كتاب / الكورد الشيعة في العراق .. سيد حسين الحسيني الزرباطي

 

ارسل الى الارشيف العراقي من قبل موقع كلكامش للدراسات والبحوث الكوردية

 

 

 

الطبعة الثانية

ربيع 2007

 

 

 

 

 

 

هوية الكتاب

 

اسم الكتاب .....................................................  الكورد الشيعة في العراق

المؤلف ..........................................................  السيد حسين الحسيني الزرباطي

الناشر ...........................................................  المؤلف

الطبعة ..........................................................  الثانية / ربيع 2007

المطبعة .........................................................  العصرية

تاريخ الطبع ....................................................  2007

العدد المطبوع ..................................................  3000 نسخة

القطع ...........................................................  وزيري

عدد الصفحات.................................................. 134 صفحة

 


 

 

 

 

 

 

 

                                                   الإهداء ؛

 

                                                                                     إلى :

 

                                  @              كل مظلوم من الشعب الكوردي عانى من لمز العنصريين .

 

                                                                    @              وكل شيعي منهم جرح بسهمي المذهبية والقومية .

 

                                                                                                      @              وكل منصف يبحث عن حقائق التأريخ .

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                      أقدّم مجهودي هذا ...

 

 

 

 

 

 

 

%%%


 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ([1])

 

 

1. In the name of Allah, Most Gracious, Most Merciful.

 

13. O Mankind! we created you from a single (pair) of a male and a female, and made you into nations and Tribes, that ye may know Each other (Not that ye may despise (each other). Verily the Most honoured of you In the sight of Allah is (He who is) the Most righteous of you. and Allah has full knowledge and is well acquainted (With all things).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .

وبعد :

امتحنت شعوب الأرض بما قدّر لها من المعاناة حسب اختيارها نمط الحياة بكل أبعادها ، على تفاوت بين شعب وشعب وزمن وآخر ، فمن أمة أبطرها الخيرحتى فقدت الصواب إلى أمة أشقتها الشرور فاقتحمت المهالك ، والكل في ركب القانون سائرون ، ولو شاؤوا لاستقاموا على الطريقة ولأسقاهم ربهم ماء غدقا . ولكن تعاسة الحظ أبت إلاّ الشقاء .

إن أفراد البشر جميعاً أخوة من أب واحد هو آدم وأم واحدة هي حواء ، ولا نكير من أحدهم لهذا النسب العريق ، كما أن المشرّع سنّ لهم قانون الحياة على أفضل وجه ، فبيّن لهم طريق الخير والكمال وحذّرهم طريق الشر والضلال ، وأفهمهم أن لا فضل لأحد على أحد إلا فضل الإلتزام بالقانون ، كما أوصى الشعوب والقبائل بالمحبة والتعارف والتعاون على البر والتقوى لا على الشر والعدوان ، وأعلمهم أيضاً بأن العواقب مرهونة بحسن الاختيار ، فمن اختار الخير فقد فاز ومن اختار السوء فقد ظلم نفسه ، ودخلت البشرية على هذا الأساس قاعة الامتحان الإلهي لتتحمل مسؤولية النتائج ، إلاّ أنّ الأكثرية أخطأت الطريق بعد أن اعتمدت الهوى بدل العقل في الجواب ، لتكون النتيجة الأولية هي ما نراه ونسمعه من مشاهد الظلم وأنين المظلومين !!!

وامتنا الاسلامية غير خارجة عن هذا القانون العام البتة ، فهي الأخرى دخلت امتحانها كغيرها من الأمم وانطلقت في بدايتها بعقلانية واضحة لمن تمعّن في تاريخ صدر الاسلام ، وبقيت آثارها مفخرة بين أجيال الأحفاد إلى زماننا هذا ، لكن هذه الانطلاقة لم يكتب لها النجاح كما كان ينبغي ، حيث توقفت عند الاختيار الصعب ونقطة التحيّر المتمثلة في انتخاب الأصلح من اثنين ، القليل العاجل أو الكثير الآجل ، إذ لم توفق الأكثرية عندها في الانتخاب ، بعد ان اختارت قليلها العاجل ، وبسوء الاختيار هذا نالت الأمة نصيبها من تبعات هذا الخطأ الفادح في الدنيا ، ولا شك أن نصيب الآخرة في الانتظار .

اعقب هذا الفشل في الامتحان ، اختلافَ الأهواء وتشرذم القوى وتحكّم الانانية وطغيان النفس البهيمية ، وبسببها بات الهدف الأسمى للأفراد والجماعات في مجتمعنا الاسلامي هو تأمين المصالح الشخصية أو الطائفية بدل المصلحة العامة ، ولم يبق من الدين الجميل إلاّ الشعار ، يتجمّل به البعض ويستخدمه الأغلب وسيلة لتحقيق أهداف دنيوية مثل السلطة والمال والجاه ، يقتتل باسمه أبناء القبيلة الواحدة أحيانا فضلا عن الطوائف والملل .

لقد بدأ الصراع باسم الدين بعد ظهورالاسلام للاستحواذ على مقام خلافة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ ودام هذا الصراع لعقود قليلة كسب فيها من كسب وخسر من خسر ، ثم تبدلت خلافة الرسول بعد ذلك إلى ملك عضوض وسلطة وراثية أسرية مقيتة مغلّفة بالاسلام ، قتلوا عليها الناس أيضاً باسم الدين، بعد أن تلقفها القوي الملي ، اللابس لقميص النسك والصلاح والمتظاهر بالحرص والكفاءة .

لم يدم هذا السطو طويلا ، فسرعان ما انكشف الزيف وبانت الحقيقة ، وتسابقت فئات متعددة متربصة لسدّ الخلل وتصحيح المسار حسب زعمها ، وكان الفوز في السباق نصيب فريق واحد ، فاز بفضل سلاحه القوي وشعاره المقبول في الوسط الجماهيري ، فتمسك بعراها بالظفر والأنياب ، وهكذا تغير العنوان من الخلافة والسلطة الفردية الأسرية إلى احتكار قبلي قومي طائفي ، بعد عرض شعار افضلية العرب في سيادة الأمة على غيرها من ملل الإسلام وتحت مظلّة قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: " الخلافة في قريش "([2]) وهم يتزاورون جهلا أم بقصد عن حقيقة مراد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من هذا الحديث ... إن صحّ ، حتى استحكم الخلاف في الأمة وبان العداء وظهرت الأحزاب والفئات بعد انكشاف حقيقة المتاجرة بالدين للقاصي والداني .

ثم جاءت المدنية الحديثة بما حملت من أوزار وفي صدر قائمتها العنوان الرسمي البديل لمزاولة هذا الفن ـ وأعني فن الوصول إلى السلطة والمال ـ والمتمثل في السياسة بمعناها الاصطلاحي ، والتي لا تتعدّى الفكرة السوفسطائية القديمة في إغواء العقول فطرحت شعارات السيادة والاستقلال والحرية وما أشبه من اطروحات مشوقة لعشاق السلطة والمال لدخول ملعبها . وتسابقت الفرق في رفع راياتها بتشويق ودعم خالص من جهات معيّنة وهكذا تزاحم سوق الأحزاب بين من يدعو إلى التحرير ومن يغني بالاستقلال ومن يدق طبول القومية ومسميات لا تحصى ، ولم يخل سوقها حتى من المتاجرين بالدين .

ونحن نعيش اليوم في ذروة زحام سوق التجارة السياسية بعد اقحام عوام الناس في هذا الوباء بإغلاق أبواب الحياة إلا باب السياسة التي حكم دينها بالبقاء للأقوى فمن دخل مسالكها عاش بقوة الفئة ومن تخلف مات في عزلته لهذا نرى تزاحم مكاتب الأصناف في كل شارع وزقاق ولم تسلم المساجد ودورالعبادة هي الأخرى من مكاتب دلالي السياسة والهدف واحد هو الوصول إلى غاية في نفس يعقوب لا يجدوها بعد ضلالهم عن طريق الحق إلا في أبواب الساسة وسوق السياسيين لاحتكارها مواد الحياة .

لقد حكمت هذه الأوضاع المستجدة على كل ذي نحلة بالتفكير الجاد في حصر آلية العمل في التكتل والتحزب ، لئلا يتخلف عن الركب بعد أن صار ذلك واقعاً لا مفرّ منه ، وعذرا إلى الساسة الذين أخلصوا النية في أدوارهم ، وما أقلّهم وظني أنهم يعذِّرون ، فمنهم من استغل القومية وسيلة لجمع الشمل واصطناع القوة اللازمة للدخول في المساومة ، وتنازع على هذا الميراث عصابات متعددة تشكلت منها عدداً كبيرا من الأحزاب القومية يجتمعون في الشعار ويختلفون فيما وراءه ، كما تنازع آخرون على شعار الديموقراطية بعد أن انهكت الدكتاتورية الشعوب المضطهدة فتطوعت فئات تحت رايتها كل يدعو إلى نوع منها لتتولد أحزاب ديموقراطية تتقاتل فيما بينها عند اجتماعها على الفريسة ، وأستغل آخرون شعار التقدمية بعد كساد سوق الرجعية وآخرون شعار الاشتراكية لإنقاذ المحرومين من براثن الرأسمالية والإقطاع وتمسك بعضهم بشعار الاستقلال بعد انكشاف تفشي الاستغلال ، ومن فاته قطارها تمسك بعروة القبيلة والعشيرة .

لم تسلم الإنسانية والدين من الاستغلال في هذا السباق ، ففي العقود الأخيرة التحق بالركب فئة جديدة لا نشك في سلامة نوايا بعض رموزها قد اتخذت الدين شعارا بهدف انقاذ الدين من تخريب السياسة وصون المجتمع المسلم من تضليل الشيطان .

ونظرا لكون الدين بضاعة جديدة في هذا السوق ، وقد احسن عامة المتدينين الظن بكل ما يمت اليه بصلة ، فقد لاقى الترحيب من الوسط المتدين والتفّ حول مروجي هذه الفكرة الجموع الغفيرة من الناس فبات للأحزاب الدينية هي الأخرى شأن بين المتنافسين .

وسرعان ما تنبّه سماسرة سوق السياسة العالمية لهذه البضاعة واسرعت في تقليدها وتمويهها بشكل لا يمكن لعامة الناس التمييز بسهولة بين الحقيقي منها والمزيف ، بل ونجح المزيِّفون في كثير من الأحيان من اخراج الدعاة الحقيقيين من الساحة وهكذا اختلطت الأوراق على المتدينين بعد أن كثرت الحوانيت والباعة.

والعلامة الفارقة بين الحقيقة والزيف لمن أراد التمييز كامنة في الثوابت حيث يتمسك بها صاحب الحقيقة ويبيعها المتلبس بالثمن البخس ، والسوق شاهد على ما نقول فكم من حزب ديني ينادي أصحابه باسم الاسلام حتى إذا حان القطاف فإن أعطوا نصيبهم من المناصب رضوا بالمقسوم وأودعوا ثوابتهم في أرشيف خاص لحين الحاجة وسخّروا شعاراتهم لحفظ المنافع المكتسبة وإن تمّ ذلك على حساب الدين ، وإن لم يعطوا ما نصبوا اليه ازداد عويلهم وصراخهم بشعار " وا إسلاماه " لتحريك الشارع المتدين الغافل ، وكلٌ يجسّد الاسلام في خطه دون غيره ويكفِّر من شذّ عنه .

والغريب أن الكثير من مكاتب هؤلاء الساسة المتدينين الجدد تديرها وتمولها عقول وأيادي من خارج حدود دولة الاسلام بل ومن عواصم الدول التي لا تتواني في تضعيف الاسلام ، مما يوحي باصطناعها لتمرير مخططات سياسية خاصة باسم الدين ، وما دام باب هذا السوق مفتوحا لولوج من هب ودب وما دامت الدنيا ألجمت ألسن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فقد يدوم بعض الوقت ارتزاق المرتزقة من هذا السماط ببركة حسن نوايا المؤمنين ، ولكن الكأس الذهبي سيكون آخر المطاف لصالح أعداء الاسلام الذين تمكنوا من تفريق المسلمين ببركة هذه الأحزاب التي جعلت من اتباعها قبل عامة المسلمين خصوما يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا .

إن الناظر ليرى في هذه الساحة آثار النقع ويسمع جعجعة الخيول ، ويتصفح مشاهد الزحام والسباق والكر والفر فيخال أن القيامة قد قامت ، انه يرى قوما في نعيم الكسب يمرحون وقوما من خسارة الصفقة يبكون وثلة تعيش الأمل تراوغ مراوغة الثعلب ساعية بين قصعة أهل النعيم ومكامن أهل الجحيم قد تحصل على لقمة من فضول أو تقتنع بشم ما حملته الريح من قدور الفحول ، أذلة على المتخمين أعزة على الجوعى والمضطهدين لا يكلّون في عملهم ولا يملون .

وأشواط اللعبة السياسية التي بدأت لم تحدد بعدد خاص من الأشواط أو زمن محدود أو بلد مخصوص بل هي عالمية دائمية ما دامت الدنيا ، واللاعبون غالبا هم العارفون بفنونها وأسرارها وهم قلّة إلا أنهم قادرون على استقطاب المشاهدين حسب مهاراتهم وحيلهم ، فمنهم من بلغ المرتبة الأعلى في الفوز وكسب الانصار ومنهم من هو دون ذلك ومنهم هواة لم يصلوا بعد مرحلة التأهيل للمشاركة في المسابقات الرسمية لكنهم يكسبون بتمارينهم الموسمية الخبرة لجولات قادمة فحسب .

ونحن اذ نعيش أجواء هذه اللعبة في العراق نرى بوضوح الخطوط واللاعبين والمستقطبين ، ولا حاجة لبيان التفاصيل بعد أن اطّلع عليها الصغير والكبير ونكتفي بالإشارة إلى مجمل النتائج التي ترتبت على اللعبة لنحدد بذلك موقع موضوع البحث الذي خصصنا له مباحث هذا الكتاب .

المعلوم ان العراق بلد احتضن الطوائف والقوميات والملل المختلفة([3])، فيها اكثرية عربية منقسمة إلى شيعة وسنة ، وأقليات أخرى أكبرها الأقلية الكوردية وهي الأخرى منقسمة إلى شيعة وسنة([4]) اضافة إلى باقي الطوائف الأقل عدداً ، كانت وما زالت مهمشة في تاريخ العراق .

وقع هذا الشعب بعربه وكورده وأقلياته في أواخر عهده فريسة بين مخالب "حزب البعث العربي الاشتراكي" ، ذلك الحزب القومي الذي اختُزل أخيراً في حكم عائلي مقيت ، وقد عامل العراق والعراقيين معاملة فرعون لبني إسرائيل ، يذبّح أبنائهم ويستحيي نساءهم ولو قدّر له البقاء لأتمم نظرية فرعون بقوله للناس أنا ربكم الأعلى ولكن الأيام دول فسلط الله تعإلى عليه قوماً جعلوه جذاذا .

وتأمّل الجميع الخير في التغيير الذي حصل تحت شعار " تحرير العراق " لِما بلغهم عن حسنات الديموقراطية الغربية العادلة جداً والقادمة حسب الزعم لوضع الأمور في نصابها فضحكت الأكثرية مستبشرة وتنفست الأقليات الصعداء ، وبدأت العملية الديموقراطية نشاطها بتشكيل عشرات الأحزاب من مختلف مكونات الشعب العراقي بأمل الوصول إلى الحقوق والاستحقاقات.

لقد غاب عن عامة الناس ان قانون السياسة الحديثة لم ولن يسمح بأي شكل من الأشكال اعتماد المنطق السليم في اختيار الشعب لقانونه أو لحكامه لاختصاص هذا الصيد في عرف السياسة بالقوي ممن سبق والأكثر اعتمادا لدى اللجنة الدولية لنقابة الحكومات ، فإذا تمكن الشعب في ظرف خاص من قول كلمته بمسمع من العالم ، تعاملت النقابة مع هذا التصرف بنفاق مكشوف فتتظاهر باحترام رأي الشعب اعلاميا وتسعى من وراء الكواليس بكل جد في استئصال هذا المزاحم وإعادة مسير سفينة السياسة إلى وجهتها المرسومة من قبل .

وشعار الأكثرية والأقلية في عرف الغرب ليس على الاطلاق كما يتصوره البعض بل انما يحدده الولاء للأسياد ، فالأولوية لمضمون الولاء السامع المطيع أكثرية كان الموالي أم أقليّة ، فلا يغرّن الشعب العراقي والشيعة منهم بالخصوص الذين يشكلون الأكثرية ، آيات الساسة فالعاقبة للعملاء ، نعم هم يتعاملون الآن حسب الظروف باستخدام المهدئات لدرء الأخطار والغد الفيصل لناظره قريب .

وتخبط الناس في أجواء هذه اللعبة ، فالاكثرية التي طبختها جولة قدامى الساسة وأدركت ضرورة الاستقطاب لم تتوان في التقرب إلى الأنفع فالأنفع من الأحزاب المدعومة ، وبقيت الأقليات كما كانت لا حول لها ولا قوة إلاّ من انضوى منها تحت لواء الأقوياء .

ومن الأقليات التي شملها نظام الاستقصاء لضعفها واستقلالها الكورد الشيعة ، التي لم تنل على اهمية عددها معشارما نالته شرائح لا تضاهيها في العدد من نصيب بسبب قوتها التي أرغمت عمالقة الساحة على التذلل والخضوع والتوسل لتقديم المزيد اليها وهذا هو عيب الأكثرية في مجتمعنا ، وهو الذي يثير حفيظة الأقليات ويقضّ من مضاجعها ويدعوها إلى التساؤل عن العدالة والشعارات التي صكّت آذان العالمين .

لقد أدرك مثقفو الكورد الشيعة هذا الغبن فسارعوا في تدارك الوضع وتشكيل الفرق الرسمية لخوض السباق ، إذ أن قانون السياسة لا يسمح بطلب الحقوق إلاّ من خلال الأحزاب والتكتلات ، لكنهم أخطأوا التقدير مع علمي بحسن نوايا الجميع ، فقد بادروا افرادا وجماعات إلى تشكيل أحزاب متعددة وأكثرها تحمل عنوان الفيلية وتناسوا أن المسؤلية وخطورة الوضع هي أكبر بكثير من هذه الخطوات المتواضعة ، وأن المضطهد في هذه الطائفة هم الجميع دون استثناء ، والفيلية فرع من هذه الشجرة المتشابكة وكان الأجدر أن يبذلوا الجهد في توحيد الصفوف ، وجمع كامل القوى .

إن الطريق السليم للنجاح في العملية السياسية لأقلية انهكها الضعف المادي وخوّر قواها صولة الذئاب عبر التأريخ وآيسها من الاعتماد على النفس وسوسة الطالحين من الاصدقاء والأعداء ، هو في الرجوع إلى الذات ونبذ الخلافات والتجرد للمصلحة العامة وتقبّل الآخر ، وبإمكان الجيل المثقف فعل ذلك إن أراد ، ولا يكلفهم الكثير لو شاؤوا .

لا شك أن مشكلة هذه الشريحة كامنة في نسيانها لقضيتها الأساسية وهي كونها فرعا أساسيا من المجتمع له حقوقه كسائر الفروع ، وأن الحقوق لا توَّزع في منطق السياسة توزيع المواد التموينية بل تنتزع بالحضور والمطالبة ، ولا يمكنها الحصول على حقوقها كاملة بانتظارتقديمها من قبل القوى الحاكمة أو القيادة الدينية العليا أو الأحزاب الاسلامية العاملة في الساحة .

والأهم أن الاستضعاف قتل في عامتهم روح الشجاعة وتحمل المسؤولية بل وساقهم إلى اليأس والشك حتى بأبناء مجتمعهم ، لهذا طغت اللاابالية في صفوف الكثير منهم حدّاً لا يريدون معه سماع أي حديث يلقى بشأن مستقبل قومهم أو السعي في جمع شملهم في صوت واحد مدوي يطالب به حقوقهم في ساحة لا يسمع فيها إلاّ صوت الأقوياء .

ولا لوم على عوام الناس فيما اتخذوه من موقف وإنما اللوم على العارفين والمثقفين الذين صيقلتهم الأحداث وعلّمتهم التجارب وبصّرتهم مشاهد سباق الحضارات بالصالح والطالح ، فالعجب منهم كيف حيدتهم الحزازات التي لا مبررلها وكيف ارتضوا أن يلقوا حبل عامتها على غاربها ؟

ان من مستلزمات ضمان نجاح هذه القضية هو السعي الدؤوب من أجل إعادة الثقة المفقودة في عامة المجتمع باجتناب سلوك الطرق الانفرادية أو القبلية الضيقة وشن حملة توعية في صفوف المجتمع الكوردي الشيعي لايقاظه من سباته واقناعه بضرورة العمل من أجل اثبات الوجود وأخذ الحقوق وأهمية وحدة الكلمة والسعي الجاد في كسب ثقة الجمهور بالساعين في هذا الطريق من القياديين ، وذلك ما يتطلب الإيثار من القيادات المتفرقة الفعلية بانفتاح العلماني منهم على المتدين وتحمل المتدين تبعات الواقع ومسؤولية الموقف وقبول الآخر والالتقاء في نقطة مشتركة تلبي مطالب كل شرائحهم وتكوين ما يمكن تسميته بتحالف يسنده الجميع للمصلحة العامة .فبذلك يمكن خلق الصوت المسموع والمطلوب في مثل هذه المواقف .

 أما إذا أصرّ الجميع على ما هم عليه من انفراد بعضهم بأحزاب خاصة وبعضهم الآخر بالانتماء إلى أحزاب خارج محيطهم وتقاعس الجمهور الأعظم عن أداء الدور بحجة تبعيتهم للمرجعية الدينية ، فمن المستحيل أن تصل هذه الشريحة إلى أبسط حقوقها علما أن المرجعية لا حول لها في استنقاذ حقوق الفئات من السياسيين ، كما أنها لا تمانع من سعي طبقات الشعب في ايجاد تكتلات سياسية للدخول في الساحة والدفاع عن حقوق كتلها وقد سمع الجميع مباركة المرجعية لبعض التكتلات وتأييدها لبعض الأحزاب إلاّ أن ذلك لا يعني أن المرجعية ضمنت حقوق الفئات في ظل تلك التكتلات المعروفة أو يعني أن المرجعية حللت على بعض الأفكار ايجاد تكتلات وحرّمت على البعض الآخر ذلك ، فهذا أمر لا صلة له بالمرجعية الدينية فلا يجوز التمسك بهذه الأعذار ـ التي يروجها غالباً بعض أتباع الأحزاب خدمة لمصالحهم ـ نظرا لأهمية الموقف . وقد لمس الجميع فئوية الخطوط العاملة في الساحة بعد أن أغوت الجماهير بشعارها (خدمة الجميع) ، وأثبتت بحق أن عبارة "خدمة الشعب" ليس إلاّ نغمة من نغمات المزمار السحري الذي به يعبئون الناس متى دعت الحاجة اليهم .

ان المصلحة العامة تقتضي توحيد الكلمة وجمع الشمل وقيادة مدافعة عن الحقوق بعد ان ثبت عدم عدالة القانون السياسي الحاكم في المجتمعات . وهذه نصيحة لا يخسر من نظر فيها وناقشها .

أما فيما يخص موضوع الكتاب ، وبعيدا عن السياسة ، فهو محاولة متواضعة أردت بها دفع مظلمة لازمت الشيعة عامة والكورد منهم في العراق خاصة عبر الحكومات العراقية السابقة ، بل وروج لها الكثيرون من قوميي العرب خارج العراق أيضاً ألا وهي تهمة تبعية الكورد الشيعة في العراق لإيران ، تلك التهمة التي شكلّت عبئاً أثقل كاهل كل أفراد هذه الشريحة المضطهدة وأذاقت الكثير منهم الويلات . فبها سلبت حقوقهم وأبيحت حرماتهم وقتلت رجالهم ومزقوا شرّ ممزّق .

أكتب عن الكورد الشيعة وأنا ترعرعت في وسطهم منذ نعومة الأظفارلأقول للمزايدين على المواطنة والقوميين من غير مجاملة ، أن هذه الشريحة التي أنكروا مواطنتها هم الأعرق في العراقية من عرب العراق ، وإن أبوا إلاّ الدليل من التأريخ العربي فقد قبلت المبارزة لإثبات ذلك من تصريح مؤرخي العرب دون غيرهم .

فالفرع المقصود بالبحث إذن هو " الكورد الشيعة في العراق " وهم شريحة مهمة من الشعب الكوردي الكبير المنتشر في العالم([5])، آثرت الخوض فيه قدر الميسور بعد طلب ممن لا يرد لهم طلب من بعض الكورد الشيعة الكرام الذين احتضنوني صغيرا ورافقوني كبيرا وغمروني ما دمت فيهم بلطفهم وحبهم وحنانهم ، فما كان بوسعي بعد الطلب إلا الاستجابة لسؤلهم عرفانا مني لجميلهم ، وشكرا لما لهم علي من فضل ، وقد لمست منهم معاناتهم ومعاناة شيعة الكورد عموما من غمز العنصريين ولمز الطائفيين في خصوص مواطنتهم ، ومن السياسيين في تهميشهم ، ومن الحكومات في ظلمهم واستبعادهم ، وهم أوسع الناس صدرا وأقلهم حيلة واكثرهم تواجدا في ساحة الواجبات الوطنية والاجتماعية وأشدهم تحملا للضيم وأفضلهم صبرا على البلاء ، لا تخشى خيانتهم لأصالتهم ولا بطشهم لنبلهم ، وهم على ذلك في ظلامة مع الايام تزداد كلما طفرت اجيال الناس الذين يعاصرونهم من نمط ثقافي إلى نمط أعلى وهو ما يثير العجب ، فكيف ترتضي العقول المثقفة هذا التضييق في أفقها وهي تعلم أن الأجداد الذين وصموهم بالرجعية كانوا أكثر انسانية وأبعد نظرا وألين عودا في تعاملهم مع شرائح مجتمعاتهم ؟

ويزول العجب لو علمنا أن الاسلام الذي تلبس به الأجداد قد ارتحل من نادي المتعصرنين ليحل محله العنصرية القومية والطائفية ، ليكونا هما الملاك في قبول الآخر ورفضه وان كان قريبه أو ابن وطنه ، والشعار معروف " من لا يدخل تحت خيمة القوم أو المذهب ليس له حق الحياة " فبئس الديار في ظل هذا الشعار .

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                  سيدحسين الحسيني الزرباطي([6])

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   في 17/6/2005

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

الفصل الاول

 

الكــورد

ومعايير الهوية والمواطنة

 

اختلفت معايير تشخيص الهويات في العالم باختلاف قيم الانتماء الحاكمة في المجتمعات عبرالتأريخ ، فمن الجذم والشعب والقبيلة والجد والحاكم والأرض واللغة والحضارة إلى الدين والقومية ، كلها موازين نجد لها أمثالا في التاريخ البشري اكتسبت بها مجاميع من البشر هوياتهم ، ولا يجد المتتبع معيارا ثابتا تقاس به الهوية لعامة البشرية سوى (الآدمية) وهو الآخر قد نسخته العزة بالإثم .

لكن المعلوم في الحقبة التي وثّقها لنا التأريخ أن اللغة باتت المعيار والمقوّمة الأكثرفاعلية في تحديد ودوام الهوية الملّية لمجاميع البشر ، وبها جرت السيرة إلى زماننا هذا ، وبتفاوت هذه المقوّمة في القوة والضعف تفاوتت الأمم في التعريف ، فمن أمة باتت تطاول الأمم بما امتازت بها لغتها من قوة وتأثير إلى أمم معزولة منسية لضعف لغتها بقلة مقوماتها ، إلى أمم ذابت واستحالت بسبب موت لغتها ، ولهذا تنافس المتنافسون على البقاء من أهل كل لغة بالحفاظ على هذا السلاح الدفاعي الهجومي والحيلولة دون تأثرها باللغات المنافسة والمجاورة منها بالذات.

ولتقريب هذا المعنى نذكر مثالا واحدا في متناول اليد يتحسسها من شاء بأدنى تأمل يكشف سرّ صمود الثقافة الفارسية امام المد العربي وفشل قوميات أخرى في هذا المجال لنبين من خلاله أهمية اللغة ودورها في الحفاظ على الثقافة والهوية .

الكل يعلم أن العرب والفرس والكورد والترك والديلم والانباط والروم والأحباش أمم تجاورت في بقعة جغرافية متصلة ، وكان لكل منها كيانه الوجودي الندّي للآخرين ميزتهم وميّزت أوطانهم لغتهم التي بها ينطقون ، وقد كانت علاقاتها بسبب التجاور والاحتكاك بين المد والجزر وقد حاولت فيما بينها التأثير بالقوة المادية وحدثت بينها صراعات وغزوات كثيرة ربما انتصر فيها بعضهم على بعض أو هُزم بعضهم من بعض ، لكن هذه الصراعات لم تتسبب في موت ملة منها بل العكس فقد أحيتها جميعا بفعل التنافس والأمل بعد احساسها ضرورة التكاتف القومي والعمل من أجل البقاء والحياة .

وبدخول عامل آخر وهو الدين نجد الموازين قد اختلفت ، فانه لما جاء الاسلام ، ونزل القرآن بلغة العرب ، كان لهذا الأمر الأثر الكبيرفي هذه الأمم المتجاورة ، فبعد اعتناق أكثرها الاسلام واضطرارها بفعل ايمانها الجديد إلى التعامل مع لغة غير لغتها ، ابتعدت شيئاً فشيئا عن لغاتها الأم وعن التعصبات القومية بعد أن أدانها الإسلام ، وبما أن الاعتزاز بالاسلام بات الأرغب من الانتماء إلى القبيلة واللغة تحول سلمان الفارسي إلى سلمان المحمدي ، ودخلت اللغة العربية كل بيت من بيوت المسلمين فهم يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار ، ويستمعون في مجالسهم ومحافلهم إلى الحديث النبوي .

ودفع فضول العلم واستباق الخيرات الطبقة المثقة من هذه الأمم لتكريس حياتها لدراسة الدين الجديد وفهم آيات كتابه ولما كان هذا الأمر لا يتأتى إلاّ بإحاطة كاملة باللغة العربية وآدابها ، فقد بذلت الجهد في تعلمها وسبقت العرب في هذا المضمار فتحول سيبويه الفارسي إلى إمام في النحو العربي والبخاري ومسلم أئمة في الحديث وابي حنيفة إماما في الفقه والبيضاوي إماما في التفسيروغيرهم كثير وكلهم اعاجم.

وانقلب من أسلم منهم على قومه وملته ممن لم يدخل الاسلام بعد أن أزاح الدين هوى التعنصر من قلوبهم ، ففي رواية لابن كثير : ان عدداً من اتباع الملك الفارسي يزدجرد قد استسلموا بعد اطمئنانهم بأحقية الاسلام : " وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم ، حتى بلغ من أمرهم انهم حاصروا حصنا ، فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن وضمّخ ثيابه بدم ، فلما نظروا اليه حسبوا انه منهم ففتحوا اليه باب الحصن ليأووه فثار إلى البواب فقتله ، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن وقتلوا من فيه من المجوس "([7]).

هكذا غير الإسلام موازين الأمور ، وهذّب العقول وأقلم النفوس ، وتهاوت امامه كل المعايير وكاد الناس من الملل المختلفة أن يكونوا ملّة واحدة بعد اتخاذهم الدين الجديد قانوناً لحياتهم وتعاملهم .

وببركة هذا الدين استولت اللغة العربية على ساحات اللغات وبالتالي ساحات الأمم ، فقضت على الكثير منها وأحجمت الكثير.

تنبه مثقفو الفرس لهذا الخطر المحدق بتراث الأجداد ، وانبروا بعد قرون من تأثير الاسلام الفعال في معايير الأمم لإيجاد البديل الواقي فعمدوا إلى أرفع مؤلفات شعرائهم في الأدب الفارسي فروجوها بين ملتهم واضفوا عليها طابع القدسية بالتأويل والتهويل ، كمؤلفات عمر الخيام ومولوي وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي حيث عدّوا ديوانه معبرا عن لسان الغيب وحكموا بضرورة حفظ اشعاره والتدبر في معانيها وأوحوا إلى عوامهم أنه من الكتب المقدسة بما تحويه أشعاره من معاني دقيقة للقرآن والحديث .

وهكذا بات "ديوان خواجه" من القداسة حداً أصبح به الكتاب الثاني بعد القرآن فتراهم يتفألون به عند الاستخارة ويحتفظون به في بيوتهم وسياراتهم للحفظ ودفع البلاء والتبرك كما يتعامل المسلمون مع القرآن ، وقلما تجد ايرانياً لم يحفظ ابياتاً من أشعار حافظ الشيرازي .

كما حرصوا على الاحتفاظ بموروثهم القومي كاعتماد التقويم الشمسي واحياء يوم نوروز وغيرها من الموروثات ، وقد ساعدتهم ظروف مملكتهم وقوّتها وامكاناتها وحكمة حكامها ، على خلق الجو الأدبي في الوسط الشعبي وتثقيف الأمة بما يساهم وبشكل جدي في الحفاظ على هذا الجو عبر الاجيال ، لذا ترى الفرد منهم ما زال محتفظا بروحه القومية مقدّسا لتراثه الفكري والأدبي حتى أن الكثير من شخصياتهم رغم إلمامهم بلغات أخرى لا يستعملون غير الفارسية في حلقات دروسهم أو خطاباتهم وإن كانوا في محيط غير محيطهم ، بل وبلغ بهم الأمر بقصد أو بغير قصد الجمود على أصوات حروفهم حتى في قراءتهم للقرأن أو الصلاة مع قدرتهم على أدائها من مخارجها وفق التهجية العربية .

كل ذلك من أجل صيانة لغتهم وآدابها المنوط بها وجودهم الملّي ، بينما غفلت أمم أخرى عن هذا الصراع فتأثرت لغاتها ووجودها تبعا لذلك فأحجمت بعضها واستحالت البعض الآخر حتى صارت نسيا منسيا ، كالانباط والديلم والاحباش . فاللغة إذن باتت هي المقوّم الوحيد للوجود التراثي للأمم بها تحيا وبها تموت .

لم يرتض الله سبحانه وتعإلى ما تعارفت عليه الأمم في اثبات هويتها من الفخر بتكاثر العشيرة وأمجاد الأجداد فقال تعإلى : [ ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر ]([8]) وكذا عبادة الأرض وتقديس اللغة والنحلة ، لعلمه تعإلى بما يستلزمه التعصب لهذه المعايير من تنافر وتنابذ وفرقة وسوء عاقبة للجميع ، فعرض عليها دين التوحيد بديلاً أعظم نفعا وأكثر أمناً يغيَّر به التفريق العنصري بوحدة الكلمة ، والفناء الوقتي ببقاء أبدي، وخيَّرها بعد أن بيّن لها مصالح الدين الموحِّد ومفاسد القومية والتعنصر [ وهديناه النجدين ]([9]) ولم يجبرهم على ذلك [لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ]([10]) [ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ]([11]) لكنه سبحانه وتعإلى نصحهم ورغبهم في انتخاب الأصلح والأسلم من الطريقين بعد أن بيّن لهم أن الدنيا دار امتحان وزوال وأن الآخرة هي دار البقاء ، والعاقبة للعمل الصالح والتقوى لا للمتعصب والأقوى .

لكن عامة الناس ما قدروا الله حق قدره ولم يستجيبوا لندائه ، مع رغبة مشهودة من أجيال منها في استبدال أمميتها المفرقة السابقة بالتوحيد الآدمي الديني لكي لا يبقى فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ، فكادوا كيدهم وفرقوا كلمته حتى عاد الدين غريبا كما بدأ ، ليحل محله من جديد الطائفة والقوم واللغة وما أشبهها . وما فرّق أهل الأديان إلاّ بقايا العنصرية والطائفية والعزة بالإثم التي ظلّت عالقة في قلوب بعضهم ، ففعلت فعلتها حتى في ظروف التقمص بالدين ليضاف إلى التمزق العنصري تمزق ديني مقيت ، كيف لا والوباء هو هو أينما وجهته لا يأتي بخير.

ان موضوع بحثنا لا يبتعد كثيرا عن هذا المسار بل هو في صلبه ، فبعد أن ترك الناس دين الله وراء ظهورهم عادت النعرات الطائفية والعنصرية لتكون هي الحاكمة بينهم ، وعلى أثرذلك اصطدمنا بواقع مرّ في محيطنا الاسلامي حيث بدت الأصوات مرتفعة تنادي بشعارات الجاهلية الأولى بين عربي قدّم العروبة على الإسلام يفاخر سائر الناس بعروبته وفارسي يتباهى بكورش والامبراطورية القديمة ، وتركي يتغنى بجولات تاريخه البعيد ، وعدوٍ بعيد يصب زيته على النار المؤججة متربصا الفرصة للانقضاض على الجميع ليكون الوريث بلا منازع لغنائم الأمة.

ونجد وسط هذا الزحام أمة الكورد شأن أخواتها من الأمم منقسمة على نفسها وقد ذاقت بجميع طوائفها ويلات منافسات الرقباء ، فآلمتني ظلامتها و تمنيت أن أوفق في تقديم شطر كلمة يدفع الظيم عن هذا الشعب المظلوم ككل ، لكن العين بصيرة واليد قصيرة ، ومن باب ما لا يدرك كله لا يترك كله عمدت بهذه المحاولة الحديث عن طائفة من هذا الشعب كان نصيبها الأهمال لا للغتها ولا لوطنها ولا لقوميتها بل لسبب آخر افرزه تراجع الإسلام بين المسلمين حيث انقسموا على اسلامهم كما ورد في الحديث إلى ثلاث وسبعين فرقة ليذيق بعضهم وبال بعض .

لا يخفى على أحد من المسلمين ، ان الاسلام في صدره الأول لم يكن ليميز بين المسلمين بأعراقهم أو ألوانهم أو لغاتهم ، فالكل سواسية لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى ، فبلال الحبشي الأسود يكون مؤذنا لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسلمان الفارسي يكون مستشاره بل يصبح من أهل بيته ـ "السلمان منا أهل البيت" ـ ([12]) ثم يكون واليا على المدائن في ظل الخلافة الاسلامية دون ان يخرج عنصري معارض يعترض على خلفاء الاسلام بعدم جواز تقلد الفارسي لمنصب في دولة العرب .

وحيث كان الولاء للاسلام كانت الأخوة بكل معنى الكلمة ، ولكن وبعد وفاة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نمت شيئاً فشيئاً بذرة العنصرية من جديد في نفوس مريضة لم تهدأ لها بال حتى أسرت الاسلام برمته لتلبسه ثوب العروبة وليصبح الولاء والمواطنة على ضوئها ، ومن يومها ضاعت القيم والموازين ، وقد اعترضت على هذا السطو والتبديل فئات من ذات المجتمع العربي ، فلم يكن نصيبها إلا الحكم عليها بالتهميش اولا ثم بالموت بل وسرى هذا القانون في حق من تبعها عبر العصور . ومن مصاديقها الكورد الشيعة في العراق .

ومما يحز في نفس كل عاقل على وجه البسيطة أن يرى تبدل المعاييرالانسانية المنطقية منها والدينية مع مرور الأيام وبشكل علني من غير نكير مسموع أو اعتراض ملموس ، بل الأمرّ أن يرى الجاهلية المقيتة تحيا وتطغى بحلّة السفسطة في زمن يوصم بالعلم والرقي في حين يقتل فيه المنطق السليم الذي أبدعته العقول وأقرته الشرائع ، وهذه ظاهرة تبنتها الثقافة العصرية ، ورفع رايتها المثقفون جداً ، وشاركهم في إثمها الساكتون عن الحق من طلاب دنيا المادة .

إنّ القاصي والداني يلعن الماضي بما احتواه من عناصر التخلف واللا انسانية والجهل والفقر والظلم وما إلى ذلك من نعوت ، والجميع يعيش احلام اليقضة آملين المستقبل السعيد عصارة التطور ومخاض التقدم العلمي ، وقد بات الحديث عن الماضي في عرف العصر ضرباً من التجني على الانسانية ، والمثقف في عرفهم هو من تكيَّف مع منطق العصر وأجاد لغته بما هي ، ومن آمن بخلافه فهو رجعي جاهل ليس له محل في الوسط الانساني ، ولو راجعنا العقل المجرد في هذا الأمر لسخر من هذا الاعتقاد الواهي ولأمر بالمقارنة بين الماضي والحاضر في مصداقية المعايير لينكشف بها الزيف .

والانقلاب الذي حصل بفضل العصرنة لم يقتصر على جهة دون جهة بل شمل كل مناحي الحياة ، وتفصيل القول فيه يستدعي دراسة مقارنة موسعة للانسان والمعايير التي حكمته في عصوره المختلفة وموارد التبديل والتحول ونوع التغيير ايجاباً وسلباً وما إلى ذلك من أمور ، وهو خارج عن نطاق هذا المختصر ، وانما نكتفي ببعض المصاديق الخاصة بموضوعنا وفي حدود العصور الاسلامية فقط للاستدلال على صحة ما ذهبنا اليه في هذا المجال .

لقد كان المسلمون العرب في صدر الاسلام يحملون ما ذكرنا من معايير اسلامية نبيلة ، وأظلت ببركتها راياتهم العربي والعجمي والتركي والكوردي والحبشي والأسود والأبيض لم يميزوا بين أحد ممن انضوى تحت هذه الراية ، وكان المجتمع في أيامهم يدا واحدة على من سواهم . فكيف تغيرت تلك المفاهيم الانسانية البحتة إلى مصطلحات ضيقة لا تتماشى وعنوان الاسلام الاصيل الذي به يفتخرون ؟ وما هو معيار الانتماء الاجتماعي للمواطن المسلم في حدود الأفكارالعصرية التي حلت محلّ الإسلام والمدّعية أنها أكثر انسانية وتطوراً ؟ وما هو ميزان المواطنة في قواميسها الحديثة بعد أن قسّم اللصوص وشركاؤهم ميراث الاسلام بين الفرس والعرب والترك ؟

لا شك انهم يضعونا امام الأمرالواقع بعد تجزئة ارض الاسلام إلى دول ذات حدود معينة يعزي الكل اسبابها إلى المستعمر البغيض الذي غزا ارض الاسلام ، لكننا الآن وفي عصر الاستقلال والحرية وبعد الاستسلام لهذا الواقع المر نسأل ماذا غيّر المتحررون المستقلون التقدميون مما حمّلهم المستعمرمن أخطاء بعد رجوع السيادة والاستقلال المزعوم ، وهل فكروا يوما في استعادة ما ضيعته الأيام من الأصول والقيم الانسانية والاسلامية الأصيلة ؟

اننا اليوم في عصر الفضاء والعلم والشعارات الانسانية ومع ذلك نجهل فلسفة الكثير من المعاييرالحاكمة في مجتمعاتنا عبر الأفكار والنظريات المستوردة بل وفي دولنا عبر الحكومات المستبدة ، لم يكن لها في دين الله وشرع العقل وجود ، يروج لها بحماس جماعات لا تؤمن هي بها في أنفسها خدمة للأجنبي مقابل ثمن بخس ، كلَّفت بعض تلك الأفكارالاسلام والمجتمعات الكثير قانوناً واقتصاداً واجتماعاً وسياسة ووجوداً ، وهذه الشعوب الاسلامية المبعثرة والأسر المفككة والاخلاقيات المزيفة والأنانية المقيتة والحكومات المدلَّسة كلها شواهد على ذلك ، ولو قلنا أن السياسة بمعناها الاصطلاحي اليوم والتي يروج لها دعاة التقدم في الغرب والشرق هي في الواقع بعث جديد للسفسطة اليونانية القديمة التي ماتت بسيف سقراط وافلاطون ومقتها من جاء بعدهما من فلاسفة البشر ، وهي السبب في كل هذه المعاناة التي ضاقت بها الصدور لرأينا سيوف السوفسطائيين الجدد ممشوقة تتسابق في قطع دابر الذين ظلموا أنفسهم بتلفظهم قول الحق هذا .

ولكي نحصر الأمر في دائرة أضيق تتناسب وحجم الموضوع وتبعدنا عن متاهات العموم نسأل تجار السياسة العالمية وأصحاب الأفكار الوطنية الذين سعوا من قبل ويسعون من اجل التصدي لمنصب القيمومية على شعب العراق ، معرّفة نفسها على انها هي ممثلة العدل والاسلام والانسانية والتحضر بل هي المنتجبة للسيادة دون غيرها ، نسألهم عن بعض تلك الموازين المقلوبة في حدود مكان موضوع البحث (العراق) فنقول:

ـ هل المواطنون متساوون عندكم في الحقوق والواجباب حقاً ؟

ـ وماذا تحملون من نظرية في حقل المواطنة في دولة العراق ؟

ـ ومن هو العراقي في نظركم ؟

هل الميزان هو تراب الاجداد والدم ، أم قانون الجنسية والمستمسكات العثمانية؟

أم لا هذا ولا ذاك بل الانتماء الطائفي؟

ونجيب إذ لا مجيب !!! ان هذه المعايير جميعها موجودة في النسيج الفكري العراقي ونظريات ذوي الأفكار الذين يتربصون الدوائر ببعضهم ، فمن مؤمن بأن العراقي هو كل من عاش آباؤه واجداده في ارض عراق العرب أو ما يسمى في التاريخ الاسلامي بسواد العراق ولكن هذه الفكرة ما زالت في حدودها النظرية لم تمنح الأيام فرصة لاصحابها كي تحكم العراق لاثبات صدق نواياهم بتطبيق الشعار على ضوء معتقدهم .

وآخر تبنى المعيار الثاني وعدّه القانون الرسمي ، عملت به بعض الحكومات في العراق حيث عدّ من يحمل المستمسكات العثمانية هو العراقي من الدرجة الأولى يمنح شهادة الجنسية من صنف 4/ أ ، اما من لم يحمل مثل هذا الصك فهو ليس بعراقي أصيل وان كان من اصلاب عراقيين ، بل هو مواطن من الدرجة الثانية أو يخرج من المواطنة ، وهذا هو المعمول به منذ تسنين قانون الجنسية العراقية إلى زماننا هذا .

ومنهم من نافق في هذا المجال فادعى تطبيق المعيار العثماني شعارا لكنه التزم عملياً معايير الطائفية والعنصرية البحتة في تشخيص المواطنة كما في عهد الحكومات القومية ، ويعتمد هذا الفكر الانتماء الطائفي اولاً والقومي ثانياً.

فمن ليس بسني في المذهب فهو ليس بعراقي وان كان عربياً ، وهو ما عملت به حكومة البعث حيث نفت وجود عراقي شيعي ، فكل شيعي فهو ايراني بلا نقاش وهو ما اعلن عنه الطاغية صدام حسين في سنة 1991م عندما قال وهو ينتقد اهالي محافظات البصرة والعمارة والناصرية والسماوة بسبب الانتفاضة :  "هؤلاء اجدادهم من الفرس وكانوا ساسة خيول الفرس ، وبعد هزيمة الفرس في القادسية بقي هؤلاء في اهوار العمارة والناصرية وتكاثروا ثم حسبوا على العراق" ؛  ولو راجع التأريخ والانصاف لرأى الأمر خلاف ما قال .

ورائحة هذه الفكرة تُشمّ أيضاً وبشكل واضح من كلمات بعض الساسة والمثقفين القوميين من العرب بعد سقوط صدام حسين وفوز الاكثرية الشيعية في الانتخابات ، حيث حصروا سيادة العراق في السنة العرب فالعراق لهم لا لغيرهم من العراقيين وما زالوا يتحايلون ويتآمرون ويتملقون لأمريكا والغرب من أجل سلب حق الحياة والحرية والمواطنة والمساوات المشروعة في الأعراف والأديان عن الشيعة وتخصيصها بالسنة العرب وكأن العرب الشيعة ليسوا من العرب .

وسيستمرون على دق طبول الطائفية هذه حتى افناء العراق أو استرجاع السيادة كما يفسروها هم، فالجهاد هذه الأيام هو من أجل كرسي السيادة لا في سبيل الله كما يروجون ، وحديثهم في الواقع عن الحصة في الحكومة لا تدنيس أرض العراق ، ولعمري لو أعطي من سمّى نفسه مجاهداً حصة الأسد من الحكم لتبخر الجهاد وسكتت بنادق المجاهدين وها هم يصرحون ، ويقولون لغيرهم اتركوا المحاصصة واعطونا ما نستحقه من سلطة تقف سياراتنا المفخخة عن قتل الابرياء ، وتغيب شعارات الجهاد في أفق العراق ويعم الأمن ونقول كما تقولون أن بقاء قوات متعددة الجنسيات هو بموافقة من الأمم المتحدة ووجودها قانوني واننا سنخرج المحتل بالمقاومة السلمية . وما دمتم لا تعطونا حقنا من السلطة فأنصار السنة وقاعدة الجهاد وباقي فصائل القتلة هم بالمرصاد لتقطيع أمواتكم واحياءكم في اللطيفية ، وهتك أعراضكم في المدائن ، وقتل علمائكم وإن كانوا في مسجد أو ضريح مقدس مثل ضريح علي بن ابي طالب [u] ، وتفجيرجموع مواكبكم كما فعلنا في كربلاء بل وحتى مجالس ترحيمكم على موتاكم وإن كانت في الموصل الحدباء، واياكم ان تمسونا بسوء وإلاّ فقد أعذر من أنذر.

هذا هو الجهاد من سالف الدهور ، فعلى كل عراقي غيور على وطنه وشعبه درك الخطر الكامن في هذا السم الزعاف الذي ينفثه اصحاب هذه النظرية في الوسط العراقي والعربي ، ولا تغرنهم المظاهر والشعارات بعد أن سُمع هذا الفحيح من حناجر علماء دين و حكام و ساسة أحزاب وبعض الرعاع ، ولا ينتظر غير ذلك من مثل هذا المعيار الفاسد السائد في الفكر الطائفي .

والذي ذكرناه هو ذيل التأريخ وللمسألة عمق أكبر بعمق التاريخ الملكي الاسلامي ، ينطوي على أسرار غريبة في هذا المجال لا يهمنا ذكرها إلا بمقدار ما اشرنا لارتباط جذور مسألتنا بتلك ، فمن عرف عرف ومن لم يعرف لا يتعدى تفسيره لما عليه الكورد الشيعة من ظلامة من سلب مواطنتهم وانتمائهم واهمال أي دور لهم إلا بسبب كونهم دخلاء على العراق ، ولا يدري أن التشيع لأهل البيت ذنب عظيم لا يغفره التأريخ السياسي إلى يوم القيامة ولا فرق في ارتكاب هذا الجرم بين الكوردي والعربي .

لقد حاول العراقيون بجميع اعراقهم الحوار مع أصحاب هذه الفكرة منذ عهد بعيد لإقناعهم بأن ما هم عليه لا ينسجم وطبيعة الشعب العراقي ولا يساعد عليه دين أو عرف ، ولابد من قبول منطق العقل في مسألة إدارة الشعب حقنا للدماء البريئة التي حرّم الله سفكها وحرّمها القانون والعقل ، وصونا للأعراض والحقوق واستجابة لنداء العدالة والضمير وهم يعلمون ان كورد العراق أكثر أصالة في العراقية من عربها لكونهم أصحاب الأرض قبل فتح المسلمين لها بل وقبل هجرة العرب اليها ، وان العرب انما كانوا يدخلونها لقربها من بلادهم وقد صرح القلقشندي بذلك في صبح الاعشى في وجه تسمية العراق بعراق العرب ، إذ قال وانما سميت بذلك " لأن العرب كانت تنزله لقربه من بلادهم" . وسنقدم في آخر فصول الكتاب الدليل على ذلك من لسان مؤرخي العرب أنفسهم .

كما ان شيعة العراق أعمق جذراً من سنيها وهذان المصران الكوفة والبصرة يشهدان أن شيعتهما أبيدت وشردت بأمر من معاوية وعلى يدي زياد بن ابيه والحجاج بعد أن جمع معاوية المصرين لزياد بن ابيه؛

ـ قال الطبراني " كان يتتبع شيعة علي رضي الله عنه فيقتلهم "([13]) ،

ـ وقال ابن عساكر والذهبي " تتبع شيعة علي في البصرة فقتلهم "([14])،

ـ ونقل محمد بن عقيل عن ابي الحسن المدائني وكذا ذكر الطبرسي قوله : " وكان أكثر الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي "([15]) .

ـ وذكر ابن ابي الحديد فيما فعله زياد قائلاً : " فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشرّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم "([16]).

لكن النصح لم ينفع والتأريخ لم يشفع ؛ بل أبوا إلا ارتكاب الخطأ ، وعبادة الهوى ولعمري ان هذه الأساليب القمعية التي ذكرها ابن ابي الحديد عن أوائل العروبيين امثال زياد والحجاج أعادها وأضاف اليها آخرهم صدام حسين ورجاله من منتسبي حزب البعث العربي الاشتراكي وهذا شعب العراق شاهد حي يشهد لمن أراد تقصّى الحقائق .

أقول هذا وانا اعلم انه كلام لا يروق لمن لا يرى لنفسه وزنا عند قيام الميزان ولا يجد في جعبته حرفا للقول عند التحكيم ولا في نفسه شجاعة لقبول المنطق ، وكيف يروق له هذا وقد تربى على حب نفسه دون سواه وعزّ عليه سبيل اثبات ذاته إلا بالذي نراه فحق أن يكون من الذين [ زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ]([17]).

انه من الظلم والسفه ان نقول للشيعي الاسدي والتميمي والخفاجي والمالكي والشمري والخزرجي والربيعي والعبسي والكعبي واللامي وغيرها من قبائل العرب انهم من الفرس وانهم ايرانيون ، ومع ذلك فقد قالها الطائفيون صراحة ، ومسّت نار حقدهم الكثير من أفراد هذه القبائل وغيرها فمن عجزوا عن تلصيق الاعجمية به منهم حصدته سيوفهم أو غيّبته سجونهم أو ضيّقوا عليه الحياة ليهرب طوعا من جحيمهم ، فما بالك بشيعة الكورد الذين ظلموا جملة بين القتل والسجن والابعاد الجماعي عن الوطن ومن تبقى منهم لم تكن حياته في ظل جورهم بأفضل ممن أُبعد أو سجن([18]) .

وأما عن حالات الإختفاء([19]) ذكر انه : لايزال عدد كبير من الذين اعتقلوا سنة 1980م ، و بعد أكثر من 25 سنة من اعتقالهم ، مجهول مصيرهم و لا يعلم أقاربهم ما حدث بهم. أغلب الظن أنهم في سجون النظام في شتى أنحاء العراق . ليسوا سحناء حرب ، و لم يوجه لهم ايّ اتهام.([20])

هذه مفردات من الوف المفردات ذكرناها استطراداً ، لنتبين ان العربي الشيعي في العراق مطلقاً كان عرضة لهذا القانون الجائر ، وكم من عربي شيعي يحمل من المستمسكات والوثائق ما لا يحملها صدام نفسه تعرض لنفس التسفير بعد اخذهم مستمسكاته وتمزيقها ، ومنه نعلم حال الكوردي الشيعي الذي هو مغضوب عليه من ناحيتي العروبة والمذهب .

وعودا لأصل الموضوع ، وهو البحث في معيار الهوية والمواطنة ، فبعد قبولي دعوة الأخوة في ظرف صعب يعيشه كل عراقي من جراء الارهاب والقتل المتعمد للشيعة وفقدان الامان في الطرقات وخطورة التنقل بين المحافظات بحثاً عن المكتبات والمصادر لم اجد بداً من الشروع ولو في حدود المتوفر في مكتبتي ، فبدأت برسم الفكرة ، وتحديد المسائل ذات العلاقة بالموضوع فرأيت ضرورة تقديم نبذة عن الشعب الكوردي لأختصاص بحثنا بفرع من هذا الشعب .

ولا يمكن الخوض في الفرع دون اشارة إلى الأصل من حيث عراقة الجذور وتشعب الفروع وطبيعة المكونات ليتضح للقارئ مغزى العنوان ، ثم نواصل البحث عن تأريخ هذه الشريحة وبدايات تكوينه ومن ثم نعكف على دراسة التواجد الجغرافي لهذا الفرع في بقاع العالم ونركز بشكل اكبر على العراقيين منهم ببيان الحدود الحقيقية للعراق والمدن التابعة لها لنثبت بشهادة التأريخ تواجدهم التأريخي على أرضهم بخلاف ما روجه العنصريون ، لنقف أخيرا على السبب الحقيقي وراء تهميشهم وانكار مواطنتهم ، والمعاناة التي واجهوها طوال حياتهم ، وما إلى ذلك من مسائل تخص هذه الطائفة من المجتمع العراقي ؛ وأملي ان اكون قد وفقت في تقديم خدمة بسيطة لهذه الشريحة المؤمنة المظلومة التي كانت اكثر الشرائح عرضة للاهمال والضياع.

وتوضيحا لبعض الأمور وما يمكن أن يقال في نقد ما اعتمدناه من آراء في هذا البحث أقول :

لا شك أن تفسير الأحداث والوقائع التأريخية سيما تلك الواقعة في العمق البعيد يختلف باختلاف مذهب الباحث في اعتماد المصادر الخاصة بالحدث بل لكل مدرسة فكرية نظريته الخاصة في التفسير ، فلا يمكن رفضها جميعاً بعد وجود الأثر كما لا يمكن قبولها جميعاً للضبابية المكتنفة لعملية الرؤية ، فهي جميعها تعتمد العلم والظن والحدس .

وبما أن العلم التفصيلي محال على البشر فلا مفر من الاعتماد على المظنون . والظن يتفاوت في مراتبه بتفاوت مراتب حذاقة الظان ومصادره لذا من الممكن أن يدخل الوهم أحيانا في صورة المظنون ، فمن المنطق الاحتياط في التعامل مع المظنونات وعلى هذا الأساس تعاملنا مع بعض مسائل البحث فأخذنا بأقرب الظنون إلى الواقع وتجنبنا الافتراضات والحدسيات سيما في موضوع تكوين المجتمعات وتواجدها في مناطق سكناها في بداية نشوئها وكيفية انتشارها .

لقد تعاملنا مع مسألة أصل المجتمعات الحالية مثلاً على أساس ما ثبت في القرآن الكريم من أن الحياة الحيوانية أبيدت بطوفان نوح ولم ينج من نسل آدم إلاّ نوحاً ومن نجّي معه من أهله المؤمنين ، ومنهم بدأت البشرية بالتكاثر من جديد وأصل المجتمعات البشرية الموجودة حالياً يرجع في نظرنا إلى النبي نوح والناجين معه من أولاده وأحفاده ، أما ما يقال من تعدد الملاحم المبيرة فلم يثبت عندنا شئ منها .

وكذا في موضوع انتشار الذراري والتجمع القبلي فقد اعتمدنا الروايات وأقوال مؤرخي أهل الأديان باعتقادنا أن النصوص الواردة عن الأنبياء بعد نوح وأخبار الكتب السماوية المنزلة هي الأقرب إلى القبول من حدس علماء العصر الحديث المبني في كثير من الأحيان على فرضيات لم تثبت صحتها ، فلو قلنا أن بلاد الفرس في المكان الفلاني وبلاد العرب في المكان الكذائي لم نعتمد كتيبة عثر عليها الأثريون في تل هنا أو كهف هناك لاحتمال التقليد والعرضية في مثل هذه الأمور .

كما اننا لم نعر أهمية لكثير من الآراء التي غلب عليها التعصب الأعمى فأماتت حقاً أو أحيت باطلاً ، لمساواة البشر عندنا في كل شئ إلاّ فضل التقوى .

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

عراقة الشعب الكوردي

 

ليس المقصود من كلامنا عن أصول الشعب الكوردي وعراقته هنا على انه مرادنا الأصلي فيما نكتب لينتظر ايفاء الموضوع حقه من التفصيل والبحث الاكاديمي ، بل الغرض الحقيقي من الكتاب ينحصر في عرض نقطتين اساسيتين هما اصالة عراقية الكورد القاطنين في العراق عموما والشيعة منهم بشكل خاص لكونهم محور الحديث ، وموقع الكورد الشيعة في المجتمع العراقي ، لهذا تكون اشارتنا إلى هذه المسألة بمقدار ارتباطها بما قصدناه ، لهذا نختصر ونقول :

اختلفت آراء النسابين والمؤرخين في أصل الشعب الكوردي اختلافا كبيرا نلخصها فيما يلي :

 

الرأي الأول :

القائل انهم يرجعون إلى الاصول العربية وان موطنهم الأصلي هو اليمن ، قال الفراهيدي في العين : " والكرد جيل من الناس " ثم ذكر قول الشاعر :

لعمرك ما كرد من ابناء فارس                                                                      ولكنه كرد بن عمرو بن عامر([21]).

وكذا ذكره ابن منظور([22])، كما اختاره الزبيدي([23]) : وقال هو الذي جزم به ابن خلكان في وفيات الاعيان في ترجمة المهلب بن ابي صفرة قال : "ان الأكراد من نسل عمرو مزيقياء وقعوا إلى ارض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم فسموا الأكراد". وبعضهم يرى([24])انهم من ولد مضر بن نزار وانهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة انفردوا قديماً لدماء كانت بينهم وبين غسان .

الرأي الثاني :

ما ذهب اليه بعضهم اذ قسّم الكورد بين ولدي نزار، ربيعة ومضر ، يقول المسعودي([25]) : "وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس والأصح من أنسابهم انهم من ولد ربيعة بن نزارـ فأما نوع من الأكراد ـ وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة وهي أرض الدينور وهمذان فلاتناكما بينهم انهم من ولد ربيعة بن نزار بن معد، والماجردان ـ وهم من الكنكور ببلاد أذر والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشادنجان والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حًلّ بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم ـ فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار.

 

الرأي الثالث :

رأي نسابة الفرس ، فقد ذهبوا إلى ان الكورد من ولد كرد بن اسفنديار بن منوشهر ، كما ذكر ذلك المسعودي([26])، والزبيدي([27]). والمقريزي([28]).

 

الرأي الرابع :

رأي بعض الكورد ، فقد رجح العلامة محمد افندي الكوردي ان يكون : كرد بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح هو الجد الأعلى للأكراد ، كما نقل عنه ذلك الزبيدي([29]).

 

الرأي الخامس :

قول من قال انهم من نسل بلقيس ملكة سبأ ، ولهذا نسبهم البعض إلى الجن باعتبار ان أم بلقيس كانت من الجن كما هو المتفق عليه بينهم . وربما كان هذا الرأي هو الذي عوّل عليه من نسبهم إلى عمرو ميزيقيا بن عامر ماء السماء وعدّ أصلهم من اليمن .

 

وآراء كثيرة أخرى في الباب أعرضنا عن ذكرها لعدم الفائدة ، وبعد بعضها عن الحقيقة ، وهذا الاختلاف الكبير والآراء المتكثرة بين القوم ، تدل بمجموعها على العمق التاريخي السحيق لجذور هذا الشعب بحيث حيّر النسابين والمؤرخين ومن أدلى بدلوه في هذا الباب .

 

 

والحق ان الشعب الكوردي كبقية شعوب العالم شعب أصيل قائم بنفسه وإن لم يحظ في زماننا بدولة سيادية مستقلة ذات حدود اقليمية كما عليه العرب والفرس والترك وغيرهم من الشعوب الاسلامية، وانهم شعب ليس من الفرس كما ادعى البعض ولا من العرب كما ذهب اليه الآخرون ، بل هم أمة مقابل الأمم العريقة التي عاصرتها ، تطاول غيرها في الاصالة والقدم إن لم تكن أعرق منها أصولا وان التقت بها في الجذور ، لذا ليس من الغريب على الباحث ان يتحسس وجود الكورد حسب الروايات والاخبار في القرون الموغلة في التاريخ .

نعم فقد يقرأ المتتبع من أسمائهم (هيزن) أو (هزن) في زمن ابراهيم الخليل ، كما جاء في رواية المفسرين ، فقد ذكروا في تفسير قوله تعإلى : " قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين "([30]) : ان الذي قال ذلك هو رجل من الاكراد ، ذكره القرطبي([31])عن ابن عمر ومجاهد وابن جريج ، وابن كثير([32]) عن شعيب الجبائي وفي قصص الانبياء([33]) والطبري([34])عن عبد الله بن عمر ، والطبرسي([35]) عن ابن عمر ومجاهد ، وكذا ذكر ذلك محمد بن حبيب البغدادي([36]) والطبري([37])وابن كثير([38]) وهي فترة حكومة الطبقة الأولى من ملوك الفرس وفترة حكومة الكلدانيين بالعراق الذين اتخذوا كلواذي عاصمتهم والبابليين في بابل حيث اشتهرت أيامهم بحمورابي ونبوخذ نصر.

قال المسعودي([39]) : " والفرس تذكر أن هؤلاء الملوك البابليين انما كانوا خلفاء لملوكهم الأولى ومرازبة على العراق وما يليه من المغرب حيث كانت دار مملكتهم بلخ إلى ان انتقلوا عنها ونزلوا المدائن من أرض العراق وكان أول من فعل ذلك خماني ابنة بهمن بن اسفنديار".ويبدو ان ذلك كان في زمن الضحاك الذي يقال بانه هو النمرود.

ويرى أيضاً آثارهم أيام كيكاووس بن كيقباذ ، وهو من الطبقة الثالثة من ملوك الفرس لا كفرع صغير من ابناء الفرس اجداد كيكاوس ، ولا كفرع فارسي بل كأمة مقابل الفرس([40]) ؛

كما يجدهم أيام بهمن بن اسفنديار ، الذي بعث بخت نصرلتخريب بيت المقدس ، قال الدينوري([41]) : " كان ساسان بن بهمن يومئذ رجلا ذا رواء وعقل وأدب وفضل ، وهو أبو ملوك الفرس من الأكاسرة ، ولذلك يقال لهم الساسانية ، فلم يشك الناس أن الملك يفضي إليه بعد أبيه ، فلما جعل أبوه الملك لابنته خماني أنف من ذلك أنفا شديداً ، فانطلق ، فاقتنى غنما ، وصار مع الأكراد في الجبل ، يقوم عليها بنفسه ، وفارق الحاضرة غيظا من تقصير أبيه ".

وهذه النصوص القديمة وغيرها من روايات المفسرين والمؤرخين المعروفين تؤكد ما ادعيناه من عمق جذور هذا الشعب الكبير ، وأصالة أعراقه ، فلا يضير طودهم الشامخ لمز الاعداء ، ولا همز ضعاف النفوس ، ويحق أن يقال للعنصريين ممن غرّهم جهلهم بعراقة الشعوب فتجاهلوا غيرهم ، ما قاله الفرزدق لهشام بن الحكم حين تجاهل الامام علي بن الحسين [u] :

وليس قولك مـن هــذا بضــائره                                                                                      العرب تعرف من أنكرت والعجم

ونحن إذ نتعرض لموطن هذا الشعب انما نأخذ بنظر الاعتبار التوطن والاستقرار في الأرض ابتداءً ، ولا يهمنا سلطنة الحكومات على تلك المناطق اطلاقا ، فإن بلد الكورد لا يتغير بتغيير الحكومات التي تحتل مناطقها ، فهو بلدهم سواء استعمرها الفرس أو احتلها الروم أو حكمها العرب ، فلا يحتج علينا من يحتج بقدم حكومة الفرس ، ونعتمد في ذلك ما قاله ابن خلدون([42]) عن الموطن الحقيقي للفرس والكورد : "وأما موطن الفرس فكانت أول أمرهم بأرض فارس وبهم سميّت ، ويجاورهم اخوانهم في نسب شوذ بن سام ، وهم فيما قال البيهقي ، الكرد والديلم والخزر والنبط والجرامقة ... ثم صارت لهم خراسان ومملكة النبط والجرامقة وسائر هؤلاء الأمم" .

وهذا أمر متفق عليه بين المؤرخين بعد اقرارهم باختصاص كل أمة منها بأرضها منذ نشوء قبائلها وهو ما دعانا إلى السؤال عن بلاد الكورد من اولئك الذين يقرون مرغمين بوجود هذا الشعب الكبير ويتهربون من الاعتراف بأرضهم ووطنهم .

ومن المفارقة أن نسمع تحامل بعض القوميين العرب على الكورد في آخر عصور الإسلام بينما نقرأ عن أوائل عصوره أن الخليفة الأموي مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم ، كانت امه امرأة من الكورد اسمها لبابة ، كما ذكر ذلك ابن عساكر([43]) والذهبي([44]) وسنذكر لاحقاً موارد مشابهة تؤكد مصاهرة العرب للكورد في القرون الأولى من الإسلام مما يثبت تداخل الشعبين منذ زمن بعيد.

 

وأما انتشارهم في البلاد ، فلم يعد خافياً على من تصفح اوراق التأريخ ، فقد استقرت قبائلهم منذ زمن بعيد جداً في ارجاء واسعة من بلاد الله العريضة ، فمن ايران إلى العراق والشام وأرمينيا وشمال افريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية وغيرها من البلاد إلى بلاد الترك وما بعدها من حدود ، حيث تجد الكورد وآثارهم ومآثرهم ، وقد اعرضنا عن الاستشهاد لذلك بنصوص تأريخية روما للاختصار أولاً ، وللغنى عنها بعد الشهرة العالية في كتب التأريخ والسير ثانياً .

وقد تعرض الكثير من الكورد العراقيين للجلاء عن أوطانهم بفعل الحروب والغزوات ، فقد ذكر ابن خلدون في تأريخه([45]) : "ان عشيرتين من الكرد تعرفان ببني لوبن وبني بابير فيمن اليهم من الاتباع دخلوا المغرب لآخر دولة الموحدين ونزلوا على المرتضى ". وعند ترجمته لمحمد بن القالون المعروف بالمزوار ، قال : "انه كردي من الاكراد الذين وفد رؤساؤهم على ملوك المغرب ايام اجلاهم التتر عن أوطانهم بشهرزور عند تغلبهم على بغداد سنة 656 هج ، وقال : فمنهم أقام بتونس ومنهم من تقدم إلى المغرب فنزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن جوارهم " .

واما قبائلها وعشائرها : فهي لا تعد ولا تحصى ،

 

أما عن قبائلهم القديمة ، فقد ذكر منهم المسعودي في التنبيه والاشراف([46]) : البازنجان والشوهجان والشاذنجان والنشاورة والبوذيكان والرية والجورقان والجاوانية والبارسيان والجلالية والمستكان والجابارقة والجروغان والكيكان والماجردان والهذبانية وغيرهم ممن بزمام فارس وكرمان وسجستان وخراسان واصبهان وأرض الجبال من الماهات ، ماه الكوفة ، وماه البصرة ، وماه سبذان والايغارين ، وهما البرج وكرج أبى دلف وهمذان وشهرزور ودراباذ والصامغان وآذربيجان وأرمينية وأران والبيلقان ، والباب والابواب ، ومن بالجزيرة والشأم والثغور . واضاف كما عن الزبيدي السورانية والكورانية والعمادية والحكارية والمحمودية والبختية والبشنوية والجوبية والزرزائية والمهرانية والرضائية والسروجية والهارونية إلى غير ذلك من القبائل التى لا تحصى كثرة .

وقال الزبيدي([47]) ، نقلا عن فاضل عصره العلامة محمد افندي الكوردى : انهم قبائل كثيرة ، ولكنهم يرجعون إلى أربعة قبائل السوران والكوران والكلهر واللر .

فالجاوان كانوا يسكنون حلوان والمناطق الشرقية في العراق كما استقر بعضهم في الحلة المزيدية بالعراق كما ذكر الفيرزآبادي([48])، منهم الفقيه محمد بن علي الجاواني الكردي الحلي ، ومنهم الحسن ابن ابي طاهر احمد بن محمد بن الحسين الجاواني من أكراد الحلة([49]).

والبشنوية موطنهم جزيرة ابن عمر لهم قلاع مثل البرقة وقلعة بشير وقلعة فنك ، ذكرهم الحموي في المعجم([50]) وقال عن سطوتهم : " وما كان يقدر صاحب الجزيرة ولا غيره مع مخالطتهم للبلاد عليها وهي بيد هؤلاء الأكراد منذ سنين كثيرة نحو الثلثمائة سنة وفيهم مروة وعصبية ويحمون من يلتجئ اليهم ويحسنون اليه "([51]).

والزوزانية ، وتنسب إلى الزوزان ناحية واسعة في شرق دجلة من جزيرة ابن عمر وأول حدودها من نحو يومين من الموصل إلى حدود خلاط وينتهي حدودها إلى آذربيجان إلى عمل سلماس .

والهكارية([52]) ينتمون إلى الهكارية وهي قرى فوق الموصل ، اصحاب المعاقل والحصون والقرى في شرق بلاد الموصل .

والشوانكارية وهم الذين التجأ اليهم في سنة 564 هج ، شملة ملك فارس صاحب خوزستان .

والبختية وكانت لهم قلاع في الزوزان منها قلعة جرنقيل وهو كرسي ملكهم وقلعة آتيل وقلعة علوس واروخ وباخوخة وكنكور وغيرها ومن زعمائهم الأمير موسك بن المجلي .

والدنبل أو الدنابلة ، كانوا بنواحي موصل منهم الامام شمس الدين ابو العباس احمد بن نصر بن الحسين ناب في القضاء ببغداد ومات بعد الستمائة . ومنهم الميرزا عبد الرزاق بيك ابن نجفعلي الدنبلي الأديب المؤرخ([53]) المتوفي سنة 1243 هج ، ذكره الطهراني([54]) وقال توجد نسخة مخطوطة من الكتاب في طهران في خزانة كتب ملك الشعراء . ومنهم الشاعرة حيران الدنبلي([55]) ، كما عن الذريعة([56]).

والحكمية ومن أمرائهم الأمير ابو الهيجاء الإربلي .

والجوزقان بحلوان وضواحيها ومنهم ابو عبد الله الحسين بن جعفر الجوزقاني الكوردي مؤلف كتاب الموضوعات توفي سنة 543 هج .

والكوران وهم قبيلة كبيرة انتشرت بين العراق والشام خرج منهم كثير من العلماء .

والجوبية ومنها ابو عمران موسى بن محمد بن سعيد الجوبي .

والبابير وهم قبيلة كبيرة كانت تقطن شمال العراق ، هاجر قسم كبير منهم إلى المغرب أيام زحف التتار ومنهم أبو بكرالأمير سيف الدين البابيري ترجم له الصفدي في اعيان العصر([57]).

والكلالية : موطنهم بين شهرزور إلى جبال همذان ، وكانوا يعرفون بجماعة سيف ولهم أمير يخصهم وهو يحكم على من جاورهم كما ذكر القلقشندي في صبح الاعشى .

والزنكلية : وموطنهم كان جوار ديار الكلالية .

والمازنجانية وهم فرع من المحمدية ، يعرفون بطائفة المبارز (كك) كما قال القلقشندي([58]) .

وغيرها الكثير من القبائل العراقية الأصل ولا ينكر ذلك إلاّ مكابر ولا موجب لذكر المزيد عنها بعد ان كفانا التأريخ مؤنة الدليل على وجودهم ومواطنهم .

 

وأما قبائلهم الحديثة فهي الأخرى تشعبت وتوسعت في موطن أصولها ، ففي أقصى شمال العراق حيث :

في زاخو نجد السليفاني والسندي والكللي وشمدينان .

وفي دهوك قبائل مزوري كأرتوش والشرفان والدوسكي ؛

وفي عقرة الزيباريين بطوائفها البرروز والمزوري والشيروان وبراودوست وكردي وهركي ، وكذا السورجية والشمزينية والزركي ، وخت بري وغيرها الكثير ؛

وفي شيخان الايزدية بفروعها بكران وبردهلي وبلسين وبابيري ؛

وفي كركوك الداوده والشوان وساله يي وشيخ بزيني والكاكائية والبيرقدار من الدلو وبالاني وغيرها.

وفي العمادية البهدينان ومن فروعها تيرواريكان وبرواري ؛

وفي السليمانية واربيل العدد الكبير كقبيلة البارزان بفرعيها بروش ونزار وقبيلة الزنكنه والبابانية والشيخ بزينية وطوائف من اللك وطوائف من الكلهروالزرزا وكثير غيرها .

وفي ديالى وضواحيها الزركوش والروزبهان والزندية .

وفي خانقين ومندلي المنصورية والشهبازي من الكلهر وغيرهم .

وفي واسط وبدرة ونواحيها الزركوش والملكشاهي والشوهان والقيتول وورمزيار والميشخاص والملخطاوي وآليوي وأغلبهم فيلية .

وأمثالهم في محافظتي ميسان والبصرة ، وما ذكرناه كشاهد هو القليل القليل من فروع قبائل الكورد العراقية .

 


 

وأما ما يخص أدوار حكوماتهم فيكفينا ذكربعضها فمنها :

الف ـ الدولة الأيوبية ، فقد ذكر المؤرخون أن أسد الدين شيركوه ، هو أول من ولي مصر من الكورد الايوبيين . وهو عم السلطان صلاح الدين الايوبي([59]) .

ب ـ الحكومات المحلية للكورد الشيعة في مناطق متعددة من بلاد الكورد :

حكومة أبو نصر سهلان بن مسافر في القرن الثالث ؛

وحكومة آل حسنويه في مناطق الجبل بين خراسان وهمذان إلى خوزستان في القرنين الرابع والخامس .

وحكومة آل ابي الشوك فارس بن محمد بن عنان في حلوان وقرميسين([60]) في القرنين الخامس والسادس .

وحكومة اللرالكبير والصغير في لرستان ، وحكومة حسين قلي خان في مناطق بشتكوه وما حولها . وغيرها من الحكومات العشائرية في الفترات المختلفة .

 

وأما عن اخلاقهم ومآثرهم فقد كتب الكثير وانتخبنا منها بعضها :

الأول : قصة قصيرة ذكرها اسامة بن منقذ([61]) تحت عنوان "يقاتل لرد الجميل". قال : " ومن الناس من يقاتل للوفاء فمن ذلك ان رجلاً من الأكراد يقال له فارس وكان كإسمه فارس وأي فارس ، فحضر أبى وعمي رحمهما الله وقعة كانت بينهما وبين سيف الدولة خلف بن ملاعب . عمل عليهم فيها وغدر بهم ، وقد حشد وجمع وهم غير متأهبين لما جرى ، وسبب ذلك انه راسلهم وقال نمضي إلى (أسفونا) وفيها الفرنج نأخذها. فسبقه أصحابنا إليها وترجلوا وزحفوا إلى الحصن نقبوهم وهم في القتال وابن ملاعب وصل ، فأخذ خيل من كان ترجل من أصحابنا ووقع القتال بينهم بعدما كان للإفرنج واشتد بينهم القتال .فقاتل فارس الكردي قتالاً عظيماً وجرح عدة جراح ، ومازال يقاتل ويجرح حتى اثخن بالجراح وانفصل القتال ، فاجتاز أبى وعمي رحمهما الله وهو محمول بين الرجال فوقفا عليه وهنآه بالسلامة فقال والله ما قتلت أريد السلامة لكن لكم علي جميل وفضل كثير ، وما رأيتكم في شدة مثل هذا اليوم فقلت أقاتل بين أيديكم وأجازيكم عن جميلكم وأقتل قدامك . وقضى سبحانه وتعإلى أن عوفي من تلك الجراح ومضى إلى جبله ".

الثاني : ما ذكره ابن كثير([62]). وفيه ما لا يخفى من البطولة والإيثار والمفردات من هذا القبيل كثيرة جداً في ابناء هذا الشعب العريق وقد لمسها العدو والصديق .

الثالث : موقفهم من أحد خلفاء المسلمين ، كما ذكره الدميري ([63])، : " جرى بين المقتدر وبين مؤنس الخادم حرب ، فاقتحم المقتدر نهر السكران فأحاط به جماعة من البربر فقتله رجل منهم وأخذوا رأسه وسلبه ثيابه ومضوا إلى مؤنس الخادم ، فمرّ بالمقتدر رجل من الأكراد فستر عورته بحشيش ودفنه وأعفى أثره " .

وما أجمل هذا الموقف !! يقتل خليفة المسلمين في أبواب بغداد على يد أعوانه من العرب المغاربة ثم يحزّ رأسه ويجرّد من ثيابه ويترك عارياً بلا كفن أو دفن ولم يقدم أحد من المسلمين لستر عورته فيسارع كوردي غيور فيؤدي حق هذا المسلم الميت.

ولم يتحمل بعضهم ذكر هذا العمل النبيل في التأريخ فمنهم من أهمل الفاعل كابن الأثير([64]) فيقول : "فسترت عورته بحشيش ثم طمي" ، ومنهم([65]) من حاول تضييع الكردي بقوله : "حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش ثم دفنه" وآخر بقوله :"رجل من الأعاجم" وآخر([66]) يحاول أن يلصق تهمة بالرجل اذ يقول : "فطرح بعض المطوعة على سوأته خرقة أخذها رجل من العجم وألقى عليها حشيشاً إلى أن حملت جثته إلى مؤنس" في حين أن المغاربة أخذوا رأسه مرفوعاً على خشبة إلى مؤنس لا جثته .

 

وأما شجاعتهم : فهي معروفة عند الصديق والعدو فقد عجز عن مقارعتهم وقهرهم ملوك الارض وسلاطينها رغم ما بذلوه في هذا السبيل فلا يحتاج هذا الموضوع إلى بيان ، لكننا كدأبنا نذكر من باب التنوع مثالاً لطيفا ً ذكره أسامة بن منقذ([67])، تحت عنوان : "وثالثة تنفذ في صدر الإفرنجي"؛  قال : " ومن عجائب الطعن ان رجلاً من الأكراد يقال له حمدات كان قديم الصحبة قد سافر مع والدي رحمه الله إلى اصبهان إلى دركاه السلطان ملكشاه فكبر وضعف بصره ونشأ له اولاد. فقال له عمي عز الدين رحمه الله يا حمدات كبرت وضعفت ، ولك علينا حق وخدمه ، فلو لزمت مسجدك وكان له مسجد على باب داره واثبتنا أولادك في الديوان ويكون لك أنت كل شهر ديناران وحمل دقيق وأنت في مسجدك. قال افعل يا أمير . فأجري له ذلك مديدة . ثم جاء إلى عمي وقال يا أمير والله لا تطاوعني نفسي على القعود في البيت وقتلي على فرسي أشهى إلي من الموت على فرشي . قال الأمر لك وأمر برد ديوانه عليه كما كان . فما مضى إلا الأيام القلائل حتى غار علينا السرداني صاحب طرابلس . ففزع الناس إليهم وحمدات في جملة الروع ، فوقف على رفعة من الأرض مستقبل القبله فحمل عليه فارس من الإفرنج من غربيه فصاح إليه بعض اصحابنا يا حمدات فالتفت ، فرأى الفارس قاصده فرد رأس فرسه شمالا ومسك رمحه بيده وسدده إلى صدر الإفرنجي فطعنه فنفذ الرمح منه ، فرجع الإفرنجي متعلقاً برقبة حصانه في أخر رمقه. فلما انقضى القتال قال حمدات لعمي يا أمير لو أن حمدات كان في المسجد من طعن هذه الطعنه " .

 

وفيما ذكرنا الكفاية مادام هذا الموضوع لم يكن من مقاصد الكتاب وانما احتجنا هذا المقدار من الإشارة لارتباط الفرع المقصود بهذا الأصل ، كما اجد نفسي مضطرا وانا اتحدث عن الكورد الشيعة إلى اشارة اخرى تخص هذا الشعب من جهة مكوناتها الطائفية لتتضح معالم البحث بشكل أكبر ، فوجود الكورد الشيعة في العراق وغيرها أمر واقع لا ينبغي تجاهله ، رغم كراهة ذكر التقسيم الطائفي ، ولولا ترتب الأثر العملي عليها في أوساط الشعوب والحكومات في هذه الأزمنة ، وما ينجم من المواقف بسببها من الظلم والحيف لأعرضت عن هذا الموضوع ولكن الواقع لا يمكن تجاهله .

 

 


 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المكونات المذهبية للشعب الكوردي

تمهيد

ان الكثيرين من الساسة العراقيين يتعاملون هذه الأيام مع من ذكر الطوائف بحساسية بالغة ، وتنفتح قرائحهم بتقبيح الطائفية والدعوة إلى نبذها والاعتراض بشدّة على من تفوه بإحدى مكوناتها بادّعاء انهم في عصر جديد وتحول جذري في الفكر العراقي ينبغي فيه نبذ هذه النعرات لما فيها من عوامل التفرّق والضعف وانه لابد من تبديل كل تلك المصطلحات بمصطلح واحد هو " المواطن العراقي " دون تمييز بين عربها وكردها وسنيّها وشيعيّها وهذا ما يتطلبه العراق الجديد ، وهذا كلام لطيف جداً وشعار طالما تمنى كل عراقي تحققه ، وقد سمعنا هذه البشارة العظيمة من اكثر المتعاملين مع القضية العراقية .

لكننا ومع الأسف رأيناهم عملا وهم يرفعون رايات الطائفية عندما حان وقت تقسيم ميراث السلطة والأدوار ، فالشيعة العرب قالت نحن الأكثرية ، والسنة العرب قالت نحن شريحة كبيرة همشنا ولا نشترك في هذه الحكومة ما لم نحصل على النصاب الكامل والكورد السنة أيضاً طالبت الاستحقاق .

ووقفت سفينة المساكين ساعة الامتحان حين جاء دور تعيين من يتصدى لحكومة العراق وخدمة هذا الشعب المضطهد ، حيث تبدل شعار "المواطن العراقي" إلى غيره فلا أحد يسأل عن المواطن العراقي فالمهم عند جميع التكتلات السياسية هو نسبة الحصة والحصة لا تتعدى الافراد المشتركين في الفرق ، وها تمر الاسابيع والأشهر ولم نجد منهم من كال بمعيار صلاحية المرشح لخدمة هذا الوطن ولا من دعا إلى استماع صوت هذا الشعب المسكين ابتداء من ترشيح موكليهم وانتهاء بتوزيع المناصب والمسؤوليات بل رأينا تزاحم الألوية وكيل الشتائم والاتهامات ، وكل طائفة تريدها خالصة لرجالها ، ولا يلوح في الأفق القريب نهاية واضحة لنتيجة السباق ، ولهذا ما أخطأ من قال أن الديموقراطية ولدت ميّتة في العراق ، ولا مفرّ من اجتماع المتنافسين الأقوياء خلف الكواليس لطرح البديل الذي سموه بالتوافق ، وهذه مرحلة من مراحل التحول الجديد في العراق .

وللشعب أن يسأل عن هذا التوافق المزمع عقده بعيداً عن أعين ابنائه وعمن يمثله فيه ، لماذا يحصل هذا التوافق وراء الكواليس وانتم تملأون أسماع الدنيا بنشيد الديموقراطية ، وعلام التوافق ومع من وهل استأذنتم الشعب ولو في حدود استفتاء على بنود الاتفاقات داخل المجلس الوطني؟

هل هو توافق على استعادة الثقة ليقتنع الجميع بمن يرشحه الشعب دون السؤال عن هويته الطائفية؟ أم توافق على اعطاء حصة المساكين للأقوياء الذين ما آلواً جهدا في جمع مخازن العتاد في مناطقهم لاستخدامها في أخذ الزائد بالتعصيب ؟

هذا ما دعى الفئات الأقل قوة والأضعف جندا للبكاء على الأطلال والنوح على الحظ العاثر في ساحةٍ تقابل فيها شعار الديموقراطية وواقع التزاحم الطائفي ، لتحيا بين هذه وتلك أمجاد الطوائف وتراث المذاهب والكل يعيش الأمل ولا أدري هل يبادر الضعيف الذي تعلم من القوي من أين يؤكل الكتف فيما لو تيقن الخسارة والإهمال في إظهار قوته بشكل ما لتبقى الفوضى هي سيدة المواقف ، أم ستخمده الحقيقة المرّة الحاكمة بالبقاء للأقوى ؟ أم أن الله تعإلى سيهدي أهل العقد والحل فيبدلوا شعار العدالة إلى عمل ملموس ينهي كل هذه الأقاويل ويعيش الجميع حياة حرّة كريمة وهو ما يتمناه الجميع ؟

على هذا لا يحق لمن تعلق بأطراف الغنيمة ببركة الطائفية أن ينهى غيره عن ذلك فيصدق عليه قوله تبارك وتعإلى : [ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ]([68]). سيما وأن الشيطان قد أوحى إلى أوليائه لينفخوا في صور الطائفية عبر أبواقه الفضائية ليل نهار على مرأى ومسمع من الناقدين وغيرهم ، وها أنا أسمع الآن عبر فضائية عربية المدعو سمير المتحصن في لندن يقول بملئ فمه عندما سأله مدير الحوار عن رأيه في الانتخابات التي جرت في ظرف خطير وملايين الأصوات التي شاركت يقول بكل صلافة : ان الاكراد والشيعة هم مواطنون من الدرجة الثالثة والرابعة .

فبالله عليك أيها المثقف المنصف ، كيف ترضى ديموقراطيتك بمنع الشيعي أو الكردي المضطهد من الدفاع عن نفسه في حين لم تجد بأساً فيما ينفثه قاتله من سموم وأنت تكبت هذا وتشرح صدرك لما يمليه عليك ذاك ؟ لا تلوم ذاك على ما يبث من حقد وكره ويزرع من بغضاء وتكيل العتب على المظلوم الذي يقدم دليله على مظلوميته من تأريخك وكأنك بموقفك هذا تناصر الظالم على المظلوم فإن كنت صادقا فافضح باطل ذاك قبل أن تطلب من هذا اخفاء حقه .

 


 

 

المكونات

المذهبية للشعب الكوردي

 

يعزّ عليّ كمسلم أن أتعرض على كره لذكر الطوائف والتقسيمات التي أدت إلى شرذمة الشعوب الاسلامية وتضعيف كياناتها بعد أن جمع الله كلمتهم بالاسلام وهي حقيقة قد ينكرها السطحيون إلا أنها كانت القشة التي كسرت ظهر البعير بعد أن دخلت الأهواء في ساحة الدين وتزاحم على تراثه المستغلون طمعا في حطام الدنيا لتكون النتيجة هي الكراهية المقيتة بين الأخوة والأحبة والتباغض والتباعد والتشاحن حدّ المقت والظلم والقتل .

فنصيب الشعب الكوردي من هذا الإرث البغيض لم يكن بأقل من نصيب الشعب العربي أو الفارسي أو غيرهما من الشعوب الاسلامية ، فكما نرى الانقسام في الشعب العربي إلى سني وشيعي وخارجي وزيدي واسماعيلي وغيرها فكذلك في هذا الشعب ، حيث نرى السني الكوردي والشيعي والعلي اللهي والايزدي وغيرها من طوائف .

والجميع يظهر نفرته من هذا التقسيم ويدعوا إلى نبذه ويدعوا إلى الأخوة والألفة والمحبة ، لكن التأثير الخفي للتعصب المذهبي يأبى إلا أن يكشّر عن ناب التنفر والانزجار ولو في القلوب ، لهذا نرى الأخوين في المدينة الواحدة تجذبهم إلى البعض ألفة الدم واللغة والوطن من جهة و تدفعهم عن البعض بغض التعصب للمذهب من جهة أخرى ، فتراهم يعيشون لا هم أصدقاء ولا هم أعداء ، تظهر صداقتهم في موقف ويطغى عداؤهم في موقف ، وهم يتمنون أن لا يكون ذلك لكن الأمر فوق التمني مع وجود مقتضيه ، فالعدو الظاهري المتربص بالمسلمين والعدو الباطني المتمثل في الجهل وقصر النظر وعزة الطبيب المداوي كلها أمور تحول دون تحقيق الأماني .

نعم لابد من الاعتراف بوجود هذا التقسيم الطائفي في صفوف هذا الشعب الأصيل ، فهناك أكثرية من السنة وهناك أقلية من الشيعة ، وفي كل بلد يتواجد فيه فروع هذا الشعب في ايران والعراق وتركيا وسوريا وبعض جمهوريات روسيا وغيرها ، ولا يختلف الأمر كثيرا فيما يحكم هاتين الفئتين من علاقات بين الشعب العربي والكوردي ، فالعربي المعتدل في مذهبه وهم الأكثرية يبغضون الشيعة قلبا من غير تحفظ ، والمتعصب لسنيته السلفية يكفر الشيعي علنا ويبيح قتله بل ويقتله تقربا إلى الله كما عليه التكفيريون هذه الأيام ، والشيعة كذلك لكن بموقف لساني بحت لا يصل إلى قتل أو انتقام . مع فارق بين الشعبين وهو اقتصار التباغض بين المذهبيين في الشعب الكوردي على اظهارالانزجار والتذمر بنحو ما ، ولم نسمع ان سنياً كردياً قتل شيعياً كردياً أو عربياً لشيعيته ولا شيعياً كردياً أو عربياً قتل سنياً كردياً أو عربياً لسنيته ، لكننا نرى أن هذا المقدار أيضاً هو أمر ممقوت لا يخدم الشعب ولا الإسلام ويا حبذا لو توجه عقلاء كل قوم إلى هذه المسألة الخطيرة وسعوا في قلع جذورها من القلوب وعدم الاكتفاء بظاهر شعار نبذ الطائفية . حينذاك يمكن القول بأننا تخلصنا من ظاهرة الطائفية الممقوتة .

لا شك أن الاختلاف المذهبي عائق كبير يحول دون السير الطبيعي للمجتمع بما يسببه من عوامل مفرقة للشمل موهنة للقوى مفسدة للود لاهبة للمشاعر ، ولم يسلم شعبنا الكوردي من هذه السيئة ، فقد انقسموا كما قلنا إلى سنة وشيعة ، استوطنت غالبيتهم السنية في شمال العراق بدأً من الحدود التركية العراقية شمالا وانتهاءً ببلدة خانفين في شرق الوسط العراقي يخالطهم نزر يسير من الشيعة متفرقين هنا وهناك ، امتازوا بلهجاتهم الخاصة ، بينما تمركزت الشيعة منهم في الوسط والجنوب من اطراف خانقين حتى البصرة جنوبا تميزهم أيضاً لهجتهم الفيلية غالباً. وكان لهذا التقسيم أثره البالغ في الشريحتين وكان تأثيره على الشيعة أكبر وأعمق ويمكن تلخيص هذا التأثير في نقاط :

* احساس الكورد الشيعة بالعزلة والانقطاع عن الشريحة الأكبر الشمالية وتلمّسهم آثار الجفوة التي أفرزتها المذهبية ، فهم قد عانوا من كلمة "رافزي" التي يسمعونها من بعض اخوتهم المتعصبين نفس معاناة الشيعة العرب الذين سمعوا اللفظة بالضاد "رافضي" من اخوتهم السنة العرب ، وهذا أول الغيث .

* هناك مثل يقول : " وفي الشدائد تعرف الأخوان " ، والكورد الشيعة يكثرون العتب على اخوتهم الكورد السنة بإهمالهم وتركهم عند الشدائد ، وكأنهم يشعرون بتبري الكورد السنة منهم بتأثير التعصب المذهبي وإلاّ فإن المشاعر القومية عند الكورد الشيعة لا تقل حماسا عن تلك التي يمتلكها الكورد السنة، وللكورد الشيعة مواقف في مواقع تعرض فيها الكورد في شمال العراق لظلم الحكومات العنصرية لا سيما في ايام تسلط حزب البعث على العراق .

* كان لهذا الفتور في العلاقات والبرود في المواقف الأثر السلبي الكبير على موقف الكورد الشيعة في الوسط والجنوب حيث تعامل العنصريون معهم براحة بال بعد تأكدهم من عزلتهم وانقطاعهم عن ابناء جلدتهم في الشمال ، فعاملوهم بقساوة بالغة ، ومنعوهم أبسط مستلزمات الحياة ، بل ورتبوا عليهم واجبات دون حقوق ، فلا يحق لطلابهم الدخول في الكليات المهمة ، ولا لرجالهم تسنم مقاعد في دوائر الدولة ، ولا لتجارهم امتلاك اكثر من قوت يومهم وهكذا أوصدوا عليهم أبواب الحياة ، وعامة الشيعة العرب لا حول لها ولا قوة في دفع الظيم عنهم مع معاناتهم لموقف شبيه ، مضافا إلى بقايا مؤثرات النزعة القومية التي أحيتها الحكومات العربية العنصرية في بعض أوساطهم والتي غلبت النزعة الدينية فيهم وأوقفتهم على الحياد في أفضل أحوالهم .

* جدّ الطغاة العنصريون جدّهم من أجل الخلاص منهم ، فقتلوا وسجنوا وأبعدوا الكثير ، ثم احتالوا على الباقين باللعب بورقة المستمسكات العثمانية وشهادة الجنسية ، فإذا أقدم أحدهم للحصول عليها قالوا له أنت كردي ايراني ، وهكذا عوملوا منذ عهد بعيد . وأخيرا بدأت الحكومة البعثية مع تسلمها السلطة في العراق بإجلائهم عن مواطنهم وترحيل الآلاف منهم قسراً إلى الحدود الايرانية بعد سلب هويتهم واتهامهم ولم يجدوا أيام محنتهم تلك ناصراً إلاّ الله .

 

ان الحكومات العنصرية عموما ما كانت لتتجرأ على الشعب الكوردي لولا هذا الانقسام وتفرّق الكلمة ، وما كان القوميون العرب خصوصا بقادرين على ارتكاب كل تلك الجرائم النكراء بحق الشيعة منهم فيما لو كان الشعب متمسكاً بوحدة الكلمة ومتجاوزا النعرات التي ليس وراءها غير الضعف والتشتت.

لقد بات قانون "فرق تسد" السلاح الذي لا يتأثر بتعاقب الدهور ، ولم يحدّ من مضي سيفه تقلب العصور ببركة الجهل الطاغي وشعوذة دجالي السياسة العالمية الذين سحروا أعين الناس بألاعيبهم وأضلوا عقولهم بشعاراتهم ، بعد أن توقّف تأثير سحرهم على ابقاء الناس في ظلمات الجهل وحضيض الشهوات ، ومن أجل ذلك تراهم يسعون أول ما يسعون إلى الاستحواذ على برامج الحياة في المجتمعات بالتضليل أو باستخدام القوة ، فالتربية والتعليم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وغيرها لابد أن تكون وفق البرامج المعدّة سلفا في مختبراتهم ومعاهدهم لكي تسير الشعوب كما شاؤوا في الخط المطلوب .

ولا شك ان عملية تطبيع الشعوب وفق أهواء القراصنة تتطلب الكثير من الامور ليس هنا مجال التعرض لها وانما نكتفي بالاشارة إلى بعضها فمنها :

* السيطرة على عمليات العقل البشري بتحديد خزينها وحركتها في مجال الاجتهاد والاستنباط وإخضاعها لبرمجة خاصة تطبّق في المراحل الدراسية منذ الطفولة وحتى البلوغ العقلي .

* حجب العقول عن بنات افكارها وتزريقها بأفكار ونظريات مصطنعة بديلة واقحامها في متاهات تلك النظريات لتنشغل عن الواقعيات بل وحتى عن الموروثات فيشب الجيل من المجتمع وليس له ايمان بقضية بل يردد المصطلحات التي اكتسبها من المنهج المدروس كما هي .

* سوق الناس نحو الماديات وابعادهم عن المعنويات ليكون اقدس مقدسات الانسان المادة واشباع الغرائز .

* اصطناع الحكام للضغط على الشعوب وحرمانها من ابسط حقوقها والتلويح بعد تأثير ظلم الحكام في الشعوب بحسنات مجتمعاتها اغراء للعقول الفارغة ، مثلهم مثل الذي يحبس انسانا ويقطع عنه الماء والغذاء إلى حد الموت ثم يريه كأس ماء بارد أو قرصة خبز ، ولهذا نرى الكثير من شبابنا متعطشون للغرب وأفكارها ولو علموا ان ما يعانوه من شقاء هو بسبب هؤلاء التقدميّون جداً لشكّوا على أقل تقديرفي مصداقية الشعارات ، فخيرُهم حِكر على انفسهم وما للآخرين منه إلاّ الشعار .

* استغلال المعتقدات المذهبية الموروثة ، المفرقة بين الناس والسعي في تعميق الخلافات الناتجة عنها ، واستغلال بعض الفئات منها على بعض لاشعال نار الفتنة الطائفية وخلق جو عدم الاستقرار للايحاء بذلك إلى حاجة مثل هذه الشعوب لقيّم متحضّر من تلكم العصابة .

وأمور اخرى كثيرة تتمخض منها جميعا سعي المستعمر الدائم من أجل إيجاد الأرضية المناسبة للتدخل في شؤون الشعوب لاستغلالها لا لخدمتها كما يتصور البعض ، وان أهم الثغرات التي تسهّل له عملية التسلل إلى ساحات الشعوب هو الجهل والفراغ الفكري في صفوف ابنائها ، والضعف الاقتصادي مضافا إلى طغيان الظلم والتعسف وسلب أمن المواطنين ، فهذه العوامل المهمة تؤدي إلى قبول الشعوب ـ بعد فقدان عناصر قوتها ـ بأي بديل ينجيهم من عذاب أليم .

ولقد رأينا الشعب العراقي في ضل البعث كيف استعدّ للتعامل مع الشيطان من أجل الخلاص من صدام حسين ، وها نحن جميعا نرى البديل بكل جبروته وشعاراته ، كما نرى تغيير نوع المأساة بقدومه ، ولو دققنا النظر في الوجبة الجديدة من المعاناة لرأينا كيف يحاول المخلّص بألاعيبه المتضادة احكام الطوق السحري في عنق الشعب بترويجه فعالية الرُّق