التي جرت بين المنصور وبين ابي مسلم ، فقد كتب ابو مسلم في رسالة إلى المنصور ذكرها ابن عساكر([85])، قال فيها : "فأما بعد فإني كنت اتخذت اخاك اماماً ودليلاً على ما افترض الله سبحانه على خلقه فنبغ في الفتنة واستجهلني بالقرآن يحرفه عن مواضعه طمعا في قليل من الدنيا زائل ومثل لي الضلالة في صورة الهدى وأمرني أن أجرد السيف وأقتل بالظنة وأقدم بالشبهة وأرفع الرحمة ولا أقبل العذر فينتقم عندي البرئ والسقيم ووترت اهل الدنيا في طاعتكم وتوطئة سلطانكم حتى عرفكم من كان يجهلكم وأطار غيركم من فوقكم الذل وركبتم بالظلم والعدوان ثم ان الله سبحانه تداركني منه بالندم واستنقذني بالتوبة فإن يعف ويصفح فإنه كان للأوابين غفوراً ".

وذكر أيضاً رسالة أخرى له يقول فيها([86]) : "كتب أبو مسلم إلى المنصور حين استوحش منه اما بعد فقد كنت اتخذت اخاك اماما وجعلته على الدين دليلا لقرابته والوصية التى زعم أنها صارت إليه فأوطأني عشوة الضلالة وأوهقني في ربقة الفتنة وأمرني ان آخذ بالظنة وأقتل على التهمة ولا أقبل لمعذرة فهتكت بأمره حرمات حكم الله صيانتها وفي رواية الطبري حتم الله صونها وسفكت دماء فرض الله حقنها وزويت الأمر على اهله ووضعته منه في غير محله فان يعف الله عني فبفضل منه وإن يعاقب فبما كسبت يداي وما الله بظلام للعبيد" . وهذه أصرح من سابقتها في الاعتراف باعتقاده بالوصية وخطئه في ازواء الأمر على أهله ووضعه في غير محله.

ولقد تعاون الكورد مع دعاة العباسيين الذين روجوا لفكرة الاطاحة بالحكومة الأموية لصالح الرضا من آل محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، وفيما يلي الشاهد على ذلك انقله من كتاب أخبار الدولة العباسية، في أحداث سنة 131 هج([87])، حيث ذكر قصة قحطبة بن شبيب([88]) فقال :

" بعث ـ أي قحطبة ـ بكتابه إلى اسحاق بن مسلم مع رجل من الأكراد ، فأقبل الكردي حتى إذا كان بهيت ظفرت به مسالح مروان ، ففتشوه فأصابوا الكتاب في طي عمامته فبعث به صاحبهم إلى مروان، فكتب مروان إلى اسحاق بن مسلم : أن صاحب هيت أصاب مع رجل من الأكراد كتاباً من رأس الخطيئة وعمود الضلالة يدعوك إلى دعوته ويزين لك ضلالته ، ومثلك في خطرك وقدر النعمة عندك لم تستدرجه خدع السفهاء فانظر لنفسك ومنصبك وعشيرتك فان الأمر الذي يريده القوم قتلك وقتل نظرائك ، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فاقبضها من العامل قبلك واقدم لتؤازر خليفتك على ما نابه وتشركه في جهاد عدوه والسلام ".

كما وسبق كورد حلوان غيرهم في الاستجابة لهذا التغيير ، فقد ذُكر([89]) ان موسى بن السري الأحول الهمذاني خرج بحلوان ، أخذها ونفى عاملها ، وسوّد ، ودعا إلى آل الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ووضع مسالحه بخانقين وكتب إلى قحطبة بطاعته". فرفع السواد اشعاراً بالحزن على ما جرى على أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقبول دعوة الداعي إلى حكومة أهل البيت عليهم السلام بدأت من حلوان حدود سنة 131 للهجرة لا في عهد الصفوية .

ولا شك أن لدعوة ابي مسلم وكذا ابي سلمة الخلال وغيرهما من المبلغين والداعين إلى اسقاط الحكومة الأموية وارجاع الخلافة إلى أهلها المتمثل بأهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأثر البالغ في استجابة شعوب المنطقة بأسرها ومنها العدد الكبير من الكورد الساكنين بين منطقة الجبل وخراسان .

فقد أكدت الوقائع تمسك الكثير من الكورد بهذه الحقيقة بعد نجاح الثورة العباسية واستفرادهم بالحكم دون أهل البيت، وعدم اغترارهم بمحاولات العباسيين الرامية إلى اقناع الناس بأنهم الممثلون الحقيقيون لأهل البيت عليهم السلام ، وأن الوصية انتقلت اليهم كما قرأنا ذلك في رسالة ابي مسلم الخراساني ، حيث اتخذوا موقف المعارضة من الخلفاء العباسيين طيلة الحكم العباسي ويؤيد ذلك قمع العباسيين لهم وذكرهم في محافلهم وعلى ألسنة كتّابهم على أنهم لصوص وقطاع طرق .

ومن الموارد التاريخية التي تثبت وجود التشيع الكوردي في القرون الاولى من العهد الاسلامي ، قصة دعبل بن علي الخزاعي ـ الشاعر ـ بين السنوات 201و203 للهجرة ، أيام ولاية عهد الامام الرضا [u] للخليفة المأمون العباسي ، وقد ذكرها ابن ابي الفتح الإربلي([90]) والقاضي التنوخي([91]) وغيرهما :

" قال دعبل لما قلت قصيدتي :

ذكرت محل الربع من عرفات                                                                      فاسبلت دمــع العين بالعــــبرات

وقل عرى صبري وهاجت صبا                                                                   بتي رســوم ديـار اقفرت وعرات

مـدارس آيـات خلـت مـن تلاوة                                                                     ومنزل وحــي مقفــر العرصات

قصدت بها ابا الحسن على بن موسى الرضا [u] وهو بخراسان ولى عهد المأمون في الخلافة فوصلت المدينة وحضرت عنده وانشدته اياها فاستحسنها فأمر لي أبو الحسن علي بن موسى الرضا قريب من خمسين الف درهم ، فقلت له : يا سيدي أريد أن تهب لي ثوباً يلى بدنك أتبرك به وأجعله كفناً ، فوهب لي قميصا قد ابتدلته ومنشفة وأظنه قال وسراويل . قال ووصلني ذو الرياستين ، وحملنى على برذون أصفر خرساني فكنت أسايره في يوم مطير وعليه ممطر خز وبرنس فأمر لي به ودعا بغيره جديداً فلبسه ؛ وقال : إنما آثرتك باللبس لانه خز الممطرين . قال : فأعطيت به ثمانين ديناراً فلم تطب نفسي ببيعه وقضيت حاجتى وكررت راجعاً إلى العراق ، فلما صرت بعض الطريق خرج علينا أكراد يعرفون بالسرنجان فسلبوني وسلبوا القافلة ، وكان ذلك في يوم مطير . فاعتزلت في قميص خلق قد بقى على وأنا متأسف من دون ما كان معى على القميص والمنشفة اللذين وهبهما لي على بن موسى الرضا رضى الله عنهما إذ مر بى واحد من الاكراد تحته الاصفر الذى حملني عليه ذو الرياستين وعليه الممطر الخز ثم وقف بالقرب منى وابتدأ ينشد ( مدارس آيات ) ويبكى . فلما رأيت ذلك عجبت من لص يتشيع ، ثم طمعت في القميص والمنشفة . فقلت يا سيدى لمن هذه القصيدة ؟ فقال : وما أنت وذلك ويلك . فقلت له : فيه سبب أخبرك به . فقال : هي أشهر بصاحبها من أن يجهل . فقلت : ومن هو ؟ قال دعبل ابن على الخزاعى شاعر آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقلت يا سيدي أنا والله دعبل وهذه قصيدتي . فقال ويلك ما تقول ؟ . قلت : الامر أشهر من ذلك فاسأل أهل القافلة بصحة ما أخبرتك به . فقال : لا جرم والله ولا يذهب من القافلة خلالة فما فوقها ثم نادى في الناس من أخذ شيئا يرده على صاحبه فردوا على الناس أمتعتهم وعليّ جميع ما كان معي ، ما فقد أحد عقالاً ثم انصرفنا إلى شأننا . فقال راوي هذا الخبر عن دعبل فحدثت بهذا الحديث علي بن بهزا الكردي فقال لي ذلك والله أبى الذى فعل هذا ".

وهذه القصة التي جرت أحداثها في بداية القرن الثالث من الشهرة والثبوت ما لا مجال للطعن فيها وهي تدل على التشيع الكردي بشكل جلي في تلك الحقبة وفيه الجواب الشافي لأولئك الذين حرفوا كلام الله قبل أن يحرفوا ويزيفوا التاريخ وصولاً إلى باطلهم المزهوق ، وسنناقش مسألة تهمة الكورد بالتلصص في الفصل الخمس من هذا الكتاب تحت عنوان " ردّ على التأريخ " .

ومن الموارد التي سجلها التأريخ أيضاً فيما يخص الكورد الشيعة ، مناصرتهم للدولة المزيدية التي قامت في العراق بين السنوات 403 ـ 545 هج، وكان هؤلاء من الشيعة ، فقد ذكروا أن أعداداً غفيرة من الكورد الجاوانيين تطوعوا في صفوف جيشهم وانتقلوا معهم إلى الحلة ، وساهموا معهم في بنائها ، واستقروا هناك كما شاركوهم في الدفاع عن حريم دولتهم وأية مواجهة واجهوها ، فقد ذكر ابن خلدون في تاريخه([92]) :

" لما ورد خبر موت طغرلبك : " خرج مسلم بن قريش من بغداد فنهب النواحي ، فسار دبيس بن مزيد وبنو خفاجة وبنو ورّام والأكراد لقتاله ثم استتيب ورجع إلى الطاعة " .

ومنها أيضاً حكومة الكورد البرزيكانية الشيعية بقيادة آل حسنويه وحكومة الكورد الشاذنجان الشيعة في سيروان وحلوان وتوابعها بزعامة محمد بن عنان ـ عناز ـ  المتوفي سنة 401 هج ، وكانت حكومته على حلوان عشرين سنة ، ثم من بعده ابنه ابو الشوك وفي عهده حاربته عساكر بغداد . وسنذكر مختصراً عن حكوماتهم لاحقا إن شاء الله تعإلى .

ومن المواقف الثابتة الدالة على تمسك الكورد الشيعة بالحب المطلق والولاء لأهل البيت عليهم السلام حتى في الظروف المعاكسة لظاهر أحوالهم ، ما ذكره ابن عنبة في كتابه([93]) عن موقف الكورد من أحد الأشراف من أحفاد الحسن بن علي [u] ، وقد أخذنا منه مورد الحاجة باختصار حيث قال :

"ان الشريف شهاب الدين أبو سليمان أحمد بن رميثة الحسني ـ وكان أبوه رميثة ملكا في الحجاز ـ كان قد توجه في زمن أبيه إلى العراق وذهب إلى السطان أبى سعيد ابن السلطان أو لجايتو بن أرغون فأكرمه وأحسن مثواه ، فأقام عنده وأعظمه السلطان أبو سعيد إعظاماً عظيماً وأحله مقاماً كريماً وفوض إليه أمر الأعراب بالعراق ، فأكثر فيهم الغارة والقتل وكثر أتباعه وعرض جاهه واقام بالحلة نافذ الامر عريض الجاه كثير الاعوان إلى أن توفى السلطان أبو سعيد فأخرج الشريف أحمد الحاكم الذى كان بالحلة وهو الامير علي بن الامير طالب الدلقندي الحسيني الافطسي وتغلب على البلد وأعماله ونواحيه وجبى الاموال وكثر في زمانه الظلم والتغلب ، فلما تمكن الشيخ حسن بن الامير حسين أقبوقا الجلايري ، وجه إليه العساكر مراراً فأعجزه لمراوغته مرة ومقاومته أخرى ، ثم إن الشيخ حسن توجه إليه بنفسه في عسكر ضخم وعبر الفرات من الانبار وأحاط بالحلة فتحصن الشريف أحمد بها فغدر به أهل المحلة التي كان قد اعتمد عليها ، وخذله الاعراب الذين جاء بهم مدداً وتفرق الناس عنه حتى بقى وحده ، وملك عليه البلد فقاتل عند باب داره في الميدان قتالاً لم يسمع بمثله وقتل معه أحمد بن فليتة الفارس الشجاع وأبوه فليتة ، ولم يثبت معه من بنى حسن غيرهما ، وابتليا وقاتلا حتى قتلا . ولما ضاق به الامر توجه إلى محلة الاكراد وقد كان نهبها مراراً وقتل جماعة من رجالها ، إلا أنهم لما رأوه قد خذل أظهروا له الوفاء وواعدوه النصر وتعهدوا له أن يحاربوا دونه في مضايق دروب البلد حتى يدخل الليل ثم يتوجه حيث شاء ، وكان الحزم فيما أشاروا لكنه خالفهم وذهب إلى دار النقيب قوام الدين بن طاوس الحسني وهو يومئذ نقيب نقباء الاشراف ".

ان استعداد الكورد الشيعة في الحلة للدفاع عن الشريف أحمد بن رميثة الحسني بعد أن "خذله الأعراب الذين جاء بهم مدداً " ورغم ظلمه لهم وقتله لرجالهم ونهبه أموالهم كان نابعا من الحب العميق لأهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولولا ذلك الحب الصادق الذي يتجاوز مداه المواقف السلبية لما كان هذا الموقف الشجاع من هؤلاء فقد تناسوا ما صدر منه بحقهم من ظلم عندما رأوه في الموقف الصعب إكراما لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

ومن الموارد أيضاً ما ذكره المؤرخون من ولاء الكورد القاطنين اطراف الحويزة والجبال المحيطة من البختيارية والفيلية للسادة المشعشعيين الذين شكلوا دولتهم في الحويزة ثم توسعت لتشمل رقعة شاسعة من العراق ، وما كانت استجابة اكراد المنطقة البختيارية والفيلية للسادة المشعشعيين إلا لكونهم شيعة ومن ذرية أهل البيت عليهم السلام . فقد ذكر الزركلي([94])، في ترجمة محسن بن محمد بن فلاح المشعشعي انه : " ولي بعد موت أبيه (سنة 866 هجـ) واستولى على أكثر أنحاء بغداد ، ودخل في طاعته الكورد البختيارية والكورد الفيلية ، وكان كريما محبا للفضيلة ، وضربت النقود باسمه في أيامه. واستمر إلى أن مات ".

واستمر الولاء الكوردي لأهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع الأيام دون أن يحيدهم عن ذلك شئ أو يضعف ولاءهم ما لاقوه جراء هذا الاختيار من ويلات فرغم قساوة مبغضي آل محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفداحة الخسائر التي تكبدوها سواء في أنفسهم أو أموالهم نراهم يجددون هذا الولاء عاما بعد عام وقرنا بعد قرن وها هم في أحلك أيامهم لا ينقطعون عن زيارة مراقد أئمتهم ولا يفترون في إقامة شعائرهم أيام عاشوراء ومناسبات وفيات الأئمة عليهم السلام وتلك مواكبهم وحسينياتهم المنتشرة في أغلب المدن في أنحاء كثيرة من العالم تشهد على صدق هذا الولاء وقوة التمسك بهذا الخط المبارك .

هذه الموارد كما ترى ، تثبت وجود التشيع الكوردي منذ القرن الأول الاسلامي كما تثبت استمرار تواجدهم قرناً بعد قرن في مناطق مختلفة من شمال العراق حيث البشنوية إلى جنوبه حيث البختيارية والفيلية ولم يقتصر التشيع في طائفة خاصة منهم .

ومن قبائل الكورد التي ظهر فيها التشيع منذ القرون الأولى من الاسلام ، والتي يتبين بمعرفتها عدم اقتصار التشيع على الفيلية فقط ، القبائل التالية :

* البشنوية : التي كان موطنها الموصل([95]) .

* البرزيكان : ورئيسهم : حسنويه بن الحسين الكوردي البرزيكاني ، المتوفي سنة 369 للهجرة.وهؤلاء أيضاً كانوا شيعة متجاهرين بتشيعهم ولهم مواقفهم من السلطات الحاكمة .

* الجاوانيين : ومنهم بنو ورّام وموطنهم الجبل وسكن قسم منهم الحلة في القرن الثالث للهجرة .

* الدنابلة : وهي قبيلة كبيرة تفرّعت عنها عدة قبائل([96]) ، كان موطنهم كردستان نزح قسم منهم إلى ضواحي تبريز وكانت سلطنتهم في كردستان وضواحي تبريز مستقلة إلى ظهور الدولة الصفوية فدخل في طاعتهم رئيسهم آنذاك الأمير بهلول الدنبلي عن اعتقاد وارادة ([97]).

* السرنجان (الشاذنجان) : وهم الذين ذكرناهم في قصة دعبل الخزاعي المتقدمة .

* القسم الأعظم من الكورد الفيلية : في الوسط والجنوب العراقي بفروعهم المتعددة ـ وهم أكثر الكورد اتهاماً بالتشيع منذ سالف الدهور وقد تحملوا الكثير من الأذى والمشقات والمطاردات بسبب معتقدهم هذا قديماً وحديثاً ـ وغيرهم من اصناف الكورد ، اذ ما تجد صنفاً منهم ألا وفيهم شيعة سواء في العراق أو ايران أو تركيا أو غيرها من البلاد ، لهذا قلنا انه من الخطأ حصر الشيعة الكورد في الفيلية فقط ، نعم هذه الطائفة لها الأكثرية المطلقة في هذا الباب .

وقد ابلى الكورد الشيعة في تأريخهم البلاء الحسن تجاه معتقدهم وبذلوا في هذا الطريق ما لا يقصر عن بذل الآخرين من أتباع أهل البيت عليهم السلام وتحملوا من الظلم بسبب معتقدهم ما لا يقل عن تحمل شيعة بقية الأقوام ، وإن ضيع المؤرخون هذا الجهد بسبب الإنزواء الذي فرضته عليهم ظروف الصراع بين الأقوياء ، ويكفيهم شأناً ، أن يأتي ذكرهم في بعض الأخبار التي وردت عن ظهور صاحب الأمر الإمام الحجة القائم المهدي عجل الله تعإلى فرجه الشريف ومن يخرج معه من أنصار وعدتهم عدة أهل بدرالسبّاقين في نصرته حيث ذُكِر رجل من الكورد اسمه عون ضمن أصحابه عليهم السلام ، والرواية يذكرها ابو الحسن المرندي في ـ مجمع النورين ـ واليزدي في الزام الناصب([98]).

ويظهر من بعضها الآخر أنهم في زمن ظهورالمهدي [u] يكون لهم شأن كبير ، وأخرج بعضهم هذه العلامة في أبيات من الشعر ، فقد نقل الشيخ علي اليزدي في كتابه الزام الناصب في اثبات الحجة الغائب([99]) عن الشيخ محي الدين في العلائم قوله :

وتملك الكــرد بغـداداً وسـاحتها                                                                     إلى خـريسـان من شــرق لأعراقِ

وتشرب الشاة والسرحان مائهما                                                                    بالأمـن مـن غير إرجـاف وإفـراقِ

ومن هذا نستظهر أن الشعوب المضطهدة ستسترد حقوقها كاملة بما فيها أوطانها المغتصبة أيام ظهور المهدي [u] .

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

ردّ على التأريخ

في مسألة إلصاق التهم بالكورد

 

1 ـ تهمة قطع الطرق والتلصص :

قرأنا في بعض النصوص المتقدمة كما نقرأ في غيرها من روايات التأريخ ، الكثير مما نسب في صفحاتها إلى الكورد من الذم والقدح وصفات بعيدة عن الحقيقة كاللصوصية وقطع الطرق وانهم من الجن وما إلى ذلك ، فكان لابد من توضيح بعض الأمور وبيان الحقائق التي زيفّها المؤرخون شأن الكثير من الحوادث التأريخية ليطلع القارئ على بعض الدقائق ويتأمل في موارد اختلافية مشابهة فنقول :

لا شك أن هذا التحريف المتعمد للحقائق هو من صنع إعلام الدولة الرسمي والسائرين في ركبها من القوميين المتعصبين والمستفيدين من رفدها ، وسببه أن الكورد بشكل عام والشيعة منهم بشكل خاص كانوا معارضين للسلطات الحاكمة سواء الأمويين أوالعباسيين أو العثمانيين فهي عندهم حكومات تسلطية غير شرعية فرضت عليهم بسلاح الأمر الواقع ، لذا سعت السلطات في ملاحقتهم اينما وجدوا ؛

كما سعى المعارضون بالمقابل في ضرب مصالح الدولة اينما وجدت ، وعليه فلا يتوقع من السلطة الحاكمة أن تذكر معارضيها بخير شأن حكومات زماننا مع معارضيها إذ ما من حكومة منها إلاّ واتهمت معارضيها بالغوغائية والعمالة والتجسس . كما ليس من الإنصاف لوم المعارضة في دفاعها عن حقوقها المهدورة وأرضها المغتصبة بوسائل لم تحرمها المحافل الدولية على المقاومة المشروعة في عالم اليوم .

لقد شاع في إعلام الدولة تمرد الكورد وعصيانهم وقطعهم للطرق ومخالفتهم للخليفة والدولة الشرعية ، فظن الرأي العام أن هذا هو كل الحقيقة بمن فيهم مثلا دعبل الخزاعي الشيعي صاحب القصة المتقدمة ، حيث يقول : "عجبت من لص يتشيع" ؛ إذ لم يكن يعلم بحقيقة موقف الكورد ومغزى محاولاتهم قطع الطرق التجارية وضرب المصالح الاقتصادية للدولة اعتراضا منهم على السلطات بعد أن أثبتت عملياً بظلمها وتعسفها بعدها عن الحقيقة والشرعية .

كان من نوادر الصدف أن يكون هذا الشاعر المعروف ضمن قافلة تعرضت لغارة الكورد المعارضين ، فظن أن ما كان يسمعه من لسان وعاظ السلاطين والكرام الكاتبين هو عين الحقيقة ، لذا نراه يصرح بعفوية عن قطاع طرق ولصوص . ولكن بتحليل بسيط لما جرى على هذه القافلة ابتداء وانتهاء يتضح الجانب الواقعي لهذه العمليات .

لا ريب في أن القافلة تعرضت لهجوم من فئة مسلحة من الكورد الشيعة كانت كامنة في الجبال وانها بادرت في سلب أموال من القافلة ابتداء ، ولكن وبعد أن ثبت لهذه المجموعة أن القافلة صديقة بعد تعرفها على شاعرنا الشيعي بادرت في إرجاع كل ما غنمته إلى أفراد القافلة ، ولا يفعل ذلك لص محترف غرضه الكسب المادي فقط . غاية ما ينتظر من القطاع المحترفين فيما لو أدخلنا عنصر الطائفية في المسألة هو ارجاع أموال دعبل الخزاعي وحده وعدم التفريط بما غنموه من باقي تجار القافلة ، لكن المسألة ليست كذلك كما قلنا .

بل وأبعد من هذا ، فقد حاول بعض الشخصيات القيادية ممن يمكن تسميتهم بمصطلح اليوم بـ "جيش التحرير الكوردي" بتوجيه عملياتهم ضدّ القوافل التجارية التي كانت تمرّ عبر أراضيهم بعد أن حرمتهم السلطات الحاكمة من جميع حقوقهم وجرّدتهم من مواطنتهم وعدم مراعاتها للقانون والشرع ، توجيها يقرب أن يكون تفسيرا لعمل المسلمين في اعتراض قوافل قريش في صدر الاسلام ، نقرأ ذلك في النص التالي الذي ذكره التنوخي في كتابه([100]) قال :

"حدثنى عبد الله بن عمرو الحارث الواسطي السراج المعروف بأبى أحمد الحارث . قال : كنت مسافراً في بعض الجبال فخرج علينا ابن سيار الكردي فقطع علينا وكان بزى الامراء لا بزى القطاع فقربت منه أنظر إليه وأسمع كلامه فوجدته يدل على فهم وأدب فداخلته فإذا برجل فاضل يروى الشعر ويفهم النحو فطمعت فيه وعملت في الحال ابياتاً مدحته بها . فقال : لست أعلم أن هذا من شعرك ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ووزنه شعرا الساعة لاعلم أنك قلته ، وأنشدني بيتاً : قال : فعملت في الحال إجارة له ثلاثة أبيات . فقال لي أي شئ أخذ منك لارده عليك . قال فذكرت ما أخذ منى واستضفت إليه قماش رفيقين كانا لي فرد جميع ذلك ، ثم أخذ من أكياس التجار التى نهبها كيسا فيه ألف درهم فوهبه لي . قال : فجزيته خيرا ورددته عليه . فقال لي : لم لم تأخذه فواربت في كلامي ، قال أحب أن تصدقني ، فقلت وأنا آمن ؟ قال نعم . قلت : لانك لا تملكه وهو من أموال الناس أخذته منهم الساعة ظلما فكيف يحل لي أخذه . فقال لي : أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص عن بعضهم . قال : إن هؤلاء التجار لم تسقط عنهم زكاة الناس لانهم منعوها وتجردوا فتركت عليهم فصارت أموالهم بذلك مستهلكة واللصوص فقراء إليها ، فإذا أخذوا أموالهم وإن كره التجار أخذها ، كان ذلك لهم مباحا لان عين المال مستهلكة بالزكاة وهم يستحقون أخذ الزكاة شاء أرباب الاموال أو كرهوا . فقلت بلى : قد ذكر ذلك الجاحظ ولكن من أين يعلم أن هؤلاء استهلكت الزكاة أموالهم . فقال : لا عليك أنا أحضر هؤلاء التجار الساعة وأريك بذلك دليلاً صحيحاً أن أموالهم لنا حلال ، ثم قال لاصحابه هاتوا التجار فجاؤا ، فقال لاحدهم منذ كم تتجر في هذا المال الذى قطعناه عليك . قال : منذ كذا وكذا سنة . قال : فكيف كنت تخرج زكاته فتلجلج وتكلم بكلام منه لا يعرف الزكاة على حقيقتها فضلاً عن أن يخرجها ، ثم دعى بآخر . وقال له : إذا كان معك ثلثمائة درهم وعشرة دنانير وحال عليك الحول فكم تخرج منها للزكاة فما أحسن أن يجيبه . ثم قال للآخر : إن كان معك تجارة ولك دين على نفسين ، أحدهما ملى والآخر معسر ومعك دراهم وكان الحول حال على الجميع كيف تخرج الزكاة . قال : فما فهم السؤال فضلاً عن أن يتعاطى الجواب . فصرفهم . ثم قال لي : بان لك صدق حكاية أبى عثمان الجاحظ ، وان هؤلاء التجار ما زكوا قط . خذ الآن الكيس . قال : فأخذته وساق القافلة ليتصرف فيها . فقلت : إن رأيت أيها الامير أن تنفذ معى من يبلغني المأمن كان لك الفضل ففعل ذلك ونجوت من أذاه " .

ولو تعمقنا في هذه القصة نجد أن إرجاع ابن سيار مسألة مشروعية عمله إلى قول الجاحظ دون الفقهاء وهو صاحب علم ودراية ، ينبئ عن موقف سياسي دقيق ضاعت أصوله بين جهل الناس بما يجري وما رسمه اعلام السلطة من صورة مخالفة في أذهان الرأي العام راسخة كشبه الحقيقة درجة ادرك هذا القائد عدم جدوى المحاججة بالفقه والفقهاء لتوجيه ما يتطلبه الموقف العسكري من حزم للأضرار بالعدو بمنع الدولة من الاستفادة من الطرق المارة بأراضيهم لمنعها من تقوية بنيتها المادية والعسكرية وهم في حالة حرب معها ، شأنهم شأن ممانعة الدول المتحاربة في عصرنا حيث تغلق الحدود والأجواء وهو أمر مشروع في عرف العالم المعاصر ، فلو دخل الخصم عنوة إلى بلد خصمه تحت أي عنوان ، كان لتلك الدولة الحق في المنع بل ومصادرة ما دخل في حدودها الإقليمية وها نرى في زماننا كم من السفن التجارية أو الحربية أو ما شابه دخلت حدود دولة معادية فبادرت تلك الدولة إلى توقيفها بل واغتنامها .

ومما يؤكد أن المسألة لم تكن بالشكل الذي روجه اعلام السلطة من كون الكورد قطاع طرق وسراق يسلبون القوافل بل هو ما ذكرناه من انهم رتبوا لأنفسهم حقا من الضرائب على أموال القوافل التي تمر عبر أراضي دولتهم ، ما ذكره ابن خلدون في تاريخه . عند ذكره حكومة آل حسنويه لبلاد الجبل قال: " كان حسنويه بن الحسن الكردي من رجالات الكرد واستولى على نواحى الدينور واستفحل أمره وكان يأخذ الخفارة من القفول التى تمر به "([101]) .

وكما ترى فأن أخذ الخفارة من حكومة محلية شئ وما وصفوه من قطع الطرق واللصوصية شئ آخر ، نعم ربما يكون هناك بعض الحالات الشاذة قد تعرض فيها بعض الفئات خارجاً عن علم الحاكم لسلب قافلة ما ، وهو أمر واقع في كل دولة ولكن ذلك لا يكتب على حساب شعب أو حكومة .

علماً أن أخذ الخفارة في النص المتقدم كان باتفاق مع الحكومة المركزية ، وكانت الأوضاع هادئة ما دامت الحكومة تراعي حقوق هذه الحكومات المحلية ، لكنها غالبا ما كانت تستأثر بالمسائل المالية هذه فتعين لهذا العمل أفراداً من قبلها وتحرم بذلك القبائل الكوردية من جميع الموارد مما يجبرها على مطالبة حقوقها ولو بالقوة .

كما ينافي ما لفقوه من التهم والصفات القادحة أيضاً ، ما ذكره ابن كثير([102])، عند ذكره لحكومة بدر بن حسنويه بقوله : " بدر بن حسنويه بن الحسين أبو النجم الكردي ، كان من خيار الملوك بناحية الدينور وهمدان ، وله سياسة وصدقة كثيرة ، كناه القادر بابي النجم ، ولقبه ناصر الدولة ، وعقد له لواء وأنفذه إليه ، وكانت معاملاته وبلاده في غاية الامن والطيبة ، بحيث إذا أعيى جمل أحد من المسافرين أو دابته عن حمله يتركها بما عليها في البرية فيرد عليه ، ولو بعد حين لا ينقص منه شئ ، ولما عاثت أمراؤه في الارض فسادا عمل لهم ضيافة حسنة ، فقدمها إليهم ولم يأتهم بخبز ، فجلسوا ينتظرون الخبز ، فلما استبطاؤه سألوا عنه فقال لهم : إذا كنتم تهلكون الحرث وتظلمون الزراع ، فمن أين تؤتون بخبز ؟ ثم قال لهم : لا أسمع بأحد أفسد في الارض بعد اليوم إلا أرقت دمه . واجتاز مرة في بعض أسفاره برجل قد حمل حزمة حطب وهو يبكي فقال له : مالك تبكي ؟ فقال : إني كان معي رغيفان أريد أن أتقوتهما فأخذهما مني بعض الجند ، فقال له : أتعرفه إذا رأيته ؟ قال : نعم ، فوقف به في موضع مضيق حتى مر عليه ذلك الرجل الذي أخذ رغيفيه ، قال : هذا هو ، فأمر به أن ينزل عن فرسه وأن يحمل حزمته التي احتطبها حتى يبلغ بها إلى المدينة ، فأراد أن يفتدي من ذلك بمال جزيل فلم يقبل منه ، حتى تأدب به الجيش كلهم " .

 

هذه شهادة لم يبخل بها التأريخ ، لنسأل بعدها أين هذه الأخلاق التي ذكرها ابن كثير عن الملك الكردي مما أشيع عنهم من صفات سطرت بأقلام الموالين للسلطات فسوّدوا بها صفحات التأريخ من التشنيع والاتهام بالتلصص وقطع الطرق .

وربما نجد بالتتبع أن الكثير من الإشاعات التي روّجت لم يكن لها أي أساس في الواقع ، وانما افتعلت من قبل أناس مغرضين ولأهداف شخصية بحتة ، كما يظهر ذلك من رسالة علي بن ابي طالب [u] إلى زياد ابن ابيه ، عامله على فارس ، والتي يظهر منها أن زياداً كان يختلس من بيت مال المسلمين ، ويحاول تغطية ذلك بإشاعة أن الأكراد يضغطون عليه ولأجل ذلك يتنازل عن بعض الخراج لهم ، أو يمتنعون من أداء الخراج فيغمض في ذلك ، ولما وجه الإمام علي [u] إلى زياد رسولاً ليأخذ ما اجتمع عنده من المال ، حمل زياد ما كان عنده وقال للرسول : ان الاكراد قد كسروا من الخراج وأنا أداريهم فلا تعلم أمير المؤمنين ذلك فيرى انه اعتلال مني . فقدم الرسول وأخبر أمير المؤمنين [u] بما قال زياد . فكتب [u] رسالة إلى زياد فيما يلي نصها كما في تأريخ اليعقوبي([103]) :

" وكتب إلى زياد وكان عامله على فارس : أما بعد ، فإن رسولي أخبرني بعجب ، زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه : إن الاكراد هاجت بك ، فكسرت عليك كثيراً من الخراج ، وقلت له : لا تعلم بذلك أمير المؤمنين . يا زياد ! وأقسم بالله انك لكاذب ، ولئن لم تبعث بخراجك لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ، ثقيل الظهر ، إلا أن تكون لما كسرت من الخراج محتملاً ".

كما تشهد على صحة ما استنتجناه ـ من أن الكورد كانوا يأخذون ضريبة من القوافل المارّة بأراضيهم بعد أن كانت الدولة تستخدم ضدهم سلاح المحاصرة الاقتصادية وتحرمهم من أبسط حقوقهم وليسوا بقطاع طرق ـ رسالة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى عدي ابن ارطأة عامله على فارس التي ذكرها ابن عساكر([104])، قال :

" كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن ارطأة : بلغني أن عمالك بفارس يخرصون الثمار على أهلها ثم يقومونها بسعر دون سعر الناس الذي يتبايعون به فيأخذونه ورقاً على قيمتهم التي قوموا ، وأن طوائف من الأكراد يأخذون العشر من الطريق ... " .

وهذه الرسالة أيضاً تثبت أن عمال الخليفة كانوا يتحايلون في اختلاس بيت المال وتؤيد ما قلناه من أن الكورد المخالفين للسلطة قد رتبوا لأنفسهم حقاً من الجباية على القوافل التجارية التي تمر عبر اراضيهم بعد أن أهملتهم الدولة وسلبت حقوقهم ، فأين أخذ العشر بعنوان ضريبة الطريق من السلب والنهب وقطع الطرق وغيرها مما أشاعوه عنهم .

وأخيرا ولأجل أن يتضح بجلاء اختلاق ما نسب إلى الكورد من اللصوصية ، ننقل عن ابن كثير مصداقاً حقيقياً من نوع عملياتهم ينبئ عن معارضة صريحة للدولة ورجالاتها ، وأن ما كانوا يقدمون عليه ليس إلاّ جزءً من الحرب الدائرة بينهم وبين السلطات الحاكمة ، فقد ذكر في البداية والنهاية([105]) في حوادث سنة 329 هج ، قال : " وقطعت الأكراد الطريق على قافلة من خراسان فأخذوا منها ما قيمته ثلاثة آلاف دينار ، وكان أكثر ذلك من أموال بجكم التركي ".

إن بجكم التركي هذا كان أمير الأمراء ببغداد زمن الراضي بالله والمتقي([106])وقد صرف همه في جمع المال بالتجارة وضمان الاقطاعات ، فكما تثبت هذه الرواية بعض تجارته ، أثبتت أخرى ضمانه لناحية واسط بثمانمائة الف دينار من الخليفة كما يشير اليه ابن كثير أيضاً([107]).

ومنه نعلم ان بجكم هذا كان من المطلوبين المطاردين من قبل المعارضة ، ولهذا نجد انه في الوقت الذي تعرضت أمواله لهجمة من فصائل من المقاومة في طريق خراسان ، كان فصيل آخر منهم في واسط يتربص به للقضاء عليه شخصياً ، وفعلا تمكن هذا الفصيل من اغتياله في واسط في نفس السنة 329 هج.

وقد ذكر ابن خلدون([108]) انه " ذهب يتصيد فبلغ نهر جور ـ وهو نهر بين ميسان والأهواز ـ وعثر في طريقه ببعض الأكراد فشره لغزوهم وقصدهم في خف من أصحابه وهربوا من بين يديه وهو يرشقهم بسهامه ، وجاءه غلام منهم من خلفه فطعنه فقتله ". فهذا دليل على :

اولاً : تواجد الكرد الشيعة في هذه المناطق التي كانت تابعة لواسط .

ثانياً : حقيقة عمل الفصائل المسلحة من الكورد خلال تلك العهود .

وبإزاء ذلك قام اعلام السلطة بإشاعة أخبار ملفقة وصفات مختلقة عبر الموالين من وعاظه وكتّابه للنيل من هذه المعارضة .

ومن المصاديق التي تؤكد ما ذكرناه أيضاً ما نقله الأبشيهي في كتابه([109]). قال : " بلغ عضد الدولة أن قوماً من الأكراد يقطعون الطريق ، ويقيمون في جبال شامخة ولا يقدر عليهم ، فاستدعى بعض التجار ودفع إليه بغلاً عليه صندوقان فيهما حلوى مسمومة كثيرة الطيب في ظروف فاخرة ، ودنانير وافرة ، وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لإحدى نساء الأمراء ، ففعل التاجر ذلك ، وسار أمام القافلة ، فنزل القوم ، فأخذوا الأمتعة والأموال ، وانفرد أحدهم بالبغل ، وصعد به الجبل ، فوجد به الحلوى ، فقبح على نفسه أن ينفرد بها دون أصحابه ، فاستدعاهم ، فأكلوا على مجاعة ، فماتوا عن آخرهم ، وأخذ أرباب الأموال أموالهم " .

والرواية هذه وإن كانت في غنى عن التعليق لكنه لا بأس بإشارة مختصرة إلى بعض زواياها ، فهي لاتذكر منطقة العمليات ، والمهم فيها انها تثبت : " أن قوماً من الأكراد يقطعون الطريق " وهذا بعمومه يدل على نفس الاسلوب الذي كان رائجا بين أجهزة السلطة ، فإذا لاحظنا خطة عضد الدولة في الايقاع بهم نجد في الرواية انه احتاج إلى اسلوب خاص يضمن به وقوع اولئك الكورد في فخه ، فنراه يسخّر أحد التجار ويحمل معه الحلوى المسمومة ويسيّره أمام القافلة ويأمره بان "يظهر أن هذه هدية لأحدى نساء الأمراء ". وهو ما يؤكد أن الفصائل المسلحة الكردية كانت تستهدف الحكومة ورجالاتها وما يتعلق بها وحسب ، لذا احتاج إلى عمل يدفع بهم لمهاجمة القافلة حتما ، والوصول إلى هدفه الدنئ .

فأي دليل أوضح من هذا التحايل على عدم صحة الإشاعات التي روجوا لها ضد هذا الشعب المسكين . والحقيقة ان هذه الهجمة الإعلامية ضد الكورد كانت ذريعة تستخدمها السلطات لأمرين :

الأول : ابعاد أذهان عموم الشعب عن البعد السياسي للعمليات الكوردية كي لا ينظر اليها كحركة معارضة لسياسات الدولة ، مما قد يشجع الآخرين على الخلاف فيتفاقم الوضع ، لذا أعلنوا للناس أن هؤلاء عصابات من اللصوص وقطاع الطرق .

الثاني : استخدام هذا الشعار للتغطية على الجرائم التي كانت السلطة ترتكبها بحق الكورد من خلال عمليات القمع التي مارستها في طريق القضاء على حركتهم ، ويدل على هذا ما ذكره ابن كثير([110]) حيث يقول : "في هذه السنة قدم وصيف الخادم بجماعة من الأكراد نحو من خمسمائة في القيود كانوا أفسدوا في الطرقات وقطعوها ، فأطلق الخليفة لوصيف الخادم خمسة وسبعين الف دينار وخلع عليه".

ولا أعلّق على هذا العدد الهائل من الأسرى وكم رافق تلك العمليات التي قادها وصيف الخادم ضد الكورد من قتلى ومشردين ، فلو جمعتهم لرأيت جيشاً كبيرا من المقاومة لا يمكن التعبير عنه بعصابات من اللصوص .

وأخيراً وتأكيدا لاستمرار هذه المؤامرات في دين السلطات ومن والاها نذكر قصة الثائر البطل الكوردي ابراهيم ابن عبدكه أيام ثورة العشرين في العراق والذي اشتهر في الاعلام الرسمي بالشقي ، وهي قصة طريفة تكشف عن كيفية تزييف الحقائق .

لنتأمل أولاً فيما كتبه عنه المدعو عبد الكريم العلاف([111])، قال : " يعد ابراهيم بن عبدكه أشهر شقي عرفه المجتمع العراقي في خلال الفترة التي امتدت بين أواخر العهد التركي وتأسيس الحكومة العرقية ، وهو كردي الأصل من قرية ذيابة القريبة من شهربان ، وقد احترف الشقاوة في العهد التركي على أثر قتله رجلاً من محلة باب الشيخ في بغداد والتجائه بعد ذلك ببساتين ديالى معلناً عصيانه على الحكومة وجمع حوله الأشقياء من أمثاله وصار يقطع الطريق ويقاتل رجال الدرك حتى شاع ذكره بين الناس وصاروا يضربون به المثل وقد عجزت الحكومة التركية من إلقاء القبض عليه فوضعت مكافأة مالية لمن يأتي به حياً أو ميتاً ".

ثم لنقرأ ما كتبه الدكتور علي الوردي([112]) عن هذه الشخصية قال : " المعروف عنه انه كان ذا مروءة لا يعتدي على الضعفاء والفقراء والنساء وكان ذلك من الأسباب التي دفعت الناس إلى الإعجاب به ومساعدته من التخلص من مطاردة الحكومة له " .

ولنقرأ أيضاً ما كتبه سليمان فيضي احد اعضاء محكمة التمييز الذي اشرف على ملف الثائر الكردي في مذكراته([113]) قال : " ابن عبدكه ثائر شعبي من عامة الأكراد اشتهر بالشجاعة والاقدام وكانت له أثناء الثورة العراقية مواقف مشرفة ضد الانكليز في لواء ديالى ، فلما نشبت الثورة العراقية وأخلى الانكليز بعقوبة دخلها ابن عبدكه ونصب نفسه مديراً للأمن فيها وبطش بالجواسيس فقتل بعضهم وأحرق دورهم مما أثار حقد الانكليز عليه . وفي عهد الحكومة الوطنية القي القبض عليه وسيق إلى المحكمة الكبرى في بغداد بتهمة قتل موظف رسمي أثناء تأدية واجبه ، فحكم عليه بالإعدام شنقاً ، وميز الحكم لدى محكمة التمييز ، فتبين لنا أن القتيل لم يكن موظفاً رسمياً وانما هو احد الأهلين المأجورين ، كان الانكليز قد عهدوا اليه بالتجسس على الناس لحساب دائرة الاستخبارات . فاتفق الرئيس وعضوان على تصديق حكم الإعدام وعارضته أنا ورشيد عالي الكيلاني ، وأجّلت الجلسة عدة مرات ، وكانت تأتينا التوصيات المتكررة من المندوب السامي بتصديق الحكم فلم نأبه .

وقد شغلت هذه المحكمة الرأي العام ، فكنت ترى قاعة المحكمة وفسحتها مكتظةً بآلاف الناس وكانوا كلما خرجت أو خرج رشيد عالي هتفوا لنا وكبروا موقفنا لانقاذ ابن عبدكه من المشنقة ، وصدر الحكم بتصديق قرار الإعدام بأكثرية الأصوات ، ودونت معارضتنا الشديدة أنا ورشيد عالي في نص القرار ، فلما اطلع جلالة الملك عليها امتنع عن تصديقه وأمر بتخفيف العقوبة إلى الحبس خمس عشرة سنة، وقد علمت بعد ذلك أن ابن عبدكه قضى مدة الحبس ثم اطلق سراحه " .

فكم فرق بين ما كتبه العلاف والحقيقة التي كشفها الكاتبان الأخيران ، علما أن تخفيف الحكم إنما حصل بفضل جهود المحامين وتدخل السيد محمد الصدر والشيخ محمد الخالصي رحمهما الله تعإلى .

ونقل المرحوم نجم سلمان مهدي في كتابه([114])عن أحد أقرباء ابن عبدكه قال : " سأله أحد أقربائه من باب الاستطلاع ، كم قتلت يا ابراهيم ؟ فأجابه بحدّة " لا تقل كم قتلت ولكن سلني كم ظلمت ؟ فأنا لم أظلم أحداً في حياتي ولكني عاقبت القتلة والمجرمين عند غياب القانون كما ساندت ثورة العشرين وأهلكت المتجاوزين على بلادي لضعف الحكومة فيها ". والقصة مذكورة بالتفصيل في كتاب (الفيليون) لمن أراد . وسنذكر نماذج أخرى من أمثال هذا الزيف في فصول قادمة إن شاء الله تعإلى .

2 ـ الحرب النفسية عبر دسّ الروايات :

من غرائب ما يقرأه المتتبع مما كتب عن الكورد هو ما بثّ في كتب الحديث الشيعية عنهم ، من أنهم ليسوا بشرا وإنما هم طبقة من الجن ينبغي الابتعاد عنهم وعدم مخالطتهم ومعاملتهم ، وكراهة التزويج منهم ، والتعامل معهم بحد السيف ، وما تبع ذلك من التهويل في كتب الفقهاء حول هذه الأحاديث ، مما جعل من ذلك طعما اعلامياً تشهيريا للمتعصبين من العرب والفرس يطعنون به الكورد ويلمزونهم به كلما حملتهم العزّة بالعنصرية على التفاخر في نوادي الآثمين .

والمقام وإن لم يتسع لاشباع الموضوع بحثا وتحليلا ونقدا ، إلاّ أن ذلك لم يمنعنا من الإشارة الموجزة إلى حقيقة تلك الروايات وما يناسبها من القول في ردها في هذا الكتاب المبني على الاختصار ، على أمل حصول الفرصة المؤاتية لنقدها علمياً على ضوء الأسس الخاصة بالفن ووضعها في حجمها المناسب في مؤلف مستقلّ إن شاء الله تعإلى فأقول : وردت في بعض كتب الحديث الشيعية ثلاث روايات تحدد موقف الناس من الكورد تتلخص مواردها في :

1 ـ كراهة التعامل معهم ومخالطتهم .

2 ـ كراهة التناكح معهم .

3 ـ تنبيههم بحد السيف .

وفيما يلي عرضا ملخصا لهذه المؤامرة ، التي لا نشك في كونها من دسّ المبتلين بداء العنصرية ، نذكرها حسب موضوعها مستقلة متناً وسنداً ، ثم نناقشها بما يناسبها من تعليق في نقاط مختصرة :

 

ـ الموضوع الأول : كراهة مخالطتهم ومعاملتهم :

نبدأ أولاً بنقل الرواية كما وردت في أصولها الحديثية :

* الكافي للكليني([115]) : عن محمد بن يحيى وغيره عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عمن حدثه عن ابي الربيع الشامي قال " سألت أبا عبد الله [u] فقلت : إن عندنا قوماً من الأكراد وأنهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم ؟ فقال : يا أبا الربيع لا تخالطوهم فإن الأكراد حيّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطوهم ".

* علل الشرائع([116]) للصدوق نقلها في العلة التي من أجلها يكره مخالطة الأكراد : "عن أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عمن حدثه عن ابي الربيع الشامي ..." وبطريق آخر : عن الحسن بن متيل عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن حفص عمن حدثه عن ابي الربيع الشامي ....

* من لا يحضره الفقيه([117]) للصدوق أيضاً . ذكرها بحذف السند .

* تهذيب الأحكام([118]) للشيخ الطوسي : عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عمن حدثه ، عن أبي الربيع الشامي .....

* وسائل الشيعة للحر العاملي([119]) : نقل رواية الكليني وكذا رواية التهذيب وروايتي العلل بعينها .

* بحار الأنوار للمجلسي([120]) : نقل رواية العلل نفسها .

هذه هي الرواية التي امتلأت بسببها كتب الفقه قديماً وحديثاً بفتوى كراهة الاختلاط مع الأكراد وكراهة التعامل معهم ، ولمناقشتها بإيجاز نقول :

 

يرد عليها :

اولاً : عدم معقولية صدور مثل هذه الرواية من معصوم يتصدى إمامة البشرية بجميع طوائفها بل لو صدر مثل هذا التعميم من حاكم عادي من حكام الدنيا لما سلم من نقد عوام الناس فضلا عن عقلائهم.

ثانياً : على فرض صدورها ولو محالاً لا يمكن أن يكون قصد الإمام هو ما عممه الفقهاء في كتبهم بسبب الالف واللام في كلمة (الأكراد) بل يمكن أن يكون من قبيل قوله تعإلى : " الأعراب أشد كفراً ونفاقا" وفي كل ملة يوجد أعراب . والفرق بين الكورد والأكراد كالفرق بين العرب والأعراب .

ثالثاً : الرواية مرسلة في جميع المصادر .

رابعاً : بعض رواتها متهمين بشدة تعصبه في العروبة وله كتاب في تفضيل العرب بل ضعفه بعض علماء الرجال .

خامساً : اختصاص الرواية هذه وكذا رواية كراهة النكاح كما تأتي بشخص واحد هو ابو الربيع الشامي من دون الآلاف من اصحاب الصادق [u] ممن أحصوا كل كبيرة وصغيرة من أقواله كما اختص الناقل عن ابي الربيع الشامي بشخص مجهول يتحدث عنه ، فرواية الكافي عن مجهول عن ابي الربيع، وروايتي الصدوق أيضاً بطريقيه عن مجهول عن ابي الربيع .

سادساً : احراج الكثير من فقهاء الشيعة بعد شهرة الفتوى في كتب القدماء ومحاولتهم توجيه الروايات بمحامل مختلفة تبعدها على فرض صحتها من مخالفة المنطق ، فلجأ بعضهم في توجيهه إلى التفريق بين المراد من العموم عند الأصولي والمراد منه عند المحدث ، ومنهم من قال على فرض صدورها وليست بمعلومة ، فالظاهر كون المراد منه جماعة خاصة منهم لا كل من اشتهر بهذا العنوان وعدّ العموم في الرواية من العموم في مصطلح أهل لحديث مثل ذم أهل الاجتهاد والمتكلمين والصوفية فانه خاص بأصحاب الرأي والتعصب والبدع منهم ومثل ما ورد في ذم أهل السوق وذم الحائكين وذم الشعر والشعراء وامثال ذلك . ومنهم من بتّ في كون المقصود منه من كان على صفة خاصة . وهذا السعي من جمهرة من فقهاء الشيعة دليل واضح اما على دسّ الرواية أوعدم ارادة العموم قطعاً .

سابعاً : ركاكة النص فتكرار "لا تخالطوهم " و " فلا تخالطوهم " في نص واحد لا يصدر من بليغ . فلو قيل انه تأكيد قلنا ان الموضوع الهام المؤكد يستدعي التأكيد في تبليغه أيضاً ولا يوكل بيانه إلى مجهول .

ثامناً : ان موضوعاً عاماً وهاماً كهذا والذي يحمل في طيّاته قانوناً شرعياً يحدد العلاقات الاجتماعية بين طوائف المجتمع لا يمكن تبيينه بالصورة التي جاءت في هذه الرواية ، ونحن نعلم أن الأئمة عليهم السلام كانوا من الحرص على تبليغ الأحكام فيما هو دون هذا الموضوع بأشدّ ما يكون فلا يعقل أن يكون مثل هذا الحكم الشرعي الخطير ثابتاً في الشرع ولا يحدثون به غير الشامي ، ثم يكتمه الشامي ولا يحدث به إلاّ مجهولاً ، سيما وأن ابا الربيع الشامي كان صاحب كتاب كما ذكر ذلك النجاشي في رجاله ص 153 تسلسل 403 ، وهو على اتصال بكثير من الرواة ونقلة الأخبار فلماذا لم يُنقل هذا الحديث الخطير عن كتابه أو عن شخص معروف ممن روى عنه .

ومما تقدم يظهر أن موضوع هذه الرواية هو من مصاديق ما اشتهر عندهم : " ربّ مشهور لا أصل له " .

 

ـ الموضوع الثاني : مسألة كراهة مناكحتهم .

فقد وردت في رواية واحدة تنتهي بشخص ابي الربيع الشامي أيضاً ، وعن طريق شخص مجهول كذلك ، وفيما يلي مصادر الرواية :

* الكافي ؛ للكليني([121]) : " عن علي بن ابراهيم عن اسماعيل بن محمد المكي عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن الحسين بن خالد عمن ذكره عن ابي الربيع الشامي عن ابي عبد الله [u] : " ولا تنكحوا من الأكراد أحدا فإنهم من جنس الجن كشف الله عنهم الغطاء ".

* التهذيب ؛ للشيخ الطوسي([122]) : نقله عن الكافي بنفس السند .

* وسائل الشيعة ؛ للحر العاملي([123]) : نقلها عن الكافي أيضاً بنفس السند.

 

ويرد عليها :

اولاً : ان الرواية مرسلة كسابقتها .

الثاني : انحصار نقلها بأبي الربيع الشامي ومجهول ينقل عنه ذلك ، وهو ما يوجب الريبة في الروايات الواردة بشأن الكورد فلماذا لا تنقل مثل هذه الروايات إلا عن مجهول ينقل عن مصدر واحد هو ابو الربيع الشامي وما بال ابي الربيع الذي هو صاحب كتاب في الأخبار لم يذكر ذلك في كتابه أو يحدّث به شخصاً معروفاً بالاسم ممن يحدثهم .

الثالث : جهالة بعض رواة السند ممن ذكروا بالاطلاق .

الرابع : عدم مطابقة مضمونها كسابقتها لثوابت لشرع الحنيف كقوله تعإلى : [ يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ] وقول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : "لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

 

ويبدوا من التعليل بكونهم "طبقة من الجن كشف الله عنهم الغطاء" ، أن الذي أخذ هذا المضمون ودسّه في مثل هذه الروايات ، انما اقتبس ذلك من كلمات بعض قدامى النسابين الذين نسبوا الكورد إلى بلقيس أو إلى الجن مطلقاً كما ذكرذلك الزبيدي في تاج العروس([124])، بقوله : ونقل عن ابي المعين النسفي في بحر الكلام في ردّه قوله : "وما قيل أن الجني وصل إلى حرم سليمان [u] وتصرف فيها وحصل منها الأكراد باطل لا أصل له ".

والذي يبدو لي أن مخترع هذه الأباطيل هو بعض العروبيين المتعصبين ، ولابد للباحث التأكد من حقيقة ما قيل عن أحمد بن محمد بن عيسى راوي الحديث الأول المتهم بتعصبه للعروبة رغم جلالة قدره بين القوم وحال من يروي عنه ممن ذكر في روايات أخرى ، كما انه لم يثبت بدليل صحيح أو مقبول أن الله قد حول طائفة من الجن إلى جنس الإنس ثم أثبتهم في صورتهم الجديدة ولو كان لبان وشاع وتناقل ذلك في كتب الأخبار والتواريخ كما عليه كثير من الوقائع ، بل لم يرد ذكر مضمون هذه الرواية من غير هذا المجهول الناقل عن ابي الربيع الشامي لا في كتب الشيعة ولا في كتب السنة . وهو ما يدعو إلى القطع بكونها من المجعولات وما كان ينبغي أن يكون لمثل هذا الحديث الموهون المخالف للعقل مكاناً في علم الفقه مهما أحسنّا الظن بالشيخين المحدثين الجليلين الكليني والطوسي الناقل عن الكليني .

 

ـ الموضوع الثالث : رواية : " لا تنبهوهم إلاّ بحد السيف " وهي رواية واحدة بسند واحد نقلت في :

* الكافي ؛ للكليني([125]) : عن علي بن محمد عن أحمد بن ابي عبد الله وغيره انه كتب اليه يسأله عن الأكراد فكتب اليه لا تنبهوهم إلاّ بحد السيف .

* تهذيب الأحكام ؛ للشيخ الطوسي([126]) : عن الكافي بنفس السند مع اختلاف طفيف في العبارة فقد جاء فيه : أحمد بن ابي عبد الله أو غيره .

* وسائل الشيعة ؛ للحر العاملي([127]) : نقلاً عن الكافي عن احمد بن ابي عبد الله وغيره انه كتب اليه .

 

ويرد عليها :

اولاً : في عبارة الكافي وما نقله عنه صاحب الوسائل عبارة "عن احمد بن ابي عبد الله وغيره انه كتب " فإن قرأناه بالبناء على المجهول (كُتِبَ) أضرت جهالة الكاتب بالرواية ، وإن قرآناه بالبناء للمعلوم لا تستقيم العبارة مع عبارة ( وغيره) لأن الذين كتبوا إن كانوا جماعة فكان الأجدر أن يقول (انهم كتبوا) وإن كان المراد من الكاتب احمد بن ابي عبد الله فهو لا يلائم قوله (وغيره) ، وإن كان القصد الترديد في الكاتب كما يدل عليه رواية التهذيب (أو غيره) فلا يدري هل الكاتب احمد ابن ابي عبد الله أو غيره فهو وهن كبير لأصل الرواية بعدم معلومية الكاتب أيضاً ويكفي هذا في سقوطها .

ثانياً : الراوي أحمد ابن ابي عبد الله بإطلاقه مجهول لاشتراكه ، وحمله على احمد بن محمد بن خالد البرقي باعتبار أن الكليني يروي عنه غالباً ، هو حمل على الظن لا يجدي في تقوية الرواية مع التخليط في العبارة .

ثالثاً : على بن محمد أيضاً على اطلاقه مجهول ، يحتاج إلى حمله ظناً على علي بن محمد بن بندار الذي يروي عنه الكليني كثيرا وهو الآخر موهن للرواية . ولا يمكن اثبات حكم شرعي اعتمادا على مثل هذه الظنون الخارجة عن الحجية الشرعية .

رابعاً : لا يوجد في الباب غير هذه الرواية المتزلزلة بعلاتها فكيف يمكن لفقيه الاعتماد على مثلها في الحكم بإهدار دم أمّة كاملة يعلو من أقصى بلادها إلى أقصاها نداء أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله .

هذه هي الروايات الثلاث التي يجدها القارئ في كتب الشيعة ذكرناها مع ما تيسر من رد مختصر حسب حال الموضوع والكتاب وأأمل أن أوفق لبسط القول في تفنيدها بعد الظن القريب من القطع بكونها مجعولة مدسوسة في كتبنا الروائية .

وبما قدمنا يتضح عمق المأساة التي يخلقها أناس أعمت العصبية بصيرتهم ولوثّت العنصرية ضمائرهم في طريق الأمم والشعوب ، وخطورة الأساليب التي يعتمدونها في تحقيق أهدافهم الدنيئة وعدم التورع عن ارتكاب الجريمة بتحريف الحقائق والتلاعب بكتابة التأريخ والحديث فضلّوا وأضلّوا بعدهم الكثير بما حرفوا ودسّوا .

ولا أظن بعد بيان هذه الشواهد ان يبقى هناك أدنى لبس أوشك في إدعاء زيف جملة من الأحداث التي ذكرها التأريخ تأييدا للدول والحكومات والأقوياء ، ومنها اختلاق التهم في حق الكورد وغيرهم من الأمم والطوائف .كما لا ينبغي الشك أيضاً في وهن الكثير من الأحاديث التي ملأت كتب المسلمين لاسيما التي تعرضت لجوانب اعتقادية أو لسير الأفراد والجماعات والتي باتت الزناد القادح لاشعال الفتن بين الطوائف . وعلى الباحثين والاتباع تحري الدقة في التعامل مع مثل تلك الاخبار والاحاديث ، وأن يبعدوا عن أذهانهم فكرة قداسة ما في بعض الكتب بسبب حسن الظن في مؤلفه لاستقامته وحسن سيرته بعد اليقين بعدم عصمة الكتّاب والمؤرخين والرواة .

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

 

شخصيات كوردية شيعية

 

وتأكيداً لتشيّع طوائف كثيرة من الكورد منذ العصور الإسلامية الأولى ، نذكر باختصار أسماء بعض الشخصيات الكوردية الشيعية من الذين لمعت أسماؤها في تاريخ أمّتهم وكانت ظاهرة التشيع ، مجاهرة به ، مفتخرة بموالاتها لأهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ذابة عن معتقدها بكل ما اوتيت من قوة، وهذه الشخصيات كما نرى ينتمون إلى مختلف الطوائف ولا ينحصرون في طائفة واحدة ، وقد تعرض لترجمة الكثير منهم السيد محسن الأمين العاملي في كتابه الكبير " أعيان الشيعة " فمنهم :

1 ـ عضد الدولة ابو نصر سهلان بن مسافر بن سهلان الكردي ، أمير الجبل توفي في ربيع الأول سنة 267 هج .

2 ـ أبو دلف القاسم بن محمد الجاواني من قادة الكورد([128]) ، ذكره ابن خلدون([129])، وقال : هاجمه الغز الذين كانوا قد استولوا على البندنيجين فهزمهم وظفر بهم وغنم ما معهم .

3 ـ عكبر الكردي وهو الذي ينسب اليه تل عكبرا من نواحي دجيل بينه وبين بغداد عشرة فراسخ وكان من أمراء الشيعة بالعراق هو وأولاده وقد ترجمه السيد الأمين العاملي في الأعيان.

4 ـ حسنويه([130]) بن الحسين الكردي البرزيكاني ، توفي سنة 369 هج ، بسرماج([131]) وكان من أمراء الأكراد أصحاب الحول والطول والعزم والشجاعة والسياسة والتدبير ، وكان ملكه نواحي الدينور وهمذان وكان هو وأهل بيته شيعة ، وكان لحسنويه أولاد سبعة([132]) : ابو النجم بدر وعبد الرزاق وابو العلاء وعاصم وابو عدنان وبختيار وعبد الملك . وسنأتي على المزيد من أخباره عند ذكر دولتهم ، توفي سنة 369 هج .

5 ـ الأمير أبو النجم بدر([133])([134])بن حسنويه بن الحسين الكردي البزريكاني أمير الجبل ، قتل سنة 405 وحمل إلى مشهد علي [u] ودفن فيه .

6 ـ ابو عدنان بن حسنويه بن الحسين الكردي البزريكاني ، من أمراء الكورد ببلاد الجبل ، وهو من قبيلة شيعية تزامنت حكومتهم مع عصر بني بويه وكان ابو عدنان هذا معاصراً لعضد الدولة منهم ، وقد قتله عضد الدولة مع باقي اخوته بعد أن وفدوا عليه فألقى عليهم القبض وأودعهم السجن ثم قتلهم بعد ذلك باستثناء بدر بن حسنويه .

7 ـ الشاعر أبو عبد الله الحسين بن داود الكردي البشنوي([135]) توفي بعد 380. من الشعراء المجاهرين في مدايح العترة الطاهرة عليهم السلام كما عده ابن شهر آشوب من شعراء أهل البيت في كتابه "معالم العلماء" ويشهد لذلك شعره الكثير فيهم المبثوث في كتاب "المناقب" للسروي ، فهو في الرعيل الأول من حاملي ألوية البلاغة ، وأحد شعراء الإمامية الناهضين بنشر الأدب([136]) .

8 ـ الأمير حسام الدولة أبو الشوك فارس([137]) بن محمد بن عنان(عناز) أو (عيار) ؛ توفي في شهر رمضان سنة 437 بقلعة السيروان ، كان أميرا فارساً أديباً شاعراً([138]) مادحاً للأئمة عليهم السلام ممدحاً . وفي تاريخ ابن الأثيرفي حوادث سنة 342 هج : أرسل الخليفة المطيع رسلاً إلى خراسان للإصلاح بين نوح بن أحمد الساماني صاحب خراسان وركن الدولة بن بويه ، فلما وصلوا حلوان خرج عليهم ابن ابي الشوك الكردي وقومه فنهبوا قافلتهم وأسروهم ثم أطلقوهم ، فأرسل معز الدولة عسكراً إلى حلوان فأوقع بالأكراد . وذكر ابن الأثير في حوادث سنة 404 هج فيها تزوج أبو الأعز دبيس([139]) بن علي بن مزيد بأخت أبي الشوك فارس بن عناز أمير الأكراد .

9 ـ الأمير بدر بن مهلهل بن محمد بن عناز الكردي : هو من أهل بيت من الشيعة ، وكان الأمير أبو الشوك فارس بن محمد بن عناز عمّ بدر مالكاً قرميسين والدينور وغيرهما معروفاً بالتشيع ، ولما مات سنة 438 هج ملك أخوه مهلهل ما كان بيده ، ففارقه ابن أخيه سعدي ابن ابي الشوك فارس ، وجرت بينهما خطوب ، وفي هذه السنة أرسل مهلهل ولده بدراً إلى حلوان فملكها .

10 ـ الأمير ابو الفوارس سرخاب بن بدر بن مهلهل الكردي المعروف بابن ابي الشوك([140]) ، توفي سنة 500 هج.

 

 

 

11 ـ سرخاب بن محمد بن عناز الكردي([141]) ؛ اخو ابو الشوك ، من أمراء الكورد الحاكمين بناحية قرميسين .

12 ـ ابو العسكر بن سرخاب بن محمد بن عناز الكردي : كان من أمراء بني عيّار أو(عناز) وهو ابن اخي ابي الشوك فارس بن محمد وكان ابوه سرخاب من أمرائهم أيضاً([142]) .

13 ـ ابن حمدان محمد بن علي بن عبد الله ابو سعيد العراقي الحلي الجاواني الكردي([143]) المتولد سنة 468 والمتوفي سنة 561 هج ، العالم الأديب([144]) ،

14 ـ ابو الحسين ورّام([145]) ابن ابي فراس عيسى ابن ابي النجم حمدان بن خولان الحلّي([146]) : وهو من بيت([147]) رفيع من الأكراد الجاوانيين الحلّيين المستعربين ، والجد الأعلى لهذا البيت هو الأمير ورّام الكردي الجاواني هذا، نشأ ورّام أول الأمر على طريقة أهل بيته فتربى تربية عسكرية وصار أميراً من الأمراء العسكريين ، ثم ترك سلك الجندية وزهد في الدنيا وانصرف إلى الدراسة والعلم([148]). توفي يوم الجمعة وحمل إلى لكوفة فدفن في مشهد علي [u] .

15 ـ الحسين بن مسعود الكردي([149]) من أمراء الكورد ببلاد الجبل وهي نواحي همذان .

16 ـ الحسين بن ابي طاهر احمد بن محمد بن الحسين الجاواني، من علماء القرن السادس([150])، من الجاوانيين اكراد الحلة .

17 ـ حسام الدين ابو فراس الحلي الكردي الورامي ([151]).

18 ـ الشيخ محمد بن الحسن بن محمد بن كحيل بن سلطان العارفين الأدرازي الحلي المعروف بابن نعيم من علماء القرن السابع([152]) كان حياً سنة 695 هج.

19 ـ محمد بن ابي الهيجا بن محمد ، والي دمشق ([153]) .

20 ـ الشيخ محمد تقي بن محمد الملقب بملا كتاب الكردي النجفي الاحمدي البياتي([154]) .

21 ـ الشيخ جواد([155]) ابن الشيخ محمد تقي ابن ملا كتاب الكردي الأحمدي البياتي([156]) الحلواني([157]) النجفي ، كان حياً سنة 1267 هج ، وكانت وفاته في النجف ودفن في داره بمحلة العمارة وقبره معروف .

22 ـ الشيخ مهدي([158]) ابن الشيخ جواد ابن الشيخ محمد تقي ابن ملا كتاب الكردي النجفي . توفي بنجد في طريق العراق آتياً من الحج ودفن حيث مات ولم ينقل خوفاً من الحجازيين ، كان يضرب بتقواه المثل أخذ عن السيد جواد العاملي والشيخ محمد رضا نجف ، كان والد الشيخ ملا كتاب من جبال حلوان التي تسمى اليوم جبال الفيلية بشت كوه وهي بلاد الكورد وانتقل ولده ملا كتاب إلى النجف وتوطنها فولد له الشيخ مهدي والشيخ محمد تقي .

23 ـ أمان الله خان والي كردستان المعروف ، وقد ألف الميرزا عبدالله المشتهر برونق تذكرته لشعراء كردستان وسماه "حديقه أمان اللهي" باسم أمان الله خان الوالي هذا .

24 ـ حسينقلي خان ابن أمان الله خان والي كردستان المتوفي في ريعان شبابه سنة 1263 هج له ديوان شعر باسم "ديوان حاوي السندجي" .

25 ـ محمود خان بن شهباز خان الدنبلي([159]) : من رؤساء أكراد آذربيجان الغربية الذين نزحوا اليها قديماً من شمال العراق وكان آباؤه حكام آذربيجان في العهد الصفوي ، سكن طهران ثم نصب حاكماً للرستان واصفهان ، مات سنة 1260 ، له ديوان "خاور دنبلي" ،

26 ـ أمير مجاهد بن حسينقلي خان من رؤساء البختيارية في جهار محال ولد سنة 1283 ومات في سجن بهلوي سنة 1356 هج ، له ديوان يوسف بختياري .

27 ـ حسين قلي خان بن مصطفى قلي خان بن الحاج شهباز خان الكلهري الكرمنشاهي المتخلص بسلطاني . ولد سنة 1247 وتوفي سنة 1303 هج ، شاعر أديب وهو تلميذ الأديب الشاعر الحاج ميرزا محمد الملقب ببيدل الكرمنشاهي له عدة كتب ، منها باغستان وهو ديوان شعر بالفارسية ، ومطلع الشعراء أيضاً فارسي في تذكرة شعراء عصره ، وتمثال البديع ، مثنوي على زنة مخزن الاسرار للنظامي ، وديوان شكرستان وديوان سلطاني بختياري ونجاة الثقلين في مقتل الحسين [u] ، ونور اليقين وغيرها من الكتب .

28 ـ عباسقلي خان كلهر ، اخو شهباز خان ، له كتاب" شرح تشريح الأفلاك للبهائي" توفي سنة 1273 هجـ.

29 ـ طهماسب قلي خان بن رستم خان من رؤساء إيل كلهر ، وكان عارفاً متصوفاً توفي سنة 1310 هج وله ديوان "وحدت كلهر" .

30 ـ الميرزا ابراهيم بن الحسن بن علي بن عبد الغفار الدنبلي الخوئي ، ولد سنة 1240 هج في بلدة خوي وقتل([160]) سنة 1325 . كان من أكابر العلماء عاش سعيدا ولقي ربه شهيدا بذل نفسه في سبيل الدين واحياء آثار الأئمة الطاهرين ، من مؤلفاته : الدرة النجفية وهو شرح لنهج البلاغة ، وشرح الأربعين حديثاً ، وملخص المقال في تحقيق أوال الرجال ، ورسالة في الأصول.

31 ـ الميرزا رضا قلي خان الملقب بسردار أشرف ابن حسين قلي خان والي بشتكوه الكردي الفيلي ، ولي بعد ابيه حسين قلي خان ولاية لرستان من قبل الدولة الايرانية إلى أن تغلب على تلك الولاية الشاه رضا بهلوي فجعلها خاضعة للحكم الايراني بعد ما كانت اقطاعية وأقره عليها مدة ثم انتزعها منه ، وخرج من البلاد فسكن بغداد ، له كتاب أنيس المسافر فارسي في تربية الحيوانات التي يصطاد بها وفي مقدمته بسط القول في تاريخ ولاة فيلي وفتح لرستان مطبوع سنة 1339 .

32 ـ محمد علي بيك، كان بشيراز وهو من الطائفة الفيلية له ديوان باسم"اختر شيرازي" مات سنة1302هـ([161])

 

 

 

 

33ـ الشاعر نصر الله سعدوند : المعروف بـ"ملا بريشان" ، له ديوان صغير باسم "بريشان نامه" ([162])، باللغة الكردية فيه المواعظ والاخلاقيات والأمور الاعتقادية .

34ـ غلام رضا خان اركوازي ابن حسن بيك ([163]) : المعاصر لفتحعلي شاه قاجار ، من مشاوري حسن خان والي بشتكوه ، وكان من اكابر شعراء الكورد الشيعة له اشعار في مراثي ومدائح اهل البيت عليهم السلام وله أيضاً اشعار كثيرة في المناجاة ومن شعره باللغة الكوردية([164]) .

35 ـ آية الله الشيخ عبد الرحمن الحيدري الإيلامي ، الفقيه الزاهد العابد ، أحد كبار الأعلام في النجف الأشرف، عاش رحمه الله تعإلى حياة زهد وتقشف بعيداً عن الإعلام متجنباً الشهرة ، زرته مراراً رحمه الله فما زادتني زياراتي له إلاّ اعجابا بما حباه الله من خصال حميدة من تقوى وزهد وتواضع . لم يسلم قدس الله نفسه من حقد حزب البعث الحاكم ومضايقاته إلى أن تم ترحيله إلى ايران قسراً في جملة من رحّل من الأعلام ، فاستقرّ رحمه الله في بلدة ايلام يبلّغ شرع الله وينشر تعاليم الدين الحنيف ولقي ترحيباً منقطع النظير من لدن أهالي إيلام والمحافظات المجاورة . ولم يأل جهداً في مقارعة الحكومة الشاهنشاهية في ايران إلى أن قامت الثورة الاسلامية فانتخب عضواً في مجلس الخبراء وشارك في سنّ القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية ، كما اشترك في الحرب التي فرضها حزب البعث بقيادة صدام حسين على الجمهورية الإسلامية وعبأ جماهير العشائر في منطقة الحدود وعلمت أنه قدّس سرّه كان يخرج بنفسه الشريفة رغم كبر سنه ومرضه لتفقد الجبهات فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً .

 

 



 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

 

أخبار بعض حكومات الكورد الشيعة

 

1 ـ حكومة آل حسنويه :

ابتدأت دولة هذه الطائفة الشيعية سنة 288 للهجرة ، وكان الحكم بيد اخوال حسنويه إلى سنة 350 هج ، وعند وفاة خاليه ونداد وغانم انتقل الحكم إلى حسنويه بن حسين البرزيكاني ، وشملت مملكته نواحي الدينور وهمذان ونهاوند والدامغان وبعض اطراف آذربيجان إلى حد شهرزور([165]).

كان حسنويه عظيم السياسة حسن السيرة ما ذكره مؤرخ إلاّ ومدحه ، بنى أصحابه قلعة سرماج بالصخور المهندسة ، وبنى بالدينور جامعاً كذلك([166])، وكان ديّناً كثير الصدقة بالحرمين وقد ذكرنا بعض صفاته في ترجمته في الفصل السابق .

ولما ملك بنو بويه البلاد واختص ركن الدولة البويهي بالري وما يليه ، كان حسنويه يعاضده ويناصره على عدوه وركن الدولة يرعى ذلك في حسنويه ، واستمر الحال في هذه المهادنة إلى ان وقعت واقعة بين حسنويه وبين ابن مسافر وهو من قواد الديلم وكبارهم ، وتمكن حسنويه في هذه المواجهة من التغلب على ابن مسافر وتحصن ابن مسافر بمكان فحاصره حسنويه وكاد أصحاب حسنويه أن يهلكوه لكنه تركه .

امتعض ركن الدولة البويهي لذلك ، وأدركته نغرة العصبية ، فبعث وزيره ابا الفضل بن العميد في عساكر سنة 359 هج إلى همذان للاقتصاص من حسنويه ، فنزل الوزير همذان وضيق على حسنويه ، لكن الوزير مات قبل اكمال مهمته ، فصالحه ابنه ابو الفتح على مال ورجع عنه([167]).

استمر حسنويه في الحكم إلى أن مات سنة 369 هج ، وخلف عدداً من الأولاد منهم ابو العلاء وعبد الرزاق وأبو النجم بدر وعاصم وأبو عدنان وبختيار ، وبختيار كان بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر كما اختلف الأخوة في المواقف مما سبب ضعف دولتهم . وذلك لوقوع الفتنة والنزاع بين آل بويه وتصارعهم على السلطة فانحاز بعض أولاد حسنويه إلى عضد الدولة وبعضهم إلى فخر الدولة وبعضهم إلى غيرهما .

سار عضد الدولة إلى قتال أخيه فخر الدولة فاستولى على همذان والري ثم عرج على ولاية حسنويه بسبب انحياز ابنائه عنه فافتتح نهاوند والدينور وسرماج وأخذ ما فيها من ذخائر وكانت جليلة المقدار وهكذا تمزق ملك حسنويه وتمكن عضد الدولة من أكثر بلادهم .

بعد هذه الوقائع وفد بعض أولاد حسنويه منهم عبد الرزاق وابو العلاء وابو عدنان وابو النجم بدر على عضد الدولة ، فألقى القبض على الثلاثة الأول وأودعهم السجن ثم قتلهم بعد ذلك واستثنى منهم أبا النجم بدر فخلع عليه وولاه على الأكراد وقواه بالرجال فضبط تلك النواحي واستقام أمره([168]).

وعندما مات عضد الدولة تملك ابنه صمصام الدولة زمام الأمور في بغداد ، فامتعض من ذلك أخوه مشرف الدولة بن عضد الدولة فتوجه بجيشه إلى بغداد وانتزعها من يد أخيه صمصام ، ثم جهز مشرف الدولة سنة 377هجـ جيشاً لقتال بدر بن حسنويه بقيادة الامير قراتكين ، وتلاقى مع بدر على وادي قرميسين([169])، انهزم بدر حتى توارى عن الانظار فلم يتلقوه ، ونزل جيش مشرف الدولة في معسكر بدر وخيامه وفجأة كرّ بدر عليهم فأعجلهم عن الركوب وفتك فيهم واحتوى على ما معهم ، ونجا الأمير قراتكين في فلّ من جيشه إلى جسر النهروان ثم لحق به المنهزمون ودخل بغداد .

استولى بدر بن حسنويه على أعمال الجبل وقويت شوكته واستفحل أمره ولم يزل ظاهراً عزيزاً ، وقلّد من ديوان الخلافة سنة 388 هج ، وكناه القادر بأبي النجم ولقبه بناصر الدولة وعقد له لواءً وأنفذه إليه كما ذكره ابن كثير([170]).

وقد وصفه المؤرخون بأحسن وصف وذكروا محامد أخلاقه ، ويكفي ما ذكرناه من وصف ابن كثير له بأنه كان من خيار الملوك وأن بلاده في غاية الأمن والطيبة .

كان لبدر بن حسنويه علاقة حميمة بالوزير الصاحب اسماعيل بن عباد الطالقاني الذي كان من أكابر وزراء الدولة البويهية وأول من لقب بالصاحب من الوزراء ، لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ الصبا فسماه الصاحب ، وكان الصاحب أيضاً كثير الثقة ببدر، انظر ما قاله السيد ابن طاووس الحسني ([171]).

2 ـ دولة بني عيّار ـ زعماء طائفة الشاذنجان :

كان ابو الفتح محمد بن عيار (عنان) أمير الشاذنجان من الأكراد الشيعة ، حكم مدينة حلوان وضواحيها إلى شهرزور ، وأقام عليها أميراً وعلى قومه عشرين سنة([172])، وافقت إمارته أيام حكومة بدر بن حسنويه وبنيه ، واستمر في إمارته إلى أن توفي سنة 401 هج ، فقام مقامه ابنه ابو الشوك فارس بن محمد ، وكان مدة حكومته ستة عشر عاماً ، بعثت الحكومة من بغداد أيام حكومته العساكر لقتاله فقاتلهم وامتنع بحلوان([173]) الحصينة إلى أن أصلح حاله مع الوزير فخر الملك .

في سنة 420 للهجرة ، زحف الغز نحو بلاد الري ، وملكوا همذان وعاثوا في نواحيها إلى استراباذ وقرى الدينور ، فخرج اليهم ابو الفتح ابن ابي الشوك وقاتلهم فهزمهم وأسر منهم جماعة ثم عقد الصلح معهم على اطلاق أسراهم([174]). وفي سنة 430 للهجرة ، استولى ابو الشوك على قرميسين([175])، وبعث عسكراً إلى أرمينية ، فقاتلوا من ظفروا به وانتهوا إلى خولنجان فحاصروها وملكوها عليهم . ولما ظهر طغرل بيك السلجوقي أرسل أخاه ابراهيم اينال من كرمان إلى همذان للسيطرة على هذه الناحية فملك ابراهيم اينال همذان ثم سار إلى قرميسين ، فتراجع أبو الشوك إلى حلوان معقله القديم ، واستولى اينال على قرمسين ، فقدم ابو الشوك أهله وذخيرته إلى قلعة سيروان وأقام بها([176]).

تراسل أبو الشوك وأخوه مهلهل وكانا على خصام ، وكان ابو الفتح ابن ابي الشوك اسيرا عند عمه مهلهل فمات في سجنه فأرسل مهلهل جثته إلى ابي الشوك وحلف له أنه لم يقتله وقال إن ثبت قتلي له فأقتل ابني أبا الغنائم بثأره ، فقبل أبو الشوك ورضي ، واصطلحا على دفاع اينال عن أنفسهما([177]).

توفي ابو الشوك بقلعة سيروان سنة 437 هج فقام مقامه أخوه مهلهل واجتمع اليه الأكراد ، وفي سنة 438 هج سار مهلهل بجيشه إلى قرميسين فاستعادها من السلاجقة ، وبعث مهلهل ابنه محمدا إلى الدينور وكان بها عساكر اينال فهزمهم وملك الدينور . وفي سنة 439 تمكن ابراهيم اينال من الكرّ على هذه المنطقة فسيطر على حلوان والبندنيجين وحاصر قلعة قلعة السيروان وضربت سراياه في البلاد وانتهت إلى قرب تكريت ، واستأمن أهل قلعة سيروان إلى اينال فملكها . لكن مهلهل سار إلى طغرلبيك سنة 443 هج ، فأحسن اليه طغرل وأقرّه على اقطاعه السيروان وداقوقا وشهرزور والصامغان([178]).

وهكذا اندرجت هذه الحكومة تحت سلطان السلاجقة بعد أن تمكنت من القضاء على الوجود البويهي في كل مكان ومن إحكام سيطرتها على بغداد من كل ناحية .

 

3 ـ حكومة الأتابكية أو اللر الصغير أو لرستان الفيلي :

حكمت هذه الطائفة خلال السنوات 570 ـ 1006 هج ، في عهد الملوك القاجارية وردحاً من الحكم الصفوي ، في منطقتي بشتكوه وبيشكوه ولرستان وايلام ، وفيما يلي خلاصة عن أدوار حكومتهم انتقيناها من كتاب ايلام لمؤلفه ايرج أفشار([179]) أول من استلم زمام الأمور منهم هو اتابك شجاع الدين خورشيد ابن ابي بكر محمد ، ثم ابن اخيه سيف الدين رستم ومن بعده شرف الدين بن ابي بكر بن محمد ثم عز الدين كرشاسف وهو اخ شرف الدين ثم حسام الدين خليل ثم بدر الدين مسعود ثم تاج الدين شاه ثم حكم الأخوان فلك الدين حسن وعز الدين حسين وهما ولدا بدر الدين مسعود ومن بعدهما جاء جمال الدين خضر فقتل وجاء بعده حسام الدين عمر بيك الذي تنازل عن الحكم سنة 693 هج إلى صمصام الدين محمود اول الأمر ثم قام ضده فقتله ثم قتل به بأمر من غازان خان. ومن بعد صمصام عيّن عز الدين محمد حاكما على اللر اتلصغير وتوفي سنة 706 هج فتولت زوجته دولت خاتون الحكم بعده ، وعزلها السلطان ابو سعيد آخر سلاطين المغول سنة 719 هج وعين مكانها عز الدين حسين ولم تدم حكومته فتوفي سنة720 هج ، وخلفه في الحكم ابنه شجاع الدين محمود ومن بعده ابنه ملك عز الدين بن شجاع الدين محمود ، وفي أيامه هجم تيمور لنك سنة 785 على لرستان فألقى القبض على ملك عز الدين وابنه سيدي احمد إلا انه اطلق سراحهما لحراجة الأوضاع في لرستان ، إلا ان اتباع تيمور قتلوا ملك عز الدين وفرّ ابنه سيدي احمد إلى الجبال وبدأ بمقاومة جيش تيمور في جبال المنطقة ، لم يعين تيمور أحدا من هذه الأسرة لحكم اللر مدة معارضة سيدي أحمد ، لكنه وبعد وفاته عيّن أخاه شاه حسين حاكماً على اللر الصغير . إلا انهم قتلوه بعد ذلك . وعينو مكانه ابنه شاه رستم ، وعاصر حكم شاه رستم الحكومة الصفوية الا انه لم يظهر موالاته لهم إلى زمن طهماسب الأول وكان يدفع خراجه قبل ذلك إلى والي بغداد المنصوب من قبل الحكومة العثمانية ، إلا ان طهماسب هجم على لرستان واسره وأودعه السجن فالتمس العفو فعفى عنه وأعاده إلى الحكم فتغير ولاؤه اليه .