مقتربات للمشروع السياسي العراقي

 1921-2003

 

الدكتور سليم الوردي

  

 

 

المُقَدِّمَة

 

حين تحدّثتُ إلى عدد من الأصدقاء عن موضوع الكتاب، انصرف ذهنهم إلى أنه يبحث في المشروع السياسي القادم، ويستشرف آفاقه. وأحسستُ أنهم يشفقون على الجهد "الضائع" الذي أُنفِقه، لأنني أركض وراء سراب. وحينَ أنبأتهم أنه يبحث في المشروع السياسي السابق (1921-2003) ازدادوا استغراباً، وعدّوه ضرباً من البَطَر. فضلاً عن أنه ينكأ جراحاً لم تندمل بعد.

بقيتُ في حيرة من أمري، فالبحث في المشروع السياسي السابق ضرب من البَطَر، واستشراف المشروع السياسي القادم ركض وراء سراب! وقدّرت أن كلتا الرؤيتين ترتويان من معين واحد تحكم مرارة الظروف الراهنة مذاق مائه، وما تفرزه من مشاعر العبثية واللاجدوى، والاستسلام للأقدار. وخشيت على نفسي من الانزلاق إلى وهدة العدمية تحت تأثير هذه المشاعر المتأزمة والرؤى السوداويّة. ولأحصّن نفسي إزاءها، مضيت بإصرار أكبر في تأليف الكتاب.

لا أحد ينكر تعقيدات المشهد السياسي الراهن، تشابك عناصره وتداخل ألوانه، حتى ليبدو أن من الصعب على المرء أن يفتح كوّة ينظر منها إلى المستقبل. وليس أمام الباحث والحالة هذه إلاّ اللجوء إلى تفكيك المشهد إلى عناصره الأولية ، والتحرّي عن جذورها في المشروع السياسي السابق. فهي ليست وليدة هذا اليوم. وكل ما فعله الظرف الراهن، هو تحريك البِركة السياسية للمجتمع العراقي، بعد ركود دام عقوداً طويلة. ودفع بالانقسامات المستقرّة في قاعها، فطفت على السطح. وتحت تأثير الإعصار الذي يعصف بها، تتلاطم أمواجها، ويكثر زَبَدُها. ولهذا فإنّ من المجازفة إصدار الأحكام واستشراف المستقبل بدلالة الزَبَد الذي تفرزه أمواجها المتلاطمة.

تصيب ضبابية الأحداث ومأساويّتها الكثير من النخب المنوّرة بالذهول، ويشعر بعضهم أنه يرزح تحت وطأة كابوس رهيب، ينتظر من يوقظه منه. وذلك لأن وعيه السياسي نشأ وترعرع في رحاب أحلام وردية، صَوّرت له أن بلوغ الفردوس قاب قوسين أو أدنى!

نحن والحالة هذه غير قادرين على استشراف المستقبل، إن لم نَعُد إلى أصول الأشياء والظواهر، ونتحرّى عن العلائق السببية التي حكمت حركة المجتمع العراقي، ومسيرة مشروعه السياسي في القرن الماضي. عندها تتكشّف لنا حقائق الأشياء، وينجلي الضباب الذي يلفّها.

لا نستهدف من الرجوع إلى الماضي، استعراض أحداثه أو استذكارها، لأنها لا تزال ماثلة في ذاكرتنا. بل لنعيد قراءتها برؤية جديدة، في ضوء النهاية المأساويّة التي آل إليها المشروع السياسي السابق. ولن تجدي القراءة الجديدة إذا بقيت العدسات المشوَّشة على عيوننا وطبع النعامة يحكم اتجاه رؤيتنا. فلطالما غضضنا الطرف عن الانقسامات والتناقضات التي لا تروق لنا، ووجدنا أن من العيب الاستماع إلى مفرداتها وتداولها، لأنها كانت تخدش مفاهيمنا الوطنية و "التقدميّة". وإذا بنا قد استيقظنا ذات يوم، لنجد تلك الانقسامات قد استشرت، وراحت تلوّن بصبغتها نسيج المجتمع العراقي. وبتنا نتحرّج في طرح مفاهيمنا تلك، وكأنها تعود إلى ما قبل التأريخ!

أدرك أن أطروحات الكتاب قد تستفزّ مشاعر بعض القرّاء، ولربما وجد في بعضها تجاوزاً على الإرث النضالي للشعب العراقي، وتضحياته الجسام. كنت وأنا أسوّد صفحات الكتاب محاطاً بمشهد ضحايا المشروع السياسي العراقي، وهي تنسل من دياجير قبورها، تناشدنا أن نحاسب هذا المشروع. إن من حق حملة الأسهم محاسبة مجلس إدارة الشركة حين يخفق في تحقيق عوائد مجزية لأسهمهم. فما بالك بمن وظّف حياته في المشروع السياسي، وخسرها ... ألا يحقّ له محاسبة هذا المشروع! وعسى أن يتّعظ روّاد المشروع السياسي الآتي فيقتصدوا في إراقة الدم العراقي، فلا يسرفون في هدره عبثاً، بحجّة أن العراقيين "مشروع دائم للاستشهاد"!

إن العلل التي يعانيها الوعي لا تعالَج بالتربيت عليها، بل بأسلوب الصدمة. ولو اعتمد خطابنا إلى مجتمعنا أسلوب الصدمة، لما أخذتنا صدمات الغير بَغْتة وشلّت حركتنا. فالمدرّب الماهر، يوطِّن الملاكم على الصدمات ليكسبه المناعة إزاء لكمات الخصم في حلبة الملاكمة، فلا يصاب بالذهول، وتشلّ ردود فعله.

اعتاد الكتّاب على التوجه إلى الناقدين والقرّاء المهتمّين، لإبداء ملاحظاتهم النقدية لأطروحات الكتاب. أما بقدر تعلّق الأمر بهذا الكتاب فإن هاجسي لا ينصبّ في المقام الأول على الكتاب نفسه، بل على الموضوع الذي يتناوله. ففي طرح قضايا الشعوب ومصائرها، ينبغي أن لا تستغرق رجال الفكر نزعاتهم الأنويّة، فتتحوّل إلى ميدان يستعرضون فيه عضلاتهم المعرفية، ويستقتلون في الدفاع عن أطروحاتهم، متناسين قضيّة الشعب التي يتناولونها. لهذا أرجو أن تتّخذ ملاحظات الناقدين ووجهات نظرهم شكل المشاركة في تناول موضوعة المشروع السياسي العراقي وإشكاليته، لتمثّل إضافة قيّمة تساهم في تفكيك المشهد السياسي الراهن، وتُلقي حُزمة من الضوء على المستقبل السياسي للعراق.

كان بودّنا أن يضمّ الكتاب بين دفّتيه مساهمات لرجال فكر آخرين، فمديات البحث في المشروع السياسي العراقي أوسع من أن يحيط بها يراع واحد، بيد أن قنوات التواصل والاتصال بين رجال الفكر هي الآن في حدودها الدنيا بسبب الظروف التي تكتنفنا. إن تناول المشروع السياسي العراقي هو بحد ذاته مشروع بحثي كبير. وما هذا الكتاب إلا دعوة لوليمة بحثية كبيرة، لا نطيق تحمّل تكاليفها الباهظة بمفردنا. وما نقدر عليه هو ثمن "المقبلات" التي ينطوي عليها الكتاب.

 وختاماً، أود أن أعبّر عن امتناني للصديق العزيز، المفكّر: عبد الرحمن طهمازي، الذي واكب إعداد الكتاب خطوة فخطوة، بدءاً من أول مقال نشرته في جريدة "النهضة" في تموز 2003، حين شخّص فيه مخططاً لمشروع كتاب، وصولاً إلى مراجعة مسودته النهائية، وإبداء ملاحظاته القيّمة، المقترنة بحماسته لموضوع الكتاب.

ولا أدري كيف أصوغ شكري لولدي الحبيب زيد، وهو بضعة منّي. فقد كان ساعدي في تلبية المستلزمات الفنّية لتهيئة الكتاب للطبع، بدءاً من تنضيده على الحاسوب، إلى تصميم غلافه، ومتابعة شؤون طبعه. فضلاً عن ملاحظاته حول مادة الكتاب التي كنت أفيد منها، بحكم كونه القارئ الأول.

 

 

Text Box: ‏كانون الثاني‏
2005

 

 

 



 

مُقتَرَبٌ مَدخَليّ

 

1-1 توطئة

نَشرتُ في جريدة "النهضة" [1] مقالاً تحت عنوان: "هوامش على المشروع السياسي العراقي". أعقبته بعدد من المقالات تتناول جوانب مختلفة لهذا المشروع. وأشار عليّ بعض الأخوة المهتمين، بالتوسع في تناول الموضوع، نظراً لأهميته وحيويته في المرحلة الراهنة التي يتهيأ فيها المجتمع العراقي لإعداد مشروعه السياسي القادم.

وحين تأملت الموضوع، أدركت أكثر فأكثر أبعاده المتشابكة، وانتصبت أمامي المشكلة التي يواجهها الباحثون في تعيين حدود البحث التي يفترض أن يتوقفوا عندها، وإلا تحول إلى "قصة لا تنتهي" إذا فُتحت أبوابه لكل ما يعنّ للباحث من مواضيع ذات علاقة.

انهار المشروع السياسي السابق الذي عمّر 82 عاماً. ونحن الآن في طور الإعداد للمشروع السياسي القادم. ولأن الرحم التي حملت المشروع السياسي السابق، هي نفسها التي ستحمل المشروع الآتي، يترتب علينا أن نضمن له أن يولد صحيحاً معافى، قادراً على مواجهة المتغيرات الحادة والسريعة، ونكفل الجنين بالرعاية، منذ أسابيع الحمل الأولى، لكل ذلك يتطلّب الأمر الوقوف على علل الوليد السابق، ومتاعب الرحم التي حملته، ولماذا عجز عن مواجهة الحياة.

 

1-2 المشروع

قد تخلق مفردة "المشروع" لبساً لدى القارئ، لما لها من مدلولات لغوية ومصطلحية  مختلفة. فالفعل شَرَعَ يعني لغةً: سدّد وصوّب واستهدف، والمشروع: المستهدَف، ولكنه اصطلاحاً يعني المخطّط أو المصمّم له. واعتمدنا مفردة "المشروع" بدلالة مجازية، لإغراض البحث.

ونقصد بالمشروع: رؤية مؤملة، يُشرع بتحقيقها عبر صيرورة مستمرة. وينتهي المشروع إما بتحقيق هذه الرؤية وبلوغ الأهداف المؤملة، أو بالإخفاق في تحقيقها بسبب انهياره. فالجنين في رحم أمه يظلّ مشروعاً لحين ولادته. عندها إما أن يولد حيّاً أو ميتاً. وفي الحالتين تسجِّل الولادة نهاية المشروع، نجاحاً أو إخفاقاً.

لم تكن مفردة "المشروع" تخطر على بالنا قبل 9 نيسان 2003. بيد أن الزلزال الذي أطاح بالدولة العراقية، واجتثّها كما تَجتثّ الأعاصير الشجرة المنخورة، يطرح أسئلة كبيرة، لا تتعلّق بنظام حكم البعث فقط، بل ببنية الدولة العراقية عموماً. لأن الدولة تستمد وجودها وآليات عملها من المجتمع ومؤسساته. تطورها وتخلفها  يعبّران عن تطور أو تخلف المجتمع، بصفتها أهم مؤسسات بنائه الفوقي. فإن تخلفت الدولة عن المجتمع ودرجة نضجه، تمكن الأخير من تقويضها واستبدالها بمؤسسة تستجيب -بأساليب وآليات حكمها- لمستلزمات تطوره. وقد أخفق المشروع السياسي العراقي في إنجاز هذه المهمة بقواه الذاتية، فتصدّى لها العامل الخارجي (الاحتلال الأجنبي). والجدير بالذكر أن ولادة الدولة العراقية جاء على أثر الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الأولى، لأن فكرة تأسيس دولة مستقلة لم تكن مطروحة في ظل الحكم العثماني. وجاء انهيارها على يد احتلال أجنبي أيضاً في نيسان 2003.

استهدف المشروع السياسي العراقي في بدايته تأسيس دولة دستورية عصرية وعلى أسس ليبرالية. وقد طفت على سطح المشروع في صفحاته الأولى بعض الملامح الليبرالية الهشّة. ولكنها بدل أن تسجّل خطاً بيانياً متصاعداً -كما هو مألوف- سجلت خطاً بيانياً تنازلياً. فمن دستور دائم إلى دساتير مؤقتة، ومن تعددية حزبية إلى حكم الحزب الواحد، ومن حكم نخبة متمدنة، إلى حكم نخب بذهنية ريفية. ومن حكم لا تهيمن عليه عصبية بعينها على نحو سافر، إلى حكم عصبيات: مناطقية، عشائرية، أسرية وصولاً إلى حكم العائلة.

إن مسيرة الحكم الوطني التي امتدت من سنة 1921 إلى 2003، لم تكن في حقيقة الأمر إلا مشروعاً لولادة دولة عراقية عصرية، وكان مآله الإجهاض. وفي ضوء هذه الرؤية نستخدم مصطلح "المشروع السياسي العراقي"، وبما يحمله من مدلولات مجازية.

 

1-3 المنظومة

 يمثّل مفهوم "المنظومة" محطّة منهجية محورية في هذا الكتاب لمسوغات سنتناولها لاحقاً. ومع حرجي من زجّ القارئ الكريم في مفاهيم ومصطلحات يتطلّب استيعابها خلفيات معرفية متخصصة، أجد أن لا مفر من استخدامها، إذ تمثّل مدخلاً منهجياً كبير الأهمية. لذا أتوجه إلى القارئ بالرجاء أن يجود علي بشيء من الصبر ريثما يقف على ما أرمي إليه.

يقصد بالمنظومة System مجموعة من العناصر المترابطة فيما بينها على نحو يؤهلها لأداء وظيفة/وظائف معينة. الكون والطبيعة والمجتمع إنما هي مجموعة لا تُعدّ ولا تحصى من المنظومات. ويكمن سر تقدّم الإنسان في اكتشافه عمل هذه المنظومات من أجل استثمارها لصالحه وتفادي آثارها السلبية. لا شيء في الحياة يعمل خارج منظومة ما، سواء اكتشفنا ذلك أم لا. جسم الإنسان منظومة تتفرع إلى عدة منظومات مترابطة فيما بينها، نسميها بالأجهزة: الجهاز الهضمي، و العصبي والعضلي، والتنفسي، والبصري والسمعي وغيرها. والسيارة هي أيضاً منظومة تتفرع إلى منظومات: ميكانيكية، وكهربائية، وإليكترونية، مثل: منظومة الوقود، والاستدارة، والتعشيق، والسيطرة، والتوقف، والتشغيل الخ.

الخلل في أي من هذه المنظومات يؤثر في المنظومات الأخرى، ودرجة فاعليتها. وقد تستمر السيارة في حركتها رغم وجود عطل في أحد عناصر منظومتها. وقد يستبدل أحد الأجزاء بمادة احتياط جديدة، بما يؤدي إلى تحسين المنظومة التي ينتمي إليها، ولكن منظومات السيارة الأخرى قد لا تستجيب بفاعلية لنشاط المنظومة المحدَّثة، بسبب اندثارها مثلاً، ولعل ذلك يزيدها اندثاراً. وينطبق هذا على الإنسان، فقد تنشط إحدى منظومات جسمه، كما يحدث مع اللاعبين حين يركزون على منظوماتهم العضلية والحركية، من دون مراعاة المنظومات الأخرى للجسم، مما يؤثر سلباً فيها. وكم من لاعب تميّز بلياقات عضلية وحركية، ولكن على حين غرة يموت بالسكتة القلبية مثلاً، وهو لا يزال في ريعان الشباب.

وعلى هذا، ينبغي أن لا نقيّم المنظومة بدالّة أحد عناصرها فقط، وأن لا نتوهم أن مجرّد ترميم عنصر فيها من شأنه أن يعالج مشاكل فاعلية المنظومة على وجه العموم. وعلى سبيل المثال نحن لا نذهب إلى الميكانيكي إلا إذا أصاب السيارة عطل ما. وقلّة منّا تراجع طبيب الأسنان لإدامة أسنانه. وأكثرنا يراجعه عندما تعتلّ إحدى أسنانه ولا يطيق تحمّل الألم الذي تسببه. وذلك لأننا لا ننظر إلى أسناننا بوصفها منظومة، بل بوصفها أسناناً متفرقة، فلا نُعنى بها أو نُديمها.  ويفوتنا أن السنّ العليلة تُصيب بالأذى الأسنان الأخرى، وقد لا تنتهي المشكلة باقتلاع السنّ العليلة. فضلاً عن إن منظومة الأسنان تؤثر في منظومات الجسم الأخرى، كما تتأثر بها.

 اعتدنا على التعامل التجزيئي مع الأشياء ومع عناصر منظومات حياتنا المختلفة وبضمنها المنظومة السياسية. وقاد ذلك إلى:

أ- غياب الحكم الدقيق والموضوعي على المنظومة بأكملها.

ب- الإمكانية المحدودة لمعرفة مواطن ضعف المنظومة وقوتها الحقيقية.

ج- سيادة أسلوب ردود الفعل في التعامل مع المشاكل التي تواجه واحداً أو أكثر من عناصر المنظومة.

د- ضعف استيعاب علاقة المنظومة بالبيئة المحيطة وقنوات التفاعل و التأثير المتبادل فيما بينها.

هـ- وفي الحصيلة النهائية ضعف السيطرة على  المنظومة ممّا يؤدي إلى ضعف فاعليتها.

 

في ضوء ما تقدّم نحن ننظر إلى المشروع السياسي العراقي بوصفه منظومة من العناصر المُتأثرة فيما بينها، وإن اختلفت في مواقعها ودرجة تأثيرها. ولا تقتصر -بتقديرنا- عناصر منظومة المشروع السياسي على الحاكمين، بل على المحكومين أيضاً، أفراداً وطبقات  وطوائف وتيارات سياسية. ويمثّل المشروع السياسي حصيلة تفاعل تناقضات المجتمع بأسره. وتتجلى فاعلية المنظومة السياسية في قدرتها على معالجة هذه التناقضات، وتفادي تفجّرها على الأقل. وأضع النبرة على هذا المفهوم لكي لا يرى أي منّا نفسه بمنأى عن هذا المشروع واتجاهات صيرورته، سواء أ كنّا واعين لنتائج مواقفنا أم لا، موافقين أم معارضين، صامتين أم متمردين، مصفّقين أم متصدّين.

إن واحدة من أخطر إشكاليات وعينا السياسي: حكمنا على المنظومة من خلال أحد عناصرها. ويخيّل لنا -على أساس ذلك- أن معالجة أمر هذا العنصر يكفل إصلاح المنظومة بكاملها، ويفوتنا أن فساد هذا العنصر لا يحدث من تلقاء ذاته، إنما بسبب خلل في المنظومة. وعلى الرغم من سلسلة العمليات الراديكالية لإصلاح أهم عناصر منظومة المشروع السياسي العراقي: السلطة السياسية، سارت المنظومة من سيئ إلى أسوأ، وآلت إلى ما آلت إليه.

لأجل هذا كله نضع النبرة على مفهوم المنظومة، في تقييم المشروع السياسي العراقي، على أمل أن نتخلّص من المداخل التسطيحية في تقويم الأحداث والتيارات والرموز السياسية، التي هي عناصر هذا المشروع.

 

1-4 إطلاق الأحكام

حرصنا -قدر الإمكان- على تفادي إطلاق الأحكام على القوى والتيارات السياسية التي شاركت في المشروع السياسي العراقي، لأننا لسنا في موقع يبيح لنا توزيع أحكام الإدانة والتبرئة.

وانصبّ التقييم على أهم القوى السلطوية التي توالت على دست الحكم وذلك لأنها انكشفت أمام التأريخ والمجتمع، وبانت الهوّة بين البرامج التي كانت تبشّر بها، ونتائج سلوكها السلطوي. فالسلطة تمثّل الاختبار النهائي للقوة السياسية التي تتسنّمها. فترسب أو تنجح أو تكمل. أما القوى السياسية التي لم يقيَّض لها قيادة نظام الحكم فلا تمثّل أخطاؤها أو سوء تقديراتها إلا اختبارات اعتيادية، لا يصحّ أن تبنى عليها أحكام قاطعة. لأنها لم تمرّ بالاختبار النهائي: كرسي الحكم ... وربما لحسن حظّها. ولهذا كان من المنطقي أن تحتل حقبة نظام حزب البعث مساحة واسعة  في الكتاب لأنها استغرقت زهاء 43% من عمر المشروع السياسي العراقي.

ثمّة من يرى أن حكم البعث مجرّد كابوس مر به المجتمع العراقي، أو مرحلة طارئة نشأت عن قفز حزب البعث إلى السلطة في غفلة من الزمن، وغير ذلك من الرؤى التي يراد بها غض الطرف عن دراسة هذه الحقبة، وإقصاؤها عنوة عن المشروع السياسي العراقي. وجاء قانون "اجتثاث البعث" يتناغم مع هذه الرؤية، إذ يصوِّر الأمر بالنبتة الضارّة التي ما أن تجتثّ حتى يعود كل شيء إلى حاله الطبيعي.

وتحظى هذه الرؤية بالقبول لدى أوسع قطاعات الشعب، بسبب الدمار والآلام التي خلّفها نظام البعث، ولا يمكن لذاكرة المجتمع نسيانها لأجيال قادمة. بيد أن الباحث الحصيف ينبغي أن لا ينقاد إلى هذا المزاج الانفعالي فتكون أحكامه واستنتاجاته ردود فعل تفقده البوصلة العلمية في تقييم الأمور. إن النظرة التبسيطية والتسطيحية للظواهر تحرمنا من الوقوف على حقائقها وجذورها، وتبقى الغشاوة على أعيننا فلا نرى مواطن الضعف في مشروعنا السياسي السابق، والأسباب الحقيقية التي أدّت إلى انهياره.  

 

 

 

1-5 بين التبرير والتنوير

 تكرَّس الإعلام بعد 9 نيسان 2003 لتعرية النظام الصدّامي، والكشف عن أشكال وممارسات طغيانه، وهو أمر مطلوب. ولكنه لم يسلّط الضوء على السؤال الكبير: كيف قُيّض لمثل ذلك النظام أن يشغل زهاء 43% من عمر المشروع السياسي العراقي.

من السهل أن تدين المجرم، إذا كانت جريمته بيّنة لا مِرية فيها، ولكن من الصعب على المعتدى عليه الكشف عن مواطن الضعف فيه التي يسّرت للمعتدي تحقيق عدوانه. لأن الأمر -عندها- يتطلّب  مواجهة صريحة مع النفس، وجرأة في الكشف عن مواطن تقصيرها. وتقاس حيوية المجتمع بقدرته على مواجهة نفسه.

وينتصب هنا دور الفكر التنويري، لينهض بدور الطبيب الذي يشخّص علّة المريض ويصارحه، حتى ولو استوجب الأمر استخدام مبضع الجرّاح، لا أن يقتصر دوره على وصف دواء لتسكين وتخفيف آلامه، بينما يستشري المرض في جسده. أيحتاج مجتمعنا إلى عقاقير تسكين وحسب. وهل يُعذر الطبيب إذا أخفى على مريضه حقيقة علّته ... ألا ينحرف الإعلام إذا سلك هذا السبيل عن دوره التنويري، إلى دور تخديري.

إن من يخشى مواجهة نفسه يتعذّر علية تجاوز واقعه، والانطلاق بجرأة نحو واقع أفضل. فالاقتصار على ملامسة المشكلة من خارجها، وتناول أعراضها من دون الغوص في جوهرها، يمثّل إشكالية خطرة.

 

1-6 المصالحة

يتنادى الخيّرون من أبناء الشعب العراقي إلى "المصالحة الوطنية". وهي دعوة نبيلة ولا ريب، بل ومتطلّب أساس لإرساء قواعد المشروع السياسي القادم. ولكن هذه الدعوة تظلّ هدفاً عائماً إن لم نقف على مواطن الخصومة في مشروعنا السياسي السابق. فكيف يوصف الدواء قبل أن تُشخّص العلّة! ولا ننسى أن بعض العقاقير تخفف آلام المرض ولكنها لا تعالجه. فهل يُراد "للمصالحة" المنشودة أن تكون عقاقير مخفِّفة للآلام وحسب، أم لمعالجة العلّة نفسها[2]. ومن هنا تنشأ تساؤلات عدّة، تمثّل الإجابة عنها مدخلاً عقلانياً للمصالحة.

 

التساؤل الأول: هل يُراد للمصالحة أن تكون مرحلية تُزيل مآسي الماضي القريب، أم مصالحة استراتيجية تضع العراق على أعتاب انعطافة في مسيرته؟ فإن جاءت في إطار "العفو عمّا سلف" فلن تتجاوز في آثارها ونتائجها قرارات العفو عن الهاربين من الخدمة العسكرية، التي لم تعالج يوماً ما أسباب الهروب من الجيش. ولذا كانت ظاهرة الهروب تتفاقم  وتستفحل على الرغم  من تواتر قرارات العفو، التي هي في طبيعتها نوع من المصالحة.

 

التساؤل الثاني: هل ستقتصر مديات المصالحة على الصفحة الأخيرة من المشروع السياسي السابق، أم تمتد لتستوعب فصوله المتعاقبة كافة. المسرحية لا تستوعب بمشاهدة فصلها الختامي، وإن انطوى على ذروتها، لأن ذلك يعرّض حبكتها للهدر. فما عسانا أن نفهم من الفصل الأخير لمسرحية "مجنون ليلى" حين نشاهد قيس بن الملّوح وهو هائم على وجهه في مقبرة على سفح جبل، وهو ينشد "جبل التوباد حيّاك الحيا". أو المشهد الأخير لمسرحية "هاملت" حين نرى أجساد هاملت وأمه وعمه الغدّار تتهاوى على المسرح! الأشياء لا تُقيّم من حيث انتهت وحسب، بل من حيث بدأت، وكيف آلت إلى نهاياتها.

 

التساؤل الثالث: هل نحن أمام فرقاء اختصموا نسعى إلى مصالحتهم والتقريب بين وجهات نظرهم، أم أن الأمر أعمق غوراً؟ وهذا هو ما يتطلّب منا وقفة جادة وتشخيص جريء، لا تستغرقه مشاغل توزيع التهم وإصدار أحكام الإدانة والتبرئة. فلهذه العملية حقلها الخاص، ولا تمثّل لب المعضلة. فمعالجة المجرم هي العقاب. بيد أن تصحيح البيئة الاجتماعية التي خلقت منه مجرماً يبقى هو الأساس. وبخلافه يظلّ المجتمع يلد مجرمين، وتواصل المقصلة عملها إلى ما شاء الله!

 

التساؤل الرابع: المصالحة بين من ومن، وعلى ماذا؟ إن السخرية هي أن نتصالح قبل أن نضع أيدينا على الموضع الحقيقي للخصومة. هل ستنصب المصالحة على خصومات مضت، أم أخرى لا تزال قائمة أم لتفادي خصومات مقبلة؟

إننا سنبتسر المصالحة إذا افترضنا إنها تنصبّ على خصومات الماضي وحسب، في حين يفوتنا أن انقسامات الحاضر إنما هي امتداد لعثرات الماضي. ألا  يبدو غريباً أن نتصالح على خصومات مضت، بينما نختصم في الوقت عينه على الحاضر والمستقبل!

 

التساؤل الخامس: ألا تمثّل الخصومات التي نخرتنا، وما زالت، تجلّيات لخصومة أكبر: بيننا مجتمعين من جانب، وبين الوطن من جانب آخر، من حيث النتيجة على الأقل. خصومة بين مداخل وعينا للوطنية، والوطن المبتلى بنا؟ فكلّ عصبة منّا ترى نفسها الممثّلة الوحيدة للوطنية، ومن لا يمرّ إلى الوطنية إلا عبر مدخلها هي، يُعدّ مارقاً من الوطن. ألا ترون أن الخصومة تكمن هنا، ومن العبث أن نتقصّى عنها في مواضع أخرى. وإلا فسنتصالح في ميادين، وتجري الخصومة الفعلية في ميدان آخر!

 

ويترتب على ما تقدّم حقيقة مهمة، علينا إدراكها بعمق: هي أن الوطن يوحِّد. وحين تجيء سياساتنا -مهما أطَّرها حبّ  الوطن والوله به- مُفرِّقة أبناءه، فذلك دليل على وجود خلل في رؤيتنا للوطنية وعلاقتنا بالوطن. ويجدر بكل القوى السياسية والتيارات الاجتماعية أن تمسك بهذا المعيار، سواء في مراجعة برامجها أو رسم سياساتها الحالية والمستقبلية. ولا مصالحة حقيقية مع الوطن، إلا برؤية نقيّة واضحة سمحة للوطنية. وفي ضوء هذا الاعتبار يمثّل الوطن والوطنية، المحور الأساس في هذا الكتاب.

 

1-7 الكشف عن العلل

تنصب أطروحات هذا الكتاب على عناصر المشروع السياسي العراقي. وهو في حقيقة الأمر رد فعل على الخطاب السياسي العراقي الذي  ألف التركيز على العوامل الخارجية من دون أن يولي دراسة المجتمع العراقي وإشكالياته البنيوية الاهتمام اللازم. ومن علل هذا الخطاب إلقاؤه الضوء على "الآخر"، وحجب عيوبه ومواطن ضعفه، إذ يرى فيها عورات يجدر التستّر عليها. ونلاحظ أن أغلب الأدبيات والبرامج السياسية تركّز على الاستعمار ومؤامراته وتخرّصاته. لا أدري متى دخلت مفردة الاستعمار في قاموسي، ولكن لدي شعور أني أعرفها منذ الولادة، ولعلنا جميعاً ورثناها في ثنايا خارطتنا الجينية! وكم يمسّ شغاف قلوبنا مونولوج الفنان الفذ عزيز علي "كلّه منّه". ألا يفترض بخطابنا السياسي أن يسائل نفسه: منذ عقود ونحن نسلّط الضوء على الاستعمار والصهيونية ونكشف عن طبيعتهما ومؤامراتهما، ولكنهما رغم ذلك يعززان مواقعهما ويتعاظم نفوذهما في موطننا .... ألا يملي ذلك علينا إعادة النظر بهذا الخطاب؟! هل يُقضى على الفيروسات والجراثيم والطفيليات التي تهدد حياتنا إذا هتفنا بسقوطها؟ لقد سيطرنا على طفيلي "حبة بغداد" الذي شوّه وجوه أجيال من العراقيين، من دون أن نتظاهر ونهتف بسقوطه.

إن الظواهر السياسية بأشكالها وتجلّياتها المختلفة، إنما هي إفرازات لواقع المجتمع العراقي، تناقضاته وإشكالاته البنيوية. وإذا غُيِّبت هذه الحقيقة عن وعي المجتمع سيظل يفتّش عن العلل خارجه، ويغفل العلل التي يعانيها. وإذا ما توخّينا إعادة تشكيل الوعي السياسي للمجتمع العراقي ووضعه في المدار الصحيح، فلا مفرّ من دراسته بعمق.

 

1-8 راهنية المشكلة

لا يكشف الكتاب للقارئ عن وقائع وأحداث وبيانات جديدة. وبهذا المعنى لا يمثل إضافة إلى مكتبة التاريخ السياسي للعراق المعاصر. كما أن التاريخ لا يمثّل حقلاً لتوجهاتي البحثية، لأنني لا أتوفر على العدّة التي تؤهلني للتصدّي إلى موضوعاته. لهذا فأنا لا أتصدّى للبحث في المشروع السياسي العراقي، بوصفه مرحلة تاريخية انصرمت وانتهت، بل بوصفه مسيرة لا نزال نعيش تداعياتها ونعاني تناقضاتها الحادة. إن ما نسميه بالمشروع السياسي القادم، إنما هو في حقيقة الأمر، نهوض المشروع السياسي السابق من كبوته، ليتخذ له منطلقات جديدة، ويتوسل بأساليب واقعية، تعصمه من المطبّات التي وقع فيها سابقاً.

 

 

 

1-9 عنوان الكتاب

قد يُطرح السؤال: لماذا استخدمنا عنوان "المشروع السياسي العراقي"، ولم نستخدم عنوان "المشروع الوطني العراقي"، مع أن الكتاب يتناول موضوعة الوطنية العراقية بتجلياتها المختلفة.

وللإجابة عن هذا السؤال، من المجدي أن نميّز بين "الوطنية العراقية" و "المشروع السياسي العراقي"، بين ما هو موضوعي، وما هو ذاتي. فالوطنية العراقية -على الرغم من ولادتها المتعسّرة- تحولت بعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1921 إلى واقع موضوعي. وجاء المشروع السياسي العراقي -الذي يمثّل العامل الذاتي- فتصدى لإدارتها، ورسم سياسات تطورها. وعلى هذا النحو بدأت العلاقة الجدلية المعقّدة، بين ما هو موضوعي، وما هو ذاتي.

ولو أننا استخدمنا عنوان "المشروع الوطني العراقي" لحكمنا على الوطنية العراقية بدالّة المشروع السياسي الذي تكفّل بها. هذا المشروع الذي وقع في الكثير من المطبّات، حتى آل إلى نهايته المأساوية. كرّسنا لموضوعة "الوطنية العراقية" المقترب الثاني من الكتاب. وتناولنا في مستهله مفهوم "الوطنية". وقد يتراءى لكثير من القرّاء أن هذا الطرح نافل لا ضرورة له ... فمن  ذا يجهل معنى الوطنية!

لا أكتم القارئ أنني واجهت مشقّة في هذا المقترب. فما أصعب أن تتولّى إيضاح ما يتراءى للجميع أنه واضح بداهة، ولا يحتاج إلى طول تفكّر. ولعل واحدة من إشكاليات وعينا السياسي أن فضاءه يعجّ بالبديهيات والمسلّمات، التي تغرينا بإصدار الأحكام القاطعة .. . أما آن الأوان أن نعيد التفكّر بهذه المسلّمات، ونتقصى عن لوحات دلالة جديدة تعيننا في السعي إلى أهدافنا؟

أثبتت سلسلة الأحداث والنتائج لمشروعنا السياسي أن رؤيتنا للوطنية، لم توفَّر لها حاضنة تتكفل برعايتها بل تركتها في العراء تحت قيظ الصيف وبرد الشتاء. والدليل على قصور رؤيتنا للوطنية، أننا احتربنا من أجلها، ولا نزال. كل منّا يعتقد أنه أحق من الآخر بها. وبدلاً من أن تكون عاملاً للمّ الشمل، حوّلناها عامل تفريق وتشتيت.

 

 

1-10 الإرادوية

لم يعدم المشروع السياسي العراقي قيادات قوية ذات بأس وعزيمة وإرادة. سواء على مستوى السلطة أو القوى السياسية المعارضة. ولم يعدَم البرامج الإصلاحية لتطوير المجتمع العراقي .... فلماذا إذاً أصيب المشروع بنكسة إثر أخرى!

ثمة ذهنية سيطرت على المشروع، طَموحةٌ في أهدافها، رومانسية في جوهرها، وتجلّت في سياسة حرق المراحل، ومحاولة قطف الثمرة قبل نضجها. وهو ما تعارفت عليه الفلسفة، وعلوم السياسة والاجتماع: "بالإرادوية"، التي تؤمن أن عماد التحوّل الثوري إنما هو توفّر الإرادة في التغيير، وبصرف النظر عن توفّر الإمكانات الموضوعية لحدوثه من عدمه.

ولأن "الإرادوية" مثّلت -باعتقادنا- العمود الفقري للمشروع السياسي العراقي، وجدنا من المجدي إلقاء حزمة من الضوء على مدلولات "الإرادوية" وتداعياتها في المشروع السياسي العراقي، ونتائجها العدمية التي أنهَكت المشروع، ودفعت به حثيثاً إلى نهايته.

 

1-11 الوعي السياسي

يلعب الوعي دوراً فاعلاً وخطيراً في حركة المجتمع. وهو وإن يعدُّ انعكاساً للبيئة الاجتماعية وما يحصل فيها من تغيّرات، يتّصف باستقلالية نسبية. فهو لا يردف التغيرات بصورة تلقائية ومباشرة، إذ يتطلّب الأمر مدّة من الزمن -قد تطول أو تقصر- ريثما يتمثّل الوعي تلك التغيرات ويستوعبها. وينطبق ذلك على الوعي السياسي. فحين يُمهَّد للتحولات، يسهل على الوعي تقبلها، وخلافه يتعسّر تفاعله معها.

وهنا تكمن جدلية ولادة وتكوّن الوعي السياسي العراقي المعاصر. فقد انهمرت عليه التحولات السياسية بسرعة، في فترة زمنية قصيرة، بعد سبات استغرق مئات السنين. ففي بحر زهاء عقدين من الزمن عاش أحداثاً عاصفة لم يَعش ما يماثلها خلال قرون، في كهف الجهالة العثماني. وولدت هذه السرعة المفاجئة في توالي الأحداث إشكاليتين في وعيه السياسي. تتمثّل الأولى في استسهال عملية التغيير السياسي، والثانية في الخوف والتوجّس من الخارج. وذلك لأن التغيرات السريعة التي حدثت، ما كان لها أن تحدث لولا العامل الخارجي (الاحتلال البريطاني للعراق إبّان الحرب العالمية الأولى). وتجلّى ذلك في نشوء نظرية "المؤامرة" في خبايا وعيه، مما جعله يرنو بنظرِهِ دائماً إلى الخارج، يترقّب تخرّصات العدو الأجنبي. بينما أغفل دراسة تناقضات وانقسامات المجتمع العراقي، التي تُمثّل -في حقيقة الأمر- المنفذ المواتي لتمرير مؤامرات الأجنبي.

والجدير بالإشارة في هذا الصدد، أن أطروحات  عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، أحدثت صدمة في الأوساط الفكرية. وانصبّت عليها سهام النقد من اليمين، ومن اليسار. لأنها لامست تناقضات المجتمع العراقي وانقساماته، ولتقاطعها مع ثوابت الثقافة التي كانت تُكرّسها القوى السياسية في أذهان الناس، والتي تُصوّر الشعب على أنه Taboo له قدسية خاصة، يحُرّم المساس بها، حتى وإن كان ذلك على حساب دراسته والكشف عن تناقضاته وانقساماته.

حظي الدكتور علي الوردي بقاعدة واسعة من القرّاء، لم يحظ بها أي رجل فكر آخر في العراق المعاصر. ولكن اللافت للانتباه أن أياً من برامج الأحزاب والتيارات السياسية لم ينوّه بهذه الأطروحات. ويمكن تلخيص هدف رسالته الموجّهة لطلائع المجتمع العراقي، أن: إقرأوا مجتمعكم .. . فلن تفلحوا في قيادته إلى بر الأمان، إن لم تضعوا يدكم على علله، وتكشفوا له عنها. وعلى هذا النحو تعيدون تشكيل وعيه وتضعونه في المدار الصحيح.

ولإدراكنا خطورة الدور الذي لعبته اتجاهات الوعي في المشروع السياسي العراقي، كرّسنا له المقترب الرابع.

 

1-12 تقييم المشروع

دأبنا على تقييم فصول المشروع السياسي العراقي، بشكل منفرد ونسبنا كل فصل إلى رمز سياسي معيّن: العهد الملكي بنوري السعيد، والعهد الجمهوري بمشاهده الثلاثة: بعبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، وصدّام حسين. بيد أن المشروع بكامله لم يُخضع للتقييم: وكأن كل فصل ومشهد منه كان يتأسس على فراغ. متناسين أن كل فصل ومشهد، إنما كان يؤسس للفصل وللمشهد اللاحق.

ثمة قوانين كانت تحكم المشروع بأسره. وما تلك الفصول و المشاهد إلا أعراض يتجلّى خلالها فعل تلك القوانين. إن الاكتفاء بوصف الرموز السياسية لتلك العهود، والكشف عن مواصفاتها الشخصية ونزعاتها السلطوية، مع إغفال دراسة البيئة الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها، إنما يشفّ -في حقيقة الأمر- عن خمول معرفي. فالمعرفة الحقيقية الجادة تتطلّب النفاذ في ماهيّة الظاهرة عبر أعراضها. وتختنق إذا سُجنت في قيض[3] الأعراض، حين يتيه الباحث في وصف تنوع الأعراض، بينما يغفل ماهيتها، ويهدده في مثل هذه الحالة خطر فقدان البوصلة لدى إصداره الأحكام على الأحداث والظواهر والرموز السياسية.

كما ويعبّر ذلك من جانب آخر عن التهرّب من مسؤولية المطبّات التي مرّ بها المشروع السياسي، وتُعلّق على شمّاعات جاهزة. وتتبرأ كل عناصر المشروع السياسي وترمي المسؤولية على كاهل تلك الرموز.

لأجل هذا كرّسنا المقترب الخامس والأخير لتقييم المشروع السياسي العراقي للسنوات 1921-2003 بكامله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المُقْتَرَب الثْاني

الوَطَن، الوَطَنيَّة، وإشْكالِيَّة المُوْاطَنَة

 

2-1 ملاحظات أولية

الوطن، الوطنية والمواطنة، مقولات يصعب إخضاعها للتحديد الدقيق، لأنها تعبّر عن مجموعة متشابكة من المتغيرات. وما يبدو مُتّفَقاً عليه من مواصفات للوطنية والمواطنة، إنما هو -في حقيقة الأمر- إطار عريض، وقد يتحوّل إلى نسيج هش وسياج متهاوٍ يسهل اختراقه في ظروف معيّنة، بينما يشكّل في ظروف ومقومات أخرى سوراً حصيناً يتعذّر اختراقه.

الوطن حقيقة أساسية في حياة الإنسان، واقع مُعاش ومتغيّر، يشكّله أبناؤه، يزدهر أو ينتكس من خلال علاقاتهم. الوطن ليس مجرّد فكرة رومانسية نتغزّل بها، وننشد لها الأناشيد الحماسية. إنما هو نبتة تنمو وتترعرع إذا ما تولاها المواطنون بالرعاية. فكيف احتضن مشروعنا السياسي السابق هذه النبتة، وكيف تأسست العلاقة بين المواطن والوطن في كنفه؟ خاصة أن هذه العلاقة لا تتأسس في فراغ، بل عبر مؤسسة الدولة.

 

2-2 مفهوم الوطن

لو طُرح سؤال على أي منّا: ما هو الوطن؟ سيجد صعوبة في الإجابة عنه. ولعل البعض سيورد تعاريف عاطفية، لا تتجاوز في مضمونها قول الطفل لأبويه: "أحبكما بقدر البحر". وإذا ما استعنّا بالمصادر القانونية فسنقف على تعاريف لمصطلحات ومفاهيم تتعلّق بتجلّيات الوطن: مثل السيادة الوطنية ومواصفات المواطنة .. الخ. وإذا عرّجنا على الأدبيات السياسية فسنجدها تتوسع في مصطلحات مثل: القومية، والأمة، والشعب، والوطنية .. الخ.  أمّا حظ مصطلح "الوطن" من التعريف، فيكاد لا يذكر، مع أنه جذر أغلب المصطلحات أعلاه.

استغرقتنا طيلة مشروعنا السياسي السابق فكرة واحدة في علاقتنا مع الوطن: هي "الشهادة"، سواء على حدوده أو في ربوعه. وغُرست في الوعي الاجتماعي فكرة: أن العمل الوطني يرتبط بالتأهب الدائم للشهادة، و تحمّل التعذيب والسجون والتشرّد. ولأن فكرة الشهادة هي التي هيمنت على فهمنا للوطنية، انحسرت متطلباتها الأخرى المتعلّقة ببناء الوطن وتقدّمه، وما يترتّب على ذلك من واجبات المواطنة وحقوقها.

لهذا علينا إعادة فحص رؤيتنا لمفهوم "الوطن"، عندها يتّضح أكثر فأكثر، ماله علينا، وما لنا عليه.

 

2-3 أبعاد الوطنية

الوطن ليس مفهوماً مسطّحاً ذا بُعد واحد، بل هو مفهوم بثلاثة أبعاد: الأرض، والشعب والتأريخ. ومن خلال هذه الأبعاد الثلاثة يتجلّى "الوطن" بوصفه ظاهرة متغيّرة.

يتمثّل البعد الأول في الأرض (الجغرافية السياسية) إذ ترتسم أمامنا لدى الحديث عن الوطن خارطة العراق السياسية كما هي الآن. أما البعد التاريخي فيتمثّل في الأقوام التي استوطنت أرض الرافدين، وأنشأت عليها حضاراتها. إلى جانب الحضارات الأخرى التي وَجدت هنا امتداداً لها: مثل الحضارة الفارسية والعثمانية. وتمثّل الحضارة العباسية محوراً أساسياً في الامتداد التاريخي لعراق اليوم، للاعتبارات أدناه:

أ- إنها أقرب الحضارات المزدهرة تاريخياً إلى عراق اليوم. فلا يفصلنا عنها إلا زهاء سبعة قرون. ولا نزال إلى الآن نستنشق أجواءها عبر الكثير من شواخصها المتناثرة في بيئتنا العراقية.

ب- تمثّل الحضارة العباسية واحدة من أطول الحضارات التي قامت في وادي الرافدين عمراً (زهاء 500 سنة).

ج- رفدتها حضارات وثقافات الكثير من الأقوام الذين دخلوا الإسلام أو أخضعوا له.

د- انفتحت على الحضارات والثقافات السابقة: كالهندية والفارسية والسريانية وخاصة الإغريقية. وشهدت مرحلة ازدهارها حركة ترجمة واسعة إلى العربية من اللغات الأجنبية، لم تشهد الحضارات السابقة لها مثيلاً. فضلاً عن كونها البيئة التي احتضنت مختلف المذاهب والمدارس الفقهية الإسلامية، والتيارات الفلسفية.

هـ- مثّلت بغداد وقتذاك مركز الحضارة العالمية.

و- الوشائج التي تربط عراق اليوم بالحضارة العبّاسية أقوى من أيّة وشائج مع الحضارات الأخرى التي قامت في وادي الرافدين: سواء تلك التي سبقتها، أو التي أعقبتها. وتتمثّل في محورين أساسيين متداخلين، هما الإسلام والثقافة العربية. ولم تتمكن أي من حملات الغزو والسيطرة التي تعاقبت على أرض الرافدين إثر انهيار الدولة العباسية (في القرن الثالث عشر) من القضاء على أي من هذين المحورين.

 

2-4 جدلية البعد التاريخي

يترك التاريخ الحضاري لكل أمة بصماته على حاضرها. بيد أن أثر هذه البصمات وفاعليتها لا يتحققان على نحو ميكانيكي بمعزل عن ظروف وشروط الحاضر. وهنا تكمن جدلية البعد التاريخي للوطن. وبسبب عدم استيعاب هذه الجدلية تنشأ رؤى مختلفة لعلاقة حاضر الأمة بتاريخها، تصل أحياناً حد التقاطع والتنافر. فمنها ما يبالغ في أثر هذا البعد وفاعليته بصرف النظر عن ظروف وشروط الحاضر ومنها ما يتّخذ منحى معاكساً، فيلغي أثر التاريخ، ويبقي الحاضر رهيناً في قيض شروطه وظروفه.

ثَمة فكرة تتلبّس الوطنية العراقية، تتمثّل في الإيمان بامتداد جذورها إلى الماضي السحيق، وصولاً إلى حضارات وادي الرافدين المبكّرة. وقد يتراءى للبعض أن تحليل الشفرة الجينية للفرد العراقي المعاصر، لربما كشفت عن جينات مشتركة مع سرجون الأكدي، حمورابي، نبوخذنصر وآشور بانيبال.

عندما نقف على هضبة هذا التراكم الحضاري العظيم، ألا يحقّ لنا أن نرنو بكبرياء وأنف متعالٍ إلى أمم حرمت من مثل هذا الإرث الحضاري، إذ لا تمتد جذورها إلا لقرون معدودة خلت. ولا تتوفر على عُشر ما لدينا من رصيد تاريخي مثل: الأمة البريطانية "المسكينة" ووليدها "الهجين"، الأمة الأميركية!

لا نقول هذا، على سبيل السخرية والتهكّم. ففي ضوء هذه الرؤية فسّر صدام حسين حملة عداء الولايات المتحدة الأمريكية المستحكم للعراق: على أنها ناشئة عن عقدة تاريخية تعانيها إزاء العراق، بسبب افتقارها إلى الرصيد الحضاري التاريخي الذي يتوفر عليه، مقابل سلف تاريخي بائس للولايات المتّحدة الأمريكية يتمثّل بالهنود الحمر! وعلى هذا النحو اختزلت أسباب الخصومة إلى "الغيرة والحسد" اللذين تكنّهما الولايات المتحدة الأمريكية إزاء ما يتوفّر عليه العراق من إرث حضاري ثر!

 

2-4-1 توظيف التأريخ

من حقّنا أن نحنّ إلى ماضينا المشرق ونفخر بتأريخنا على النحو الذي نشاء، أما أن نطلب من الآخرين أن يعاملونا على أساسه، فهذا محض هراء.

يروي الصحفي المصري محمّد حسنين هيكل في إحدى مقالاته، عن لقاء له مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية هنري كيسنجر في أعقاب حرب تشرين 1973. وقبل بدء الحوار طلب إليه كيسينجر أن لا يحدّثه عمّا يسمّى "بالأمة العربية" ولا عن "تأريخها" فهما لا يمثلان له قيمة سياسية ملموسة، يمكنه التعامل معها، ولينصرف الحديث إلى البلدان العربية، كل على انفراد. وفي عشيّة حرب الخليج الثانية التقى وزير خارجية العراق طارق عزيز بوزير خارجية أمريكا، جيمس بيكر. وعندما راح طارق عزيز يتمشدق أن الولايات المتحدة الأمريكية ستواجه بلداً تمتدّ حضارته آلاف السنين، استوقفه بيكر قائلاً: إذا دخل العراق الحرب فسيعود إلى مجتمع ما قبل الصناعة.

إن مواجهة حضارات اليوم الفاعلة برومانسية تاريخية صرف، إنما هو سلوك "دونكيشوتي"، لا يجر إلا إلى الكوارث ... وهذا ما حدث!

التأريخ لوحده لا يبوّئ أية أمة موقع الصدارة في عالمنا المعاصر. فهو لا يعدّ في أحسن الأحوال أكثر من ثروة طبيعية ترقد في أعماق الأرض، لا تمثّل قيمة إلا إذا اكتشفت. فكيف وإن للآخرين قصب السبق في اكتشاف تأريخنا القديم وثرواتنا الطبيعية!

 

2-4-2 استنطاق التأريخ

التأريخ لا ينطق من تلقاء نفسه، بل يُستنطق. فكيف يُستنطق ولأي هدف؟
الويل للتأريخ إذا تولّى استنطاقه جهاز أمني، واقتسره على الاعتراف أو الإدلاء بشهادة "كشاهد ما شافش حاجة"، وعلى النحو الذي يلبّي رغبة هيئة التحقيق، فيبرّئ المذنب ويدين البريء.

العلاقة مع التأريخ علاقة تفاعل، ولا يكفي لخطب ودّه واسترضائه، إطلاق أسماء رموزه على الشوارع والمدارس والمحافظات. وكما يقول المفكّر قسطنطين زريق:

 

"نخطئ إذا اعتقدنا أن التأريخ ينقاد إلينا انقياداً يسيراً"[4]

 

التأريخ ليس غانية تعرض نفسها لإمتاع من يدفع أكثر، بل امرأة محتشمة تنتظر من يخطب ودّها، ويُعرِب عن نواياه  في إنشاء علاقة صميمية وشريفة معها. تستجيب لمن هو كفء لها وجدير بها. التأريخ ليس مساحيق ماكياج لتزيين الوجوه القبيحة، ولا جرّاح تجميل يعالج تجاعيد الشيخوخة. وحتّى إن أقسر على ذلك، يتعذّر عليه أن يعيد الشباب والحيوية إلى الجسد الهرم. "فلا يصلح العطّار ما أفسد الدهرُ".

فكيف نتفاعل مع التأريخ إذا أردنا أن يكون جزءاً منّا وأن نكون امتداداً له، وأن يكون عاملاً فاعلاً في رسم هويتنا الوطنية. فخلاف ذلك سنكون عبئاً عليه، ويكون هو عبئاً علينا. يمثّل الدرس للطالب الكسول والمتقاعس عبئاً ثقيلاً، ويمثّل هو أيضاً عبئاً على الدرس. وينطبق ذلك على العلاقة بين المجتمعات الراكدة و تأريخها الحضاري، حين تتحوّل إلى عبء على التأريخ والتأريخ إلى عبء عليها.

حين استعرت الحرب بين العراق وإيران في الثمانينات وظّف الإعلام العراقي الرموز التاريخية لمعركة القادسية مثل: سعد بن أبي وقّاص، والقعقاع، وأبي محجن ... وغيرهم. وصبّت الجماهير المنكوبة جام غضبها على هذه الرموز التي لم يستأذنها أحد في زجّ أسمائها في الحملة الإعلامية.

يخطئ من يتصوّر أن التفاعل مع التأريخ تحكمه وشائج القربى والنسب فقط. وقد يبدو غريباً القول: أن الوشائج بين رصيدنا الحضاري التاريخي وحضارة العالم المعاصر، هي أقوى من وشائج النسب التي تربطنا به. إن غربتنا عن تاريخنا هي علّة غربتنا عن الحضارة المعاصرة. وكلّما ازداد تفاعلنا الصميم مع تأريخنا الحضاري اقتربنا وتفاعلنا مع الحضارة المعاصرة.

مع من تتفاعل وتتواشج شريعة حمورابي: أمع مجتمعات يسودها القانون، أم مع مجتمع تحوّل إلى مقبرة للقانون! وابن خلدون المفكّر العربي الإسلامي الفذ، مع من يتفاعل أكثر: أمع مجتمعاتنا التي لا تزال تحكمها العصبيات، أم مع الحضارة الأوربية المعاصرة؟ ويتناول الدكتور علي الوردي في كتابه "منطق ابن خلدون"[5] أسباب عدم اهتمام الفكر العربي الإسلامي بمقدمة ابن خلدون، ويمكن إيجاز تفسيره في الآتي:

أ- ظلّت مقدمة ابن خلدون مهملة في الرفوف لا يقرأها أحد إلا نادراً، من غير شرح أو تفسير طيلة القرون التي أعقبت وفاته. بخلاف ما حدث لغيرها من المؤلفات المشهورة في الإسلام. وذلك لأن الحضارة الإسلامية دخلت بعد ابن خلدون في عصورها المظلمة ، وأصبح الناس يهتمون بشؤون النحو والصرف والبيان والبديع، أكثر مما يهتمون بشؤون الواقع الاجتماعي.

ب- بذر ابن خلدون بذرة علمه الجديد، آملاً أن تنمو بعده، وما درى أن بذرته لن تجد الظروف الملائمة لنموها.

ج- لم يبدأ الاهتمام بالمقدمة في البلاد العربية إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وقد انتقلت إلى البلاد العربية من أوربا شأن سائر "الموضات". بل واستغرب العرب اهتمام الأوربيين المفرط بها. ومن طريف ما يروى أن الشيخ محمد عبده بعد عودته من المنفى عام 1888، أخفق في إقناع شيخ الأزهر بتدريس المقدمة في الأزهر.

د- حين نقارن بين أحوال المجتمع العربي في أيام ابن خلدون، وأحواله في أيامنا، نجد شبهاً كثيراً. وهنا تأتي أهمية دراسة علم الاجتماع الخلدوني في مدارسنا الحديثة.

وأخيراً نتساءل: إذا قُدّر لابن خلدون أن يبعث في أيامنا هذه، إلى من سينتمي: أإلى الحضارة التي اعتمدت مذهبه مرجعاً لنظرياتها في علم الاجتماع والتأريخ، أم إلى مجتمعنا العربي، الذي أهمل "مقدمته"ولا يزال يتخبّط في دياجير العصبية القبلية، رغم مرور ما ينيف على ستة قرون على صدور "مقدمته"؟

 

 

 

2-4-3 صميمية العلاقة مع التأريخ

ثمّة إشكالية في عمق صميميتنا مع التأريخ. فنحن من أكثر الأمم حديثاً عن تأريخها، وتفاخراً بمآثره، وتغزّلاً برموزه. بينما يقابل ذلك من جهة أخرى تعامل فجّ مع آثار حضارة العراق. وينسحب ذلك على الحاكمين والمحكومين. وأدناه بعض تجلّيات ذلك:

1- استخدام طابوق الآثار في بناء البيوت والمنشآت الحديثة. إن الطابوق الذي بنيت به سدّة الهندية استخرج كلّه من خرائب بابل. وقد استخدم الديناميت من أجل ذلك. إذ كان يوضع في قصور بختنصر لنسفها واستخلاص الطابوق منها[6]. وبني العديد من البيوت في مدينة سامراء من طابوق جامع المتوكّل الكبير. وهُدم باب المعظم وهو أحد أبواب سور بغداد العبّاسي وشُيدت قاعة الملك فيصل الثاني عليه لاحقاً. وأصبح "الباب الوسطاني" لسور بغداد مقلعاً للطابوق. ويذكر السيد حسن العلوي أن وزارة المالية حفاظاً على حقوق الخزينة، رأت أن تضع مواد الباب في المزايدة العلنية. ومن المعروف أن أرشد العمري أمين العاصمة كان وراء معظم عمليات هدم الآثار العربية العباسية التي لم تمتد إليها يد المغول والتتار والأتراك[7].

 

2- التمادي  في انتهاك حرمة الآثار في عهد صدام حسين، ومن شواهده.

أ- تغليف آثار بابل بطابوق نقش عليه اسم "صدام حسين" والذي يعني طمس تلك الآثار. واختزلت آثار بابل إلى مسارح لإقامة مهرجان سنوي[8].

ب- تحوير خان مرجان الأثري، الذي يعود تأريخه إلى العهد الجلائري في القرن الرابع عشر، إلى مطعم سياحي. ومما يثير الانتباه أن الفرق الموسيقية التي تعزف في المطعم كل أمسية، تطلق ألحانها عبر مكبرات صوت تصمّ الآذان، غير آبهة باستغاثة روّاد المطعم، وكأنها تتعمّد تصديع جدران وسقف المبنى!

ج- في مقال للدكتور المهندس إبراهيم علي تراب، الذي كان يعمل استشارياً في الدائرة الهندسية في ديوان رئاسة الجمهورية في عهد صدّام حسين، يروي بعض اللقطات عن الطمر المتعمّد للآثار. فقد عُثر أثناء بناء القصر الرئاسي في محافظة بابل على لقى أثارية كثيرة، بضمنها مومياء من العهد البابلي. وحين أعلِم ديوان الرئاسة بذلك، جائت الإجابة: الاستمرار بالعمل وطمر هذه الآثار تحت التلّة الصناعية للقصر. وقد حدث ذلك أيضاً لدى إنشاء القصر الرئاسي في الرضوانية ببغداد سنة 1987[9].

تنفق الدول الأموال الطائلة للتنقيب عن آثارها، أما نحن فنطمرها حين نعثر عليها على سبيل المصادفة! 

3- التصرّفات غير اللائقة للمواطنين في المواقع الآثارية. لعلّ ابسطها التقاط الصور الفوتوغرافية للطلبة -أثناء سفراتهم المدرسية- وهم يركبون على ظهر "أسد بابل". في سفرة إلى اليونان في بداية الستينيات، زرت آثار الأكروبوليس في أثينا. حين تعبت جلست على صخرة منـزوية. فتوجّه إليّ أحد حرّاس الموقع وعنّفني. أدركت في حينه أن تصرّفي مثّل إهانة لآثارهم.

4- وأخيراً، حوادث "الفرهود" المأساوية التي طالت متحف الآثار العراقي في نيسان 2003، وأدّت إلى نهب عشرات آلاف القطع الآثارية. لقد فُسّرت هذه الكارثة: أنها من تدبير مافيات دولية، أو بسبب تقاعس القوات الأمريكية في حماية المتحف، أو لتصفية حسابات وثارات مع العراق من قبل بعض الجهات ... إلى غير ذلك. لا تلغي كل هذه التفسيرات بصرف النظر عن درجة موثوقيتها، حقيقة أن المتحف ما كان له أن يُفرهَد من دون تسهيلات قدّمها العراقيون، ومشاركتهم. إن وعي المجتمع العراقي لم يرقَ إلى مستوى يرى في آثار حضاراته أهم كنوزه الخالدة، بينما ثرواته وموارده الطبيعية آيلة إلى النضوب، وإلا كان سيجد وسيلة لحمايتها كما حدث في مدينة النجف الأشرف إبّان العمليات الحربية. ونَقلت قناة "العالم" الفضائية في حينه مشهداً مؤثراً: حين اصطف أبناء النجف النشامى سداً منيعاً يذودون عن مرقد الأمام علي (ع) ويمنعون القوات الأمريكية من الاقتراب منه، وهم ينادون بإنكليزية ركيكة " City O.K. Imam Ali no".

 

2-5 الشعب محور الوطن

يمثّل الشعب المحور الأساس للوطن. فلا وطن من دون شعب. فبدالته ينشأ الوطن. جزيرة روبنسون كروزو لم تكن وطناً حتى نزل إليها روبنسون كروزو، واستوطنها. ولم يشعر حاجة إلى إعلان سيادته عليها حتى جاءه فرايدي "جمعة". عندها أصبح روبنسون كروزو السيد الحاكم و "جمعة" العبد المحكوم. وعلى هذا النحو أخذت سيادة كروزو على الجزيرة بعدها الداخلي. وعندما هجم قوم "جمعة" لاستعادته وقتله، تصدّى لهم كروزو، معلناً البعد الخارجي لسيادته على الجزيرة. الوطن، هو السيادة إذاً، ببعديها الداخلي والخارجي. وبضعف أو قوة أي من البعدين، يضعف أو يقوى البعد الآخر.

والآن، بعد أن تناولنا البعد التاريخي للمواطنة العراقية، يترتب علينا تناولها ضمن أطرها المعاصرة. أي بالارتباط مع نشوء الدولة العراقية الحديثة، وبسطها لسيادتها على المستويين الوطني والدولي. ويمثّل 23 آب 1921 يوم إرساء الحجر الأساس للدولة العراقية، حين توّج فيصل ابن الشريف حسين ملكاً على العراق. وبتقديرنا، إن المشروع السياسي العراقي خرج إلى النور في ذلك التاريخ. وتمثل الأحداث التي سبقته -وبضمنها ثورة العشرين- مقدمات وممهدات لقيام هذا المشروع.

 

 

2-5-1 هلامية الوطنية

كانت الوطنية العراقية أثناء الحكم العثماني وحتى بدايات القرن العشرين مفهوماً هلامياً، من دون معالم واضحة. فقد كان العراق موزعاً إلى ثلاث ولايات (بغداد، الموصل و البصرة). واتصف الحكم العثماني -على الرغم مما كان يبدو عليه من مركزية مفرطة- بالتسيّب كلما بعدت الوحدات الإدارية عن المركز. وكانت قبضة الدولة العثمانية تضعف تدريجيّاً، حتى تكاد تتلاشى في الأطراف القبلية التي لا تشدّها إلى المركز إلا خيوط واهية: ولاء شكلي، تحكمه بين الحين والآخر حملات تأديبية لجباية الضرائب. ولم توفَّق السلطة المركزية في إدارة الاتحادات العشائرية إلا من خلال استعداء بعضها على البعض الآخر، موظِّفة في ذلك التراث البدوي الذي يحكم  سلوك تلك القبائل.

وعلى هذا النحو لم تكن تشدّ المجتمع العراقي إلى الحكم العثماني روابط متينة. فلا لغة مشتركة، ولا تاريخ مشترك، ولا مصلحة اقتصادية. واقتصرت الرابطة الوحيدة على الانتماء الديني المشترك، بوصف الدولة العثمانية حامية حِمى الإسلام من خطر الكفّار. ولكن ضعف الأواصر بين المجتمع العراقي والحكم العثماني، لم يكن كافياً لوحده لبذر بذرة الوطنية العراقية. وتشير الدلائل إن فكرة الانسلاخ عن الدولة العثمانية لم تكن مطروحة حتى قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914.

يشير الدكتور عبد الله فيّاض في مؤلفه "الثورة العراقية الكبرى" إن فكرة القومية بمفهومها الحديث لم تكن واضحة في أذهان المشتغلين في الحركة الوطنية حتى بدايات القرن العشرين. ويعود ذلك -بتقديره-  إلى تغلغل الروح الإسلامية في نفوس معظمهم. ويؤيد ذلك أن مؤسسي حزب العهد، وغالبيتهم من العراقيين أدرجوا في منهاج حزبهم:

 

"إن غاية الجمعية، السعي وراء الاستقلال الداخلي للبلاد العربية على أن تكون متّحدة مع حكومة استنبول، على غرار اتحاد النمسا والمجر. وإن الجمعية ترى بقاء الخلافة الإسلامية وديعة مقدّسة بيد آل عثمان".

 

كما ويروي الكاتب عن سليمان فيضي عندما أوفد إلى الموصل من قبل جمعية البصرة الإصلاحية سنة 1913، قوله:

 

"إن المؤمنين بالقضية العربية قلائل، وإن المشتغلين فيها أقل، والنـزعة الدينية التي يتميّز بها أهل الموصل تقف حائلاً بينهم وبين التمرّد على الدولة العثمانية ذات الصبغة الإسلامية و الخلافة المقدّسة" [10].

 

وفي تقييمه لنشأة الوطنية العراقية يقول الزعيم الوطني كامل الجادرجي في مذكّراته:

 

"قبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، وأثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال العهد العثماني، لم يكن هناك مظهر بارز لحركة وطنية حقيقية في العراق"[11].

 

ومما يؤكد غلبة المشاعر الدينية لدى العراقيين وقتذاك، موقف المرجعيات الدينية من الغزو البريطاني لجنوب العراق في بداية الحرب العالمية الأولى، واستثارتها همم الجماهير للذود عن حِمى الإسلام ضد الكفّار. وأبلت قوات المجاهدين بلاءً حسناً، وفي مقدمتهم المراجع الدينية، في جبهات: الشعيبة، غابة البرجسيّة، صخريجة ومزيرعة، وعلى أبواب الأهواز لتهديد الإنكليز في شط العرب. وقُدّرت أعداد المجاهدين بين 10-15 ألف مقاتل، بينهم 1500 مجاهد من الأكراد[12].

ويُستنتج من موقف العراقيين هذا، غياب النيّة عندهم للانفصال عن الدولة العثمانية، وإلا كانوا سينتهزون حربها مع الإنكليز، للانقضاض عليها والانفصال عنها.

 

2-5-2 ثورة العشرين

تمثّل "ثورة العشرين" الرحم التي احتضنت نطفة الوطنية العراقية. ويبقى تناول موضوعة "الوطنية العراقية" ناقصاً، إن لم يعالج، من حيث النشأة والتطور، في إطار ثورة العشرين. ويتجاوز الاهتمام بثورة العشرين مشاعر الاعتزاز بتراثنا  الثوري، إلى إلقاء الضوء على تأسيس المشروع السياسي العراقي، وتفسير مجرياته اللاحقة.

تناول العديد من الكتّاب والباحثين، العراقيين والأجانب، ثورة العشرين وتباينت وجهات نظرهم في تقييمها من حيث الأسباب والنتائج[13]. ورأى بعض الكتّاب في ثورة العشرين امتداداً لروح التمرّد القبلي ضد الحكومة المركزية.

لا يمكن -في حقيقة الأمر- إغفال روح التمرّد القبلي كعامل في اندلاع ثورة العشرين. بيد أن من الخطأ الحكم على مغزاها التاريخي بدالّة هذا العامل وحسب. إن الاطلاع على الخارطة السياسية والديموغرافية لأحداث ثورة العشرين يوضّح أن روح التمرّد القبلي، لم يمثّل إلا ظرفاً مؤثراً في اندلاع الثورة، وليس العامل الأساسي الذي يحكم مغزاها التاريخي. ولتفادي التأثر بعاطفتنا الوطنية في الحكم على ثورة العشرين، دعونا نستنير بالوقائع التي أورَدها عدو ثورة العشرين: السر أرنولد ويلسون وكيل الحاكم  الملكي العام في عهد الاحتلال البريطاني، في كتابه: "الثورة العراقية" [14] ولا ننتظر أن تأتي أحكامه متحيزة لها. يتبيّن من الكتاب أن أحداث ثورة العشرين شملت معظم مناطق العراق، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. كما أنها  تزامنت خلال قرابة الأربعة أشهر، اعتباراً من شهر أيار حتى أيلول سنة 1920. وساهمت فيها تلاوين المجتمع العراقي، وتقسيماته الدينية والطائفية والقومية، وفئاته المختلفة.

هل من المسوّغ أن نختزل ظاهرة بمثل هذا الاتساع والتنوع من المشاركة، إلى مجرّد تمرّد عشائري. وهل تنطبق نظرية ابن خلدون عن العصبية القبلية على هذا الحدث الكبير؟

وعلى الرغم من أهمية العامل الديني والدور القيادي المؤثر للمرجعيات الدينية في تحريض الجماهير واستنهاضها، لا يجوز أن نعّد ثورة العشرين ذات طابع ديني، لأنها لم تطرح برنامجاً دينياً للحكم. ولم ترتكز الثورة أيضاً إلى برامج قومية ووحدوية، باستثناء كون الثورة عُدّت أحد روافد الثورة العربية التي كان يقودها الشريف حسين في الحجاز.

وجدير بالتنويه استطلاع للرأي قام به المؤرخ العراقي الراحل السيد عبد الرزّاق الحسني للفيف من زعماء الأحزاب التي دعمت الثورة في بغداد، وعلماء الدين الذين غذّوها بفتاواهم وكتاباتهم، ورؤساء العشائر التي تولّت القتال، عن أسباب ثورة العشرين وفق تقديراتهم[15].

وتجمع إجابات السادة الذين استطلعت آراؤهم، على الطبيعة الوطنية التحررية لثورة العشرين، ومن دون أن يغلب أحد العوامل الثلاث: الديني، العشائري، والقومي، على العاملين الآخرين. ويستأثر بالانتباه إن إجابات المراجع الدينية لم تُشر إلى أن الثورة طرحت برامج دينية.

لقد وثّقت ثورة العشرين مطلب العراقيين بتأسيس كيان سياسي مستقل لهم. ووجدت الإدارة البريطانية أن أسلوب المماطلة في منح الاستقلال السياسي للعراقيين أصبح مكلفاً. وقَررت السماح بتأسيس دولة لهم، وإن كان تحت وصايتها. وعلى هذا يُعدّ يوم 23 آب 1921 يوماً مشهوداً في تاريخ العراقيين حين تأسس ولأول مرّة في تاريخهم كيان سياسي مستقل تحت اسم العراق. ولم يسبق أن شهد تاريخ الممالك والخلافة كياناً سياسياً يحمل هذا الاسم[16].

 

2-5-3 نضج الوطنية العراقية

إن تأكيدنا على الطابع الوطني التحرري لثورة العشرين، ينبغي أن لا يقودنا من جانب آخر إلى المبالغة في نضج الوطنية العراقية وعمق جذورها، فنسبغ عليها من الصفات والأبعاد، ما لم تنطوِ عليه فعلاً. وقد أفرز مسار المشروع السياسي العراقي لاحقاً من الأعراض ما يُرجّح أن الوطنية العراقية في ثورة العشرين كانت في طورها الجنيني.

إن الثورات لا تقيّم فقط من خلال مجريات أحداثها واندفاعات أبطالها، لما يكتنف أيامها من رومانسية ثورية مشبعة بالأهداف السامية. فمن يسترخص حياته وأمواله من أجل المُثل العليا، يتخلّى في سلوكه عن الغرائز الأنانية والمصالح الفردية. فمرحلة التحول الثوري تقع خارج التاريخ والزمن، ويعدّ مناضلوها أقرب للملائكة منهم إلى البشر. ولكن ما أن تنتهي تلك المرحلة، حتى يعودوا إلى مجرى الحياة الاعتيادية. وحين تبدأ مرحلة الاستحقاقات ترى من السلوكيات الأنانية العجب العجاب. وتُفاجأ بالرجل الذي كان مستعدّاً أن يدرأ بصدره السهم المعادي عن صاحبه، يوجّه إليه الطعنة الغادرة بدم بارد. حتى يخيّل للكثيرين أن الثورة نكصت على أعقابها. والحقيقة أن فرسان الثورة هبطوا من سماء المُثل إلى أرض الواقع، وعاودوا سلوك البشر. وهنا يكمن سر حنين الشعوب إلى رومانسية مرحلة التحوّل الثوري، كما يحن المرء إلى طفولته البريئة، والشيخ إلى أيام عرسه "كلّما ضامه الضيم".

في ضوء ذلك يمكن تفسير السلوك السياسي للقوى والزعامات التي شاركت في ثورة العشرين، والمعبّرة عن رؤاها المتباينة للثورة وآفاق تطوّرها. كما ويمكن فهم تناقضات واختناقات المشروع السياسي العراقي، وفي المقدمة منها: إشكالية المواطَنة. وبدلاً من أن تمثل هذه الرؤى روافد لإغناء الوطنية العراقية، طفت على السطح بعد إقامة الدولة العراقية الفتية، على شكل انقسامات حادّة داخل المجتمع العراقي. وقد عبّر الملك فيصل الأول عن قلقه بشأن تلك الانقسامات في مذكرة كتبها إلى مجموعة من خلصائه قبل وفاته. جاء فيها:

 

"في هذا الصدد، وقلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت. فنحن نريد -والحالة هذه- أن نشكل من هذه الكتل شعباً، نهذّبه وندرّبه ونعلّمه. ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في هذه الظروف، يحب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل"[17].

 

هذا هو تقييم مؤسس الدولة العراقية للوطنية العراقية عبر معايشته لها 12 عاماً. وحين كنّا نقرأ هذا الكلام قبل عقود، كنّا نجد فيه شيئاً من التعسّف بحق الشعب العراقي. أما اليوم فإنه يسلّط الضوء على إشكالية بنيوية عميقة عاناها المشروع السياسي العراقي، ودفعت به إلى نهايته الدراماتيكية.

 

 

2-5-4 الوطن كمقولة سياسية

الوطن كمقولة سياسية لا يأخُذ أبعاده الفعلية إلا في إطار كيان سياسي مستقل: الدولة ذات السيادة الوطنية. وتجربة المجتمع العراقي مع مؤسسة الدولة مريرة للغاية، خاصة عبر زهاء سبعة قرون، تعاقبت على حكمه دول أجنبية محتلّة، عمّقت إلى حدّ بعيد الغربة بينه وبين مؤسسة الدولة. وبعد حياة التحضّر في كنف الخلافة العباسية (نحو خمسة قرون) تكرّست فيه من جديد حياة البداوة الذي مثّلت له خط الدفاع الأخير إزاء مؤسسة الدولة الأجنبية المستبدّة.

بيد أن الأمر اختلف بعد تأسيس دولته الوطنية التي أراق في سبيلها الدم. وترتّب على الكيانات القبلية -التي كانت تتصرّف في ظل الحكم الأجنبي بهامش لا يُستهان به من الاستقلال عن الدولة- أن تصهر عصبياتها العشائرية في عصبية كبرى: هي "العصبية العراقية"، وما يترتب عليها نتيجة ذلك من مستحقات. وهكذا وجدت الكيانات العشائرية نفسها كالمقتول بفتواه. ومن هنا انبثقت الإشكالية الكبرى، التي أقضّت مضجع مؤسس الدولة العراقية التي عبّر عنها في قوله أعلاه. وستظل هذه الإشكالية تسم بميسمها المشروع السياسي العراقي وإن ظهرت بلبوس مختلفة.

للوطنية في الأمم المعاصرة معياران أساسيان: الوفاء بضريبة الدم، وضريبة المال. فمن خلال الجيش تبسط الدولة المستقلة سيادتها الوطنية وتدافع عنها إزاء التدخّل الأجنبي. ومن خلال الفرض الضريبي تبسط الدولة سيادتها الداخلية على شعبها. وعلى هذا النحو يتحقق البعدان الداخلي والخارجي للسيادة الوطنية.

ويسلط هذان المعياران -بتقديرنا- الضوء على جوانب مهمّة في تطور الوطنية العراقية، والإشكاليات التي عانتها عبر صفحات المشروع السياسي العراقي.

 

2-5-5 ضريبة الدم

بقدر تعلّق الأمر بالجيش العراقي فقد تأسس كما هو معروف في 6 كانون الثاني سنة 1921 على أساس تطوّعي. وسعى الملك فيصل الأول إلى تطبيق الخدمة الإلزامية، فلم يوفّق في مسعاه خلال حياته. إذ واجه معارضة شديدة من بريطانيا، وعدم تعاطف من العشائر العراقية،  لأن تقوية الجيش كان يعني إضعاف قوة العشائر إزاء الدولة. وهذا ما كانت تخشاه. وكان الملك فيصل الأول يعرب عن شديد امتعاضه وشكواه لضعف الدولة من حيث التسليح مقارنة بتسليح العشائر حين يقول:

 

"إن الحكومة أضعف من الشعب بكثير. ولو كانت البلاد خالية من السلاح لهان الأمر. لكنه يوجد في المملكة ما يزيد عن المائة ألف بندقية، يقابلها 15 ألف حكومية"[18].

 

وبعد أن عيل صبره عَقد في 30 أيار 1933 قبيل وفاته، مؤتمراً في البلاط الملكي أكّد فيه ضرورة السيطرة على الأمن الداخلي والخارجي. ثم طالب جعفر العسكري (وزير الدفاع) بضرورة تطبيق الخدمة العسكرية الإجبارية. وقد وقف وكيل المعتمد السامي ضد هذا الرأي، وأيده في ذلك نوري السعيد. ولم يصدر قانون الدفاع الوطني إلا عام 1934، بعد وفاة الملك فيصل[19].

وعلى وجه العموم لم تحظَ الخدمة العسكرية الإجبارية بارتياح المجتمع العراقي. ويقول الدكتور علي الوردي بهذا الصدد:

 

"لا مراء أن سواد الشعب العراقي يكره التجنيد الإجباري. ولا يكاد أحد أبناء الشعب يعلم أنه بلغ سن التجنيد حتى يتملّكه الفزع، وتَسوَدّ الدنيا في عينيه"[20].

 

ولهذا نجد أن الهروب من الخدمة الإجبارية والتخلّف عنها تحولا إلى ظاهرة مزمنة تعانيها المؤسسة العسكرية في العراق وإن تفاوتت حدّتها من صفحة لأخرى من صفحات المشروع السياسي العراقي. يشير الكاتب البريطاني جيرالد دي كيري أن عدد الفارّين من الخدمة العسكرية بلغ زهاء 20000 جندي في صيف 1943 من أصل قوة إسميّة يصل تعدادها إلى 30000 رجل [21]. أي أن حوالي ثلثي تعداد الجيش العراقي يومذاك كان في عداد الفارين من الخدمة العسكرية. كما استشرت ظاهرة الهروب خلال العقدين الأخيرين منذ أن بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، واستمرّت حتى عام 1988. وبعد استراحة قصيرة (مدة سنتين) استعرت حرب الخليج سنة 1990 والتي سميت في حينه "أم المعارك" واستمرت حتى معركة "الحواسم" سنة 2003. لقد هيمنت العسكرة على جميع ميادين الحياة وتنوعت أشكالها. وبالمقابل تنوعت أشكال الهروب والتخلّف عن الخدمة العسكرية، ووجدت لها منفذاً جديداً تمثّل في تأخير موعد المكلّفية عدداً من السنوات. فراحت غالبية الطلبة تتعمّد الرسوب في الامتحان، واستنفاد سنوات الرسوب المسموح بها لإرجاء موعد التحاقها بخدمة العَلم، مما كلّف المجتمع الكثير، وحرم عشرات آلاف الطلبة الشبّان من شغل مقاعد دراسية في الجامعات، ومن خلال ذلك وجدت الكليات الأهلية في نهاية الثمانينات سوقاً لها.

وفي الوقت الذي غاب التخطيط قصير المدى، أُخضِع التخلف المتعمد عن خدمة العلم لتخطيط بعيد المدى من قِبل بعض الآباء، الذين أخّروا التحاق أبنائهم الصغار بالدراسة الابتدائية. ومع ذلك خاب تخطيطهم لأن خدمة العلم كانت في انتظار أبنائهم في ظروف حرب استمرت 23 سنة. وحدثت في هذا الإطار بعض الأمور الطريفة، حين تقدّم بعض طلبة الجامعات طلبات اعتراض إلى اللجان الامتحانية على نجاحهم، وهذه ظاهرة تحدث لأول مرة في تاريخ التعليم.

ولمواجهة الرسوب المتعمّد لجأت السلطات في إحدى السنوات إلى منع من يرسب في السنة الدراسية المنتهية من تكرارها، وزجّه في الخدمة العسكرية سواء بسواء مع خريجي الإعدادية. واللئيم في القرار، صدوره بعد أداء الطلبة للامتحان النهائي. إذ لو عرفوا به قبل أداء الامتحان لما عمدوا إلى ترسيب أنفسهم!

كانت ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية تقتصر على المكلفين. ولكنها اتسعت لتشمل المجتمع بأسره، حين فُرِض على جميع الناس واجب الانخراط في صفوف الجيش الشعبي "رديف الجيش النظامي". وكان المسوِّغ المعلن لهذا الإجراء، أن القيادة تريد أن تتيح شرف المشاركة في الدفاع عن الوطن لجميع أبناء الشعب، وإنهاء احتكار شريحة من المجتمع التمتع بهذا الشرف، بينما تحرم الشرائح الأخرى! وعلى أساس هذه "المكرمة" شُمل جميع أبناء الشعب بخدمة الجيش الشعبي، بغض النظر عن مهنهم وأعمارهم ووضعهم الصحي والاجتماعي ... لقد كان ذلك الإجراء اشتراكياً بحق! وأطلقت على منتسبي الجيش الشعبي تسمية "المتطوعين"، بينما كانت الكمائن تُنظّم بمختلف الأساليب المبتكرة لاقتناص أولئك "المتطوعين". وتنوعت بالمقابل أساليب وصيغ الزوغان والهروب من "التطوّع" في الجيش الشعبي: غادر البعض مسكنه، وانقطع الآخر عن عمله، واصطنع الآخر الأمراض والعاهات، ودفع بعضهم الرشاوى ... الخ. وتُروى العشرات من الطرائف التي تُعبّر عن تلك المرحلة وتناقضاتها. واستمرّ نظام صدام في ابتكار صيغ وأسماء لهذه المليشيات توّجها بما أسماه "جيش القدس"، الذي ضمّ زهاء سبعة ملايين متطوّع.

إن ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية ينبغي أن لا تُفسّر بسطحية بوصفها مؤشراً لغياب "الغيرة الوطنية"، مما سوّغ لنظام صدام التصدّي لها بأبشع الأساليب وأكثرها وحشية: رمي الفارّين بالرصاص أمام بيوتهم واستيفاء ثمن الإطلاقات النارية من ذويهم، قطع آذانهم، جدع أنوفهم، تشويه وجوههم ...الخ. بل ينبغي التعمّق في دراسة جذورها التاريخية، وظروفها السياسية والاجتماعية، ويعود بنا ذلك إلى موضوع تأسيس الجيش العراقي ومسارات تطوّره، والوظائف التي أنيطت به، وتلك التي ينهض بها. ويقدّم لنا ذلك صورة معبّرة لأخطر مآزق الوطنية العراقية، ويمكن إيجازها في الآتي:

أ- من المعروف أن الجيش يؤسس للدفاع عن الوطن إزاء العدوان الخارجي خلاف قوات الأمن الداخلي بأصنافها. بينما نلاحظ أن شكوى الملك فيصل الأول من تفوّق العشائر بتسليحها على الدولة، كانت المدخل لتسويغ توسيع الجيش وتمرير مشروع الخدمة العسكرية الإجبارية. ويُستشف من ذلك أن الخطر الذي كانت تتوجّس منه الدولة هي العشائر العربية والكردية، وليس العدو الخارجي. وإلا لعُقِدت المقارنة بين الجيش العراقي وجيوش البلدان المجاورة التي يمكن أن تُمثل يوماً ما عدواً مُفترضاً. إذاً كان الهاجس الأول للدولة هو البعد الداخلي للسيادة الوطنية وليس بعدها الخارجي. ويؤكد ذلك الوجه الآخر للعملة المتمثل بالرأي العام العراقي الذي أظهر مناوأة واضحة للخدمة الإلزامية. نشر النائب الكردي السيد إسماعيل الراوندوزي في جريدة الأوقات البغدادية بياناً جاء فيه:

 

"يظن بعض الناس أن المخالفين للتجنيد الإجباري هم إخواننا الشيعة فقط. وأنا آسف لغفلة هذا البعض عن حقيقة راهنة لم يشعروا بها حتى الآن، هي أن الأكراد مخالفون للتجنيد الإجباري. نعم، ليعلموا بأننا نحن الأكراد متفقون مع إخواننا الجعفريين تمام الاتفاق على أن قانون التجنيد الإجباري لا يتفق مع وضعنا السياسي وسويتنا العلمية الحاضرة. إن هذا الرأي ليس خاصّاً، إنما هو رأي الكُرد بأسرهم"[22].

 

ويشير الكاتب حسن العلوي إلى تجنّس القبائل العربية بالجنسية الإيرانية تخلّصاً من  زج أبنائها في جبهات الحرب التركية إبان الحكم العثماني، ثم المعسكرات العراقية إبان الحكم الوطني، ولجوئها إلى تسجيل أبنائها في سجل الإناث بدلاً من الذكور للغرض عينه.

 

ب- إن خشية العشائر العراقية العربية والكردية على نفسها من الخدمة الإجبارية لم يقم على أسس افتراضية. فقد ساهم الجيش بفاعلية في قمع الانتفاضات العشائرية والفلاحية التي يقدّر عددها خلال السنوات (1924-1958) بزهاء 30 انتفاضة.

 

ج- إن الجيش الذي أرادت الدولة بواسطته فرض مشيئتها على المجتمع، بدأ بالمروق منها، مستهدفاً فرض مشيئته عليها، حين بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية، بانقلاب بكر صدقي سنة 1936. وكلما جربت الدولة كسر شوكته تعاظم جموحه وتقاربه من القوى السياسية المعارضة، وأصبح أداة بل رمزاً لتحررها، كما يعبّر عن ذلك نصب الحرية للفنان الراحل جواد سليم في ساحة التحرير ببغداد. وبينما كانت فصائل الحركات الثورية تؤسس جيوش التحرير لدى الكثير من الشعوب، كان الجيش العراقي الذي أسسه العهد الملكي يمسك بيده مفتاح التحولات السياسية، ووسم المشروع السياسي العراقي بميسمه.

 

د- إن التوسع الكبير الذي شهده الجيش العراقي لا ينسجم وتعداد سكان العراق وفق مقاييس الجيوش في البلدان النامية، حيث بلغ تعداده مئات الآلاف. يعدّ الجيش الإندونيسي على سبيل المثال بعشرات الآلاف، في حين يربو تعداد نفوس إندونيسيا على 220 مليون نسمة، على الرغم من سيطرة العسكري سوهارتو على مقاليد أمورها لفترة طويلة تربو على الثلاثة عقود. كما أن العبء المالي للتسليح الذي عاناه الاقتصاد العراقي، لا ينسجم إطلاقاً مع الإمكانات الاقتصادية للعراق. إن تعداد وحجم تسليح الجيش لا يحددان اعتباطاً بل وفق أهداف سياسية للدولة. كان الهدف  المعلن لنظام البعث يتجاوز الإطار الوطني الإقليمي للعراق، إلى الإطار القومي متمثلاً بتحرير فلسطين. ولكن ما حدث أن جحافل الجيش العراقي اتجهت شرقاً إلى إيران، ومن ثم إلى الكويت، وأخيراً تخندقت داخل العراق لمواجهة غزو الولايات المتحدة الأميركية.

 

هـ- طُبّق في الخدمة الإلزامية مبدأ البدل النقدي الذي يعفى بموجبه من الخدمة العسكرية من يدفع إلى الدولة مبلغاً من المال يتعذّر على العوائل الفقيرة ومحدودة الدخل دفعه. وهو أمر يشي بالطبيعة الطبقية للخدمة الإلزامية. وطبقاً لمبدأ البدل النقدي يؤدي ضريبة الدم من يعجز عن ضريبة المال، مما خلق شرخاً اجتماعياً ونفسياً صبّ في روافد إضعاف الوطنية العراقية. وبعد عام 1968 التفت نظام البعث إلى ذلك ، فألغى مبدأ البدل النقدي. ولكنه عاد في التسعينات وتراجع عن هذه الخطوة، واعتمده من جديد.

 

و- امتدت الإشكالية الطائفية لجهاز الدولة العراقية إلى المؤسسة العسكرية:  فكنت ترى الأغلبية الساحقة للضباط من الطائفة السنّية، بينما تنتمي الأغلبية الساحقة من الجنود والمراتب إلى الطائفة الشيعية، التي بات التشكيك بوطنيتها في ظل نظام حكم البعث أمراً مألوفاً، وخاصة في ظروف الحرب العراقية الإيرانية والمرحلة التي مهدت لها.

 

وأخيراً فإن علل المؤسسة العسكرية العراقية، إنما هي تعبير عن التناقضات والإشكالات البنيوية التي عاناها المشروع السياسي برمته. وحفّزت الهوّة السحيقة بين الدولة والمجتمع. وما ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية واستشرائها، إلا إحدى تجليات أزمة المشروع السياسي العراقي التي قادت إلى نهايته المأساوية.

 

 

 

2-5-6 ضريبة المال

أما ضريبة المال (المعيار الثاني للمواطنة) فلا تختلف في سيرتها عن شقيقتها ضريبة الدم. ومن المعروف أن الضرائب كانت أهم مواطن التأزم بين العشائر العراقية والسلطات العثمانية، التي كثيراً ما كانت تلجأ إلى تنظيم الحملات التأديبية لحمل العشائر على دفعها.

ولم يكن من اليسير على العراقيين حين انتقلوا إلى الحكم الوطني تقبل فكرة الضرائب شأنها في ذلك شأن ضريبة الدم. بيد أن مشكلة الضرائب لم تمثّل موطن تأزم حاد بين الدولة والمواطنين. ويعود ذلك إلى ما أنعمه الله من إيراد سخي على الدولة العراقية تمثّل في عوائد النفط. لقد تزايد نصيب عوائد النفط في تمويل فعاليات الدولة على نحو متصاعد. فبينما كانت تمثّل نسبة 16% من الإيرادات العامة حتى سنة 1950، ارتفعت النسبة إلى نسبة 30% بعد توقيع حصة مناصفة الأرباح مع شركات النفط سنة 1951، وارتفعت بصورة حادة حتى بلغت 63% سنة 1958. واستمرت بالارتفاع بعد تأميم قطاع النفط العراقي سنة 1972، الأمر الذي قلل اعتماد الدولة على الإيرادات الضريبية[23].

ومع ذلك لم يتعامل المواطنون -على وجه العموم- بصدق مع الأجهزة الضريبية. ويمثل التهرب الضريبي أهم مشكلة تواجهها أجهزة الضرائب في العراق. ولا يشعر المواطن حين يتهرّب من الفرض الضريبي أنه يخل بأحد واجبات المواطنة، بل ولا يخطر ذلك على باله. بينما نجد أن مصطلح دافع الضريبة (Tax payer) يرادف في المجتمعات المتقدمة كلمة "مواطن".

وبعد حرب الخليج الثانية 1991، حين توقفت عوائد النفط بسبب الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق، لم يبق أمام الدولة إلا اللجوء إلى الضرائب والرسوم التقليدية والمبتكرة (مثل التبرعات لبناء جامع الملوية، وترميم العتبات المقدسة، ورسوم دخول دوائر الدولة، إلى جانب مجاميع الاحتيال والنصب على المواطنين، مثل مجموعة (سامي كو وغيره) والتي ما كان لها أن تنشط لولا دعم الدولة.

التهرّب الضريبي ظاهرة موجودة في جميع المجتمعات وبضمنها المتقدمة حضارياً. ولكن حين تستشري، فإنها تمثّل ظاهرة اجتماعية وسياسية وأخلاقية. تشف عن الهوّة بين الدولة والمجتمع، وعن خلل وتأزم بين طرفي معادلة المواطنة: الدولة والمواطنين. حين ينظر المواطن إلى الدولة بوصفها أداة قهر وابتزاز، وتبديد الأموال العامة، يلتمس لنفسه العذر للتهرّب من الضريبة. وتنظر الدولة إلى المواطن -بالمقابل- بعين الشك، بل وتفترض في سلوكه التهرب من الضريبة، ولا تصدّق ما يعلنه لها عن وعائه الخاضع للضريبة. وبسبب غياب المصادر المعلوماتية الدقيقة عن الوعاء الضريبي تلجأ السلطات الضريبية إلى طريقة التقدير الجزاف، والمظاهر الخارجية، مستخدمة أساليب عشوائية وأحياناً متعسّفة في تقدير الوعاء الضريبي، الذي على أساسه يحدد مبلغ الضريبة. ولجأت في السنوات الأخيرة إلى أساليب قسرية وشرسة مع أصحاب الحرف والدكاكين لجباية الضريبة، من دون مراعاة لمدخولاتهم الفعلية، الأمر الذي دفع ببعضهم إلى التوقف عن عمله.

وأفرزت إشكاليات الواقع الضريبي قيماً أخلاقية مقلوبة. فالمكلّف الذي يصدق في التصريح عن مدخولاته يُعدّ "غشيماً"، والمتهرب من الفرض الضريبي "كلاً أو جزءاً" يُعدّ "شاطراً".

إن ظاهرة التهرب من ضريبتي الدم والمال تلقي الضوء على العلاقة المتأزمة بين المجتمع والدولة، وتجلّت بدرجات متفاوتة عبر صفحات المشروع السياسي العراقي. وتوجتها مشاهد "الفرهود" المريعة التي أعقبت سقوط النظام في 9 نيسان 2003[24].

 

2-6 معركة المصطلحات

حفل المشروع السياسي العراقي بعدد من المصطلحات، لكل منها مَنشأه التاريخي وظروفه السياسية التي سوّغت ظهوره وتسويقه. والكثير منها ظل متجذراً في البيئة السياسية العراقية على الرغم من تغير الظروف وأصبح بعضها بحكم المسلّمات. حتى أن تلك المصطلحات ما زالت تمسك بتلابيب بعض الكتّاب لا يستطيعون عنها فكاكاً. وإذ نتناول هنا إشكالية المصطلحات السياسية لا يحدونا في ذلك ترف نظري أو نزعة في النبش والتحقيق عن أصولها. بل لأنها كانت واجهة لمواقف سياسية استخدمت فيها تلك المصطلحات أدوات "للتكفير والتكفير المضاد"، الذي تنامى أحياناً إلى بؤر لتصادم دموي بين القوى السياسية، من دون أن يخدم ذلك في الحصيلة النهائية الاستقلال الوطني وحركة المجتمع العراقي إلى أمام.

يقابِل اعتيادياً كل مصطلح في عالم السياسة مصطلح نقيض، فحين نقول "وطني" يقابله نقيضه "الممالئ للأجنبي"، وحين نقول "تقدمي" يقابله نقيضه "الرجعي"، وعندما نقول "قومي" يقابله ما دُئب على استخدامه "شعوبي وإقليمي" وحين نقول "يساري" يقابله نقيضه "اليميني" ... وهكذا. وتنشأ الإشكالية حين تتداخل هذه المصطلحات فيما بينها، وتتمخّض عنها رؤى وقناعات لدى أوساط الشعب، ما أنزل الله ببعضها من سلطان. فتمتزج الوطنية بالتقدمية، والعمالة للأجنبي بالرجعية، وتحصل التقاطعات المصطنعة بين الوطني والقومي، والوحدوي والإقليمي الشعوبي ... وما إلى ذلك. وتدخل الطائفية الدينية على الخط، فتربك الصورة أكثر وتزيدها ضبابية. من طريف الشعارات التي رُفعت في أعقاب ثورة تموز 1958: "تسقط الشينات الثلاث: الشعوبي والشيوعي والشركاوي".

ألا يجدر بنا في هذه المرحلة أن نعيد فحص تلك المصطلحات، في ضوء المستجدات في بلدنا والمنطقة العربية والعالم! ألن يكون مجدياً أن نقلّم بعض الأغصان اليابسة من شجرة المصطلحات التي ألفناها، لنبعث فيها الحيوية، فيزداد عطاؤها وأثمارها، لتسهم في خلق وعي اجتماعي جديد يتجاوب مع متغيرات المرحلة!

وفي هذا الصدد، من الضروري أن نفك التداخل بين مصطلح "الوطنية" بالمصطلحات السياسية الأخرى. لك أن تنعت الآخر: بالرجعية واليمينية والاستبداد والفوضوية ... وغيرها منصفاً كنت في نعتك أم غير منصف. وأن تلصق بنفسك ما يحلو لك من أوصاف وتسميات برّاقة مثل: الديموقراطي والتقدّمي والشعبي ... وما إلى ذلك! أما أن تستأثر وحدك "بالوطنية" وتنـزعها عن الآخرين، فهذا يرقى -بتقديري- إلى عدوان عليهم. فكأنك تجتث شجرة من جذورها، أو تطرد إنساناً من بيته وتستحوذ عليه. وإذا كان ثمة هامش للاجتهاد في تطبيق المصطلحات السياسية الأخرى، فينبغي أن لا يسمح بأدنى هامش للاجتهاد في تطبيق مصطلح "الوطنية" على أي من أبناء الشعب العراقي مهما اختلفت تلاوينهم.

تعرضت شجرة المواطنة العراقية عبر المشروع السياسي السابق للتقليم الجائر[25]. سواء تجلّى ذلك في المفاهيم، أم المواقف، أم القرارات السلطوية. لقد تمثّل أحد اختناقات المشروع في التشكيك بوطنية قطاع واسع من المجتمع العراقي، والغمز واللمز بصدق مواطنة شرائح معينة منه. لطالما ابتُسر مصطلح "الوطنية". أسبغه البعض على نفسه وحرم منه آخرين. وعشعش في قاموسنا السياسي ردحاً طويلاً من الزمن مصطلح "القوى الوطنية"، حتى ألفناه، من دون أن ندرك وجهه الثاني، المتمثل بتقليص الخارطة السكانية للوطنية. فمن يتفق مع برنامجي السياسي أخلع عليه صفة الوطنية، وأخلعها عمّن يختلف معي. وترسم ضمن هذا المشهد شرائح "لا وطنية" تقتضي مصلحة الوطن أن تُقلّم من شجرته لتصبح أصح وأكثر عطاءً!

لدى متابعة تجارب الشعوب تجدها لا تطلق صفة "الوطنية" إلا في ظروف خاصة ولمسوّغات تعبوية واستنفارية، مثل تصدّي البلد لعدوان أجنبي مباشر. ولا تطلق بسخاء في تقسيم خارطة القوى السياسية ملوّنة إياها إلى لونين: وطني وغير وطني. أطلق الاتحاد السوفيتي في حينه صفة الوطنية على حربه ضد الفاشية إبّان الحرب العالمية الثانية، لتعبئة شعوبه واستنفار مشاعرها الوطنية، بعيداً عن الاعتبارات الطبقية. بينما أطلِقت تسمية الحرب الأهلية على الصدامات الطبقية التي أعقبت ثورة أكتوبر سنة 1917.

جاء في مذكرات الزعيم الراحل كامل الجادرجي، وهو من الرموز السياسية المعتدلة في العهد الملكي بصدد موضوع الوطنية:

 

"نقصد هنا بالحركة الوطنية، الخلفية السياسية والاجتماعية للتيارات السياسية والأحزاب، ومن جملتها الحزب الوطني الديموقراطي"[26].

 

يُستشف من هذا القول -وإن لم يجئ صراحة- أن طيف الوطنية يقتصر على الموشور الذي يمثّل الحزب الوطني الديموقراطي أحد ألوانه. ويقف المتتبع لمسيرة الحركة السياسية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، على الكثير من التحالفات المؤقتة للحزب الوطني الديموقراطي وزعيمه كامل الجادرجي مع ألوان الموشور السياسي الأكبر وبضمنهم نوري السعيد. وهذا أمر مألوف في ميدان التكتيكات السياسية. فهل يعني ذلك أن ألوان موشور الوطنية العراقية يتغير تبعاً للتكتيكات السياسية والتحالفات المؤقتة؟

لقد كان إطلاق الأحكام والنعوت والتشكيك بوطنية التيارات والرموز السياسية في الكثير من الأحيان، ردود فعل انفعالية، قليل هم من نجوا منها. وطالت حتى الحزب الوطني الديموقراطي وزعيمه كامل الجادرجي، الذي لا مرية في صدق وطنيته. وهذا ما تكشف عنه مذكراته. ففي "نداء الإنقاذ" الذي وجهه كامل القزانجي مع ستين عضواً من الحزب الوطني الديموقراطي، إلى رئيس الحزب، ونشر في جريدة "الشعب" الصادرة في 6/2/1947، نجد لوماً شديداً للحزب لافتراقه عن الأحزاب السياسية الوطنية الأخرى، بقبوله الاشتراك في الوزارة السعيدية، مما يحدث ثغرة في معسكر الوطنية والديموقراطية،  وإلى التخاذل والتعاون والمساومة مع الاستعمار الخ[27].

واستمعوا إلى ما يقوله -بالمقابل- الشاعر محمد مهدي الجواهري بحق نوري السعيد، بعد مقتله بثلاثة عقود:

 

"كان نوري السعيد -وأنا أكتب للتاريخ- يحتقر من يتملق السفارة البريطانية ببغداد، أو من يعرض نفسه للاستئجار عندها ... متحملاً أثر ما يتقوله عليه الناس حول علاقته بالانجليز. ولا أحد ينكر أن علاقته هذه قوية ومتينة جداً. ولكنها في الحقيقة مجرد قناعة منه -ولم يتزحزح عنها  ولا قيد أنملة حتى يومه الأخير- بموالاة الغرب. وهو رجل دولة وليس أجيراً"[28]

 

يجيء هذا التقييم على لسان الشاعر الجواهري الذي نال نوري السعيد منه في القدح والهجاء والشتم وتهم العمالة للاستعمار، ما لم ينله كافور الإخشيدي على لسان الشاعر المتنبي. وأذكر ذلك عسى أن يتّعظ العراقيون، فيقتصدوا في توزيع تهمة العمالة للاستعمار.

أما التيار القوماني وضمن نزعة حرق المراحل (التي سنتناولها لاحقاً) فلم تعد الوطنية تستوعب طموحاته الوحدوية، وصار يطلق عليها مصطلحي: الإقليمية والشعوبية، ونُعتت بها قطاعات واسعة من المجتمع والتيارات السياسية، و شملت في عهد "البعث" رجالات فكر مرموقين انتزعت نتاجاتهم الفكرية من المكتبات العامة ضمن قوائم سوداء، وحظر بيعها في أسواق الكتاب. وعلى هذا النحو انتزعت الشعوبية صفة الانتماء القومي من معظم المواطنين العراقيين، بقفزها على "الوطنية العراقية". وتحّول ذلك إلى سياسات رسمية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تمخضت عنها سياسات عرقية جائرة رمت بمئات آلاف المواطنين العراقيين إلى خارج الحدود تحت ذريعة "التبعية الإيرانية". ومثّل هذا القرار أكثر أساليب تقليم شجرة المواطنة العراقية جوراً، في تاريخ العراق الحديث. وترك شرخاً عميقاً في بنية المجتمع، وآثاراً نفسية وقانونية، سيظل المجتمع العراقي يعانيها لسنوات قادمة.

 

2-7 عقدة الجنسية العراقية

واحدة من أكبر العقد النفسية التي يعانيها المواطن العراقي: إثبات كونه عراقياً. فلا يكفي أن يحمل دفتر النفوس ولاحقاً هوية الأحوال المدنية الصادرة عن جهة رسمية مختصّة، بل يترتب عليه لإثبات مواطنته الحصول على "شهادة الجنسية العراقية". فأنت وإن كنت تحمل هوية الأحوال المدنية التي تثبت عراقيتك بالولادة، تبقى متهماً بـ"لا عراقيتك"، حتى تثبت براءتك بالحصول على شهادة الجنسية العراقية. ولم تكتفِ الدولة بشهادة الجنسية أيضاً، فابتكرت في التسعينيات ما سًمي بـ"ببيان الرعوية". وأتذكر أن الحصول على شهادة الجنسية في الخمسينيات، كان يمثل كابوساً حقيقياً، تتأهب له العوائل منذ بداية العطلة الصيفية، بقدر تعلق الأمر بطلبة الصفوف المنتهية الذين سيقدمون للمعاهد والكليات.

لا يمكن للعراقي أن يتقدم إلى الكلية أو إلى التعيين في دائرة حكومية، أو الحصول على مقاولة حكومية ما لم يكن حاصلاً على شهادة الجنسية العراقية. هذا على مستوى حقوق المواطن. أما على مستوى واجباته، فالأمر يطرح على نحو آخر. فالسوق إلى "خدمة العلم" يتم بمعزل عن شهادة الجنسية. فالعراقي يُعدّ مواطناً حين يترتب عليه تأدية واجب المواطنة، ولكنه يبقى "مشروع مواطن" بقدر تعلّق الأمر بالحصول على حقوق المواطنة.

لم أستوعب مغزى شهادة الجنسية العراقية والهدف من وراء إصرار الدولة عليها، ألا وأنا في أواسط العقد الرابع من العمر. أدركت في السبعينيات، إن هذه الشهادة قنبلة موقوتة، صُنّعت وأديمت منذ عقود، في انتظار نظام سياسي مؤهل لتفجيرها في الوقت المناسب.وعلمت أنها تقسم بموجب شفرة معينة إلى مستويات متفاوتة من الولاء إلى الوطن، وفق "التبعية". فإن كنتَ من التبعية العثمانية فأنت وطني من الدرجة الأولى، وإن كنت من التبعية الأجنبية، وخاصة الإيرانية، فالشكوك تحوم حول صدق ولائك الوطني. وعندها ترحّمت على أجدادي الذين لم يؤثروا مصلحتهم في التخلّص من عبء "الجندية" إبّان الحكم العثماني، على مصلحة ومصير أحفادهم بعد عقود. والمفجع في الأمر أن آلاف الشباب ممن كانت شهادات جنسيتهم تؤشر التبعية الإيرانية لم يُسرّحوا من الجيش، واستشهد عدد منهم في "قادسية صدام" بينما كانت عوائلهم تعاني التشرّد وراء الحدود. بل وفي الجبهات التي يصوبون إليها نيران أسلحتهم.

عالجت المادة الحادية عشرة من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في آذار 2004، بصورة تفصيلية أبعاد إشكالية الجنسية العراقية، مما يشير أنها ستجد حلولاً تشريعية مناسبة تنقذ المواطن العراقي من عقدة الجنسية. ولكن الأمر لا يقف -بتقديري- عند البعد التشريعي، فالقانون الأساسي العراقي لسنة 1925 قام على الكثير من المبادئ الليبرالية، ولكنها شُوهت وخُنقت في حيّز التطبيق فما أكثر القوانين والتشريعات التي تتقدّم على وعي المجتمع.

ينتابني الخوف من الرؤية العرقية الضيقة التي تجذرت في وعينا، وصوّرت لنا بطاقة الجنسية معياراً للولاء الوطني. نشرت جريدة "المدى" في الصفحة الأخيرة من عددها 113 عموداً تحت عنوان: "الجنسية المزدوجة والولاء لمن؟" ويشف عنوان المقال بوضوح عن الإشكالية التي تؤرق كاتب المقال: الخشية من أن تؤدي المنطلقات الليبرالية لازدواج الجنسية التي انطوى عليها قانون إدارة الدولة الانتقالي، إلى تمييع مسألة الولاء للعراق. فكيف يمكن أن يتبوأ منصباً مفصلياً في الدولة العراقية من يحمل جنسية بلد آخر! ليخلص في نهايته إلى القول:

 

"الحل بسيط وواضح .. . على من يريد أن يحكم هذا البلد أو يدخل برلمانه أو يقود مفصلاً مهماً من مفاصل دولته أن يحسم ولاءه فيتخلى عن جنسيته الأجنبية. وهذا يتطلب إصدار قانون ملزم لجميع الأطراف. هل هذا كثير على العراق؟"[29]

 

يبدو أن المقالة تستكثر على العراقيين، المنطلقات الليبرالية التي جاء بها قانون إدارة الدولة العراقية الانتقالي بصدد ازدواجية الجنسية فتدعو إلى محاصرتها في خانق الولاء.

لقد تزامنت هذه المقالة مع اختيار قيادات حزب المؤتمر الهندي لسونيا غاندي (زوجة رئيس الوزراء الراحل راجيف غاندي) لرئاسة الكتلة البرلمانية للحزب، مما يمهد الطريق لتسنّم رئاسة الحكومة الفيدرالية للهند. وامتنع عن منافستها كبار قادة الحزب ومخضرميه، فلم يرشحوا أنفسهم، احتراماً لذكرى أعرق سلالة سياسية في الهند المعاصرة، مع إنها إيطالية الأصل، لم يمضِ على اكتسابها الجنسية الهندية عقدان من الزمن.

والطريف في الأمر أن نشر ترشيح سونيا غاندي، جاء في الصفحة الثانية من نفس عدد جريدة "المدى" التي نشرت المقال أعلاه. وهكذا وضعنا هذا العدد في مشهد عراقي/هندي، ينضح بمؤشرات عن وعي المجتمعين بصدد مسألة الجنسية والزعامة السياسية.

استوقفني الأمر، وتساءلت: هل طالب الهنود من سونيا غاندي التخلي عن جنسيتها الإيطالية؟ وهل طالبت الولايات المتحدة الأميركية من هنري كيسنجر التخلي عن جنسيته الألمانية. وفي التاريخ شواهد كثيرة على استضافة شعوب لملوك وحكام من سلالات أجنبية توجتهم على عروشها، من دون أن تخشى انحراف ولائهم إلى أممهم و أبناء جلدتهم.

لماذا تمثل لنا بطاقة الجنسية المعيار الأساس الذي يحكم رؤيتنا للوطنية .... ألا يشفّ ذلك عن ضبابية في الرؤية في استيعاب كُنه الوطنية ووظائفها؟ الوطنية منظومة من العلائق المتبادلة بين المواطنين والدولة. وحين تتأزم هذه العلاقة وتهيمن الغربة بين الطرفين، تضطرب مقومات الوطنية، ويختلط الحابل بالنابل. ويمثل المشروع السياسي العراقي مثلاً حياً لإشكالية الوطنية التي عاناها ذلك المشروع، وقادت إلى ما نحن فيه.

والجدير بالذكر أن القانون العراقي كان يذهب إلى أبعد مما يقترحه المقال، إذ كان يمنع المتزوج من أجنبية تبوء مواقع مفصلية في الدولة العراقية. كما أن التحقق عن المرشح لمثل هذه المناصب كان يصل حد التقصّي عن أصله إلى "خامس أو سادس ظَهر". وخاصة في القوات المسلحة. ولكن انظروا ماذا حدث؟ استسلمت بغداد خلال أيام! . ولم يكن ذلك بسبب غياب الروح الوطنية لدى الجيش العراقي المعروف بشهامته وغيرته. بل بسبب الإشكالية القاتلة للوطنية العراقية، الناشئة عن الهوة السحيقة بين المواطنين والسلطة السياسية، الممثل الرسمي للوطنية.

إن حماية منظومة الوطنية العراقية من الاختراق، لا تحققها بطاقة الجنسية بل فاعلية المنظومة نفسها. فلنبحث في هذه المنظومة وعوامل تخلخلها. وإلا فإننا سنصوّب على شجرة، بينما يقف الصيد على شجرة أخرى، فيهرب الصيد ونخسر ثمن الإطلاقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المُقْتَرَب الثْالِث

الإرادَويّة

 

3-1 مدخل

تمثّل الإرادوية أهم سمات المشروع السياسي العراقي. وإذا كانت في المشاريع السياسية الأخرى تمثّل أحد ألوان الطيف السياسي، فإنها كادت أن تشكّل التمثيل الضوئي الذي يلوّن النبتة بالخضرة في المشروع السياسي العراقي. لهذا من المجدي التوقف عند مفهوم الإرادوية (Voluntarism)  وجذورها الاجتماعية والبيئة السياسية التي تحتضنها، لننتقل بعدئذ إلى تجلّياتها في المشروع السياسي  العراقي، وآثارها في مساراته.

"الإرادوية" لغة، منحوتة من "الإرادة"، ويثير ذلك تداخلاً بين المفهومين مما يثير اللبس، الذي تشق "الإرادوية" طريقها عبره. لذا يقتضي الأمر تبيان الحد الفاصل بينهما.

تتمثل الإرادة في قدرة أو ملكة الإنسان على تحقيق ما يصبو إليه. وترتكز على العديد من المقومات النفسية والسلوكية مثل: التصميم، والجرأة، والإقدام، والسيطرة على النفس، والتأثير في الآخرين وإبهارهم (الكاريزما) وغيرها. أما "الإرادوية" فإنّ لها -في حقيقة الأمر- أبعاداً فلسفية واجتماعية وسلوكية أخرى. إذ ترى في إرادة الإنسان لوحدها عاملاً حاسماً في إحداث التغيير، سواء أكان ذلك على مستوى الطبيعة أو المجتمع، بصرف النظر عن القوانين والنواميس التي تحكمها. حتى وان كانت الظروف الموضوعية والذاتية غير مواتية للتغيير. فكل شيء وفق الإرادوية- ممكن، إذا توفرت إرادة الإنسان. ولعل المثل أدناه يساعدنا على إيضاح الفرق بين الإرادة والإرادوية.

إذا عزم سباح ماهر على اجتياز بحر المانش سباحة، فهي الإرادة. أما إذا أقدم على ذلك رجل لا يجيد السباحة، فمصيره الغرق لا محالة، مهما أوتي من إرادة وتصميم. وتلك هي "الإرادوية".

يرى الفيلسوف البريطاني فرديناند شيلر (1864-1937) أن الواقع مطواع، يخضع بيسر للإرادة الذهنية، ويقول بهذا الصدد:

 

"العالم في جوهره مادة من غير شكل. إنه على النحو الذي نشكّله نحن" [30]

 

وتغازل الإرادوية الكثير من التطلّعات والطموحات عند الأفراد والجماعات، في ظل اندفاعهم وحماستهم للتغيير، موحية لهم، أنهم قادرون على خلق الظروف بأنفسهم، ومن العبث الانتظار حتى تنضج. ويرى أحد زعماء الشعبويين الروس نيكيتش تكاجوف (1844-1885) إن الثوري لا يمكن أن ينتظر لحين أن تؤشر الأحداث اللحظة الملائمة للتغيير. فلحظة الانقلاب الثوري يحددها الثوري بنفسه:

 

"الثوري يريد دائماً، ويقدِر دائماً على إنجاز الثورة" [31]

 

وتنجح الإرادوية أحيانا في كسب الجماهير إلى شعاراتها وبرامجها الجذابة، وتتظاهر إنها تستمد الإرادة من الجماهير، ولكنها في حقيقة الأمر تنظر إليها كما ينظر الراعي إلى قطيعه، وكما يتعامل النحات مع قطعة الحجر التي يشكلها كما يشاء. وبهذا الصدد يقول المفكر التركي الشيخ محمد البكري في مؤلَفه "مستقبل الإسلام":

 

"ما الشعب إلا شمع سيّال، يمكن تشكيله على النحو الذي نشاء،وبمقدور الإرادة البشرية وحسب، التأثير في المجتمع"[32]

 

ويقصر عمر البرامج الارادوية، وتخفق في الانعطافات الأولى لمسيرتها، عندها تقتصر خسائرها على التضحيات الفردية التي يقدمها أبطالها قربانا لبرامجها. بيد إن ثمن الإرادوية يكون باهضاً عندما تقفز إلى دست الحكم وتمسك بيدها مقاليد المجتمع، الذي يصبح مشروعاً مفتوحاً لمغامراتها غير المحسوبة. ولا يصطلي بنارها شعبها فقط، بل وشعوب اخرى أحياناً. ومشكلة الإرادوية إنها لا تتعظ من تجاربها الفاشلة، بل توغل اكثر في منحاها المغامر، مثل المقامر الذي كلما خسر جولة، تمادى في اللعب لتعويض خسائره، فتتزايد اكثر فأكثر. وغالباً ما يمنى الارادويون بهزائم نكراء، وسرعان ما ينقلبون من جَوَامح إلى جَمَاميح منهزمة يصعب اعادتها إلى ساحة المعركة.

 

3-2 تجليات الإرادوية في المشروع السياسي العراقي

3-2-1 النـزعة الانقلابية

هيمنت النـزعة الانقلابية على المشروع السياسي العراقي، ابتداءً بانقلاب بكر صدقي في 29/10/1936، ثم الانقلاب عليه، والانقلاب السلمي على حكومة جميل المدفعي في 25/10/1938، وحركة مايس 1941، و14 تموز 1958 و8 شباط 1963، والانقلاب عليه في 18 تشرين 1963، واخيراً انقلاب 17 تموز 1968. إلى جانب الكثير من المحاولات الفاشلة [33].

أطلق على اغلب هذه المحاولات الانقلابية تسمية الثورة. ويمتعض الكثيرون عندما يعدّها بعض الكتاب انقلاباً عسكرياً. وخاصة الانقلاب العسكري في 14 تموز 1958، إذ يرون في ذلك انتقاصاً من مضامينه التقدمية واستفزازا لمشاعر قاعدته الجماهيرية الواسعة. وكذا الأمر مع القوميين الذين رأوا في انقلاب 8 شباط 1963 ثورة أسموها "ثورة رمضان"، ومع البعثيين بقدر تعلق الأمر بانقلاب 17-30 تموز 1968. أثار هذا الموضوع الحساسية بين القوى السياسية وهي مؤتلفة أحياناً. فهذا يسمى الحدث "ثورة" والآخر يرى فيه "انقلابا ً عسكرياً". ولتوضيح فهمنا للموضوع نقول: إننا نقصد بالانقلاب العسكري، التغيير القسري داخل مؤسسة الدولة بواسطة أداتها الضاربة (الجيش) سواء أكان الانقلاب دمويا أو سلمياً. أما الثورة فتمثل انقضاضاً جماهيرياً على مؤسسة الدولة، وقد يجد ذلك امتداداً له داخل مؤسستها. تتحقق الثورة في النور. أما الانقلابات العسكرية فيغلب عليها الأسلوب التآمري. وهذا لا ينفي أن يُقيّم الانقلاب العسكري لاحقا بوصفه ثورة من حيث المضمون، بدالة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ينهض بها. إن حديثنا هنا يتناول أسلوب إحداث التغيير: جماهيري أم فوقي.

أفرزت الانقلابات العسكرية التي مثلت خرز مسبحة المشروع السياسي العراقي، عقيدة تجذرت في الوعي السياسي للعراقيين، مفادها إن الجيش هو العامل الحاسم في تحريك الأحداث. ولا يمكن للمجتمع من دونه- معالجة أزماته. وتشبع المجتمع العراقي وقواه السياسية بهذه الرؤية. فراح اغلبها يسعى للنفاذ إلى المؤسسة العسكرية ضمانا للقفز إلى السلطة وتحقيق برنامجه السياسي. وعلى هذا النحو ران المزاج الانقلابي على المجتمع أفراداً وقوى. وللآن، نجد قواعد بعض القوى السياسية تنحو باللائمة على قياداتها، لإخفاقها في توظيف المؤسسة العسكرية أداة للقفز إلى السلطة.

لقد لوّنت النـزعة الانقلابية بصبغتها المشروع السياسي العراقي في الأطوار المختلفة التي مر بها. بيد أن نظام حكم البعث اجتث إمكانية الانقلاب العسكري عليه. ومثلّ ذلك مستجداً في آلية المشروع السياسي العراقي، الأمر الذي قاد إلى احتدام تأزماته واستشراسه في التصدي لها. وبعد ما كان الانقلاب العسكري يمثل الترياق الذي يعالج به المشروع السياسي العراقي أزماته، حطم حكم البعث دورق هذا الترياق، وحرم المشروع من إمكانية معالجة أزماته من الداخل. فأنتصب العامل الخارجي ليمثل إمكانية التغيير الوحيدة، وأنهى بضربة قاصمة، لا حكم البعث وحسب، بل المشروع السياسي العراقي برمته. ولو كتب لإحدى المحاولات الانقلابية على حكم البعث أو رموزه أن تنجح، لطال عمر المشروع السياسي العراقي ولو إلى حين. ويراودني شعور أن العامل الخارجي حرص وساعد على إجهاض محاولات الانقلاب على حكم البعث، لينفرد بالمشروع السياسي العراقي، ويرسم نهايته بمعزل عن عناصره الداخلية.

سرت النـزعة الانقلابية في النسغ الصاعد والنسغ النازل للمشروع السياسي العراقي، حتى بات الجميع يؤمن إن الانقلاب العسكري هو الحل الوحيد لمعالجة أزمة الحكم. وسرى هذا الشعور إلى اكثر العناصر ليبرالية في ثقافتها وتكوينها الفكري. فبات يتوق إلى سماع البيان رقم (1) من المذياع. ويتغزل به كما يتغزل المكبوت عاطفياً بعروس البحر [34].

تكونت في الوعي السياسي العراقي عقيدة انقلابية فزادتها التجارب ترسخاً، على الرغم من إن المشروع السياسي العراقي قد زخر بالانتفاضات الجماهيرية التي سيطر بعضها على الشارع عدة أيام، فقدت الحكومة خلالها زمام الأمور، ولكن لم يوفق أي منها في قلب نظام الحكم. والسبب في ذلك إنها لم تتمكن من شل أو تحييد المؤسسة العسكرية، الأداة الضاربة للسلطة، وهو شرط أساسي لنجاح الانتفاضات الشعبية. وأكدت هذه الحقيقة الانتفاضة الشعبانية سنة 1991 التي اجتاحت معظم محافظات العراق. لقد كان الجيش عامل الحسم دائماً. فأما أن ينفرد بإحداث التغيير في قمة هرم السلطة، أو يشارك على نحو أو آخر في قمع التمرد الشعبي.

 

3-2-2 الإرادوية العراقية تفتش عن نابليونها

تركزت دراسات الباحثين للمشروع السياسي العراقي على ثورة 14 تموز سنة 1958، لأنها تمثل انعطافة هامة في مساره. بينما لم يحظ انقلاب الفريق بكر صدقي سنة 1936 إلا باهتمام هامشي. ويفسر ذلك بالمحدودية الزمنية لعمر الانقلاب، وتداعياته المباشرة. وبتقديري إن انقلاب بكر صدقي يمثل اخطر حدث في المشروع السياسي العراقي، لما اختزنه من دلالات عميقة رسمت مسار المشروع. ومثّل مخططاً مبكراً للمشاهد السياسية اللاحقة، وإن اختلفت في ألوانها وتفاصيلها. المسرحية نفسها، والأبطال أنفسهم، إنما يتبدل الممثلون. ويبدو لي أن من التسطيح المُخل اختزال انقلاب بكر صدقي إلى مجرد مغامرة عسكرية تشفّ عن طموحات شخصية. وارى من المجدي طرح ومناقشة السؤال التالي:

هل مثل الانقلاب بادرة لتطفل المؤسسة العسكرية على المنظومة السياسية للبلد، أم أن أطراف المنظومة (الدولة من جانب والمعارضة والجماهير من جانب آخر) حفّزت نـزعة الانقلاب؟

بكّرت الدولة في زج الجيش في قمع أحداث التمرد والانتفاضات العشائرية، وفي مقدمتها تمرد الآشوريين سنة 1933، وعشائر الفرات الأوسط سنتي 1935 و 1936. وكلف الفريق بكر صدقي بقيادة الحملات العسكرية ضدها. وجاء تصرف الدولة بتكليف الجيش بهذه الوظيفة القمعية متناغماً مع الوظيفة الرئيسية المصممة له في بسط السيادة الداخلية كما أشرنا في الفقرة (2-5-5). وبالمقابل شعرت القوى السياسية المعارضة أن من المتعذر عليها ممارسة دورها في إحداث التغيير من دون الاستعانة بالمؤسسة العسكرية. وانخرطت في هذا التوجه رموز سياسية ليبرالية ويسارية. شاركت الأولى في التآمر المباشر مع الفريق بكر صدقي، وعملت الثانية على توفير الدعم الجماهيري للانقلاب، بتنظيم التأييد للأهداف "التقدمية" التي زعم قائد الانقلاب تبنيها.

أدرك الجيش مبكراً أن كلا من الدولة والقوى المعارضة يعملان على توظيفه لخدمة أغراضهما. فقرر أن يلعب اللعبة لحسابه مستثمراً موقعه السلطوي الضارب من جهة وراكباً موجة المعارضة من جهة أخرى، متبنيا شعارات تتناغم وتطلعات الجماهير، ليضمن تأييدها، ويطهّر سمعته التي لوثها انغماسه في القمع الوحشي لتمرد الآثوريين وعشائر الفرات الأوسط. وشحذت النـزعة الانقلابية للجارتين، تركيا وإيران، النـزعة الانقلابية لعصبة بكر صدقي، ويشير إلى ذلك الزعيم الوطني كامل الجادرجي في مذكراته:

 

"كان الإعجاب بحركة مصطفى كمال في تركيا، وبحركة رضا بهلوي في إيران، وكلتاهما حركتان عسكريتان، عامّاً في العراق" [35].

 

شهدت بلدان العالم الثالث اعتباراً من الربع الثاني من القرن العشرين موجة من الانقلابات العسكرية، كان قصب السبق فيها للجارات الثلاث، تركيا وايران والعراق. أسس انقلاب مصطفى كمال أتاتورك سنة 1923 منظومة حكم واصلت دورتها الحيوية حتى الآن. واستمر نظام الأسرة البهلوية من سنة 1925 حتى سنة 1979. أما بكر صدقي فلم يؤسس لمنظومة حكم بل لسلسلة متعاقبة من الانقلابات العسكرية، وبذر بذور الرؤية الانقلابية في المشروع السياسي العراقي.

تعيد الانقلابات العسكرية إلى الذاكرة النـزعة البونابرتية في فرنسا في القرن التاسع عشر، من حيث الآليات والسياقات، لا من حيث المضمون التاريخي. وتعد البونابرتية الوليد الشرعي للثورة الفرنسية، جمعت بين عنفوان الشارع الفرنسي والطموح التوسعي للبرجوازية الفرنسية التي لم تكن قد تبلورت بعد سياسياً لقيادة الثورة. فتصدى لها الضابط الكورسيكي الشاب نابليون بونابرت، ليحتوي بمغامراته العسكرية التوسعية جموح الجماهير الفرنسية.

اختلف المؤرخون والكتّاب في وصف نابليون. منهم من حوّله إلى أسطورة، ومنهم من حطّ من شأنه، واصفاً إياه "بالغول الكورسيكي" والطاغية ... الخ. وبصرف النظر عن مواصفاته، يمثل أسلوب حكمه ظاهرة، تركت بصماتها على تجارب العديد من الشعوب في القرن العشرين، وتلقفها العديد من زعامات بلدان العالم الثالث، وحاولت إعادة إنتاجها، مستلهمة آلياتها، مشوهة في الغالب مضمونها.

إن الاقتصار على وصف البونابرتية بالاستبداد والنـزعة التوسعية، يمثل اختزالا مخلاً لمضمونها التاريخي. فقد حفل تأريخ الإنسانية قبل وبعد نابليون بمشاهد التوسع والطغيان. بيد أن نابليون لم يبلغ شأو الاسكندر المقدوني في توسعه (في التأريخ القديم) ولا شأو بريطانيا العظمى في نزعتها التوسعية (في العصر الحديث). ولم يقترب نابليون في طغيانه من نيرون وايفان الرهيب وهتلر وستالين وصدام حسين. فقد اتصف كما تشير الموسوعة البريطانية بروح التسامح واحترام الحياة الإنسانية. وهي شهادة يركن إلى مصداقيتها لأنها تجيء على لسان مصدر رصين لدولة كانت تمثل العدو رقم واحد لنابليون.

تمثل البونابرتيه الاندفاع الجامح للانتقال إلى النظام الرأسمالي الليبرالي، ولكن بأليات الاستبداد وعسكرة الحياة. وهنا يكمن مقتل البونابرتية، الذي تمَثّل بمغامراتها العبثية ونتائجها التدميرية. لقد استشهد نتيجة حروب نابليون للفترة 1800-1815 قرابة 500 ألف شاب فرنسي، مثّلوا نسبة 1/16 من سكان فرنسا وقتذاك. وترك استشهاد أولئك الشبّان أثراً سلبياً كبيراً في معدل الولادات في السنوات اللاحقة. كما أن فرنسا لم تشهد خلال حكم نابليون تطوراً يذكر على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. فقد تركز تطور الصناعة على الصناعات العسكرية، وتلك الفروع المكرسة لخدمات طلبات الجيش. أعاق الحصار الذي فرض على فرنسا، استيراد المكائن والآلات والمواد الأولية. فبينما كانت انكلتره تنتقل على نحو واسع إلى المحرك البخاري على اثر اختراع جيمس وات الماكنة البخارية سنة 1785، بقيت فرنسا لامد طويل تعتمد بصورة أساسية المحرك بقوة الماء، ولم يتجاوز عدد المحركات البخارية في نهاية عهد نابليون 15 محركاً. كما إن الجزء الأعظم من الوقود بقي خشب الأشجار لتعذر استيراد الفحم الحجري من انكلتره والبلدان الأوربية المعادية. ولم تشهد بنية المجتمع الفرنسي أبان عهد بونابرت تطوراً يذكر على المستوى الديموغرافي. فظل الفلاحون يمثلون ثلاثة أرباع السكان، يملك قرابة نصفهم قطع ارض صغيرة، غير مجدية اقتصادياً، مما اضطر اغلبهم بيع قوة عمله للمزارعين الكبار. ولم تشهد فرنسا هجرة ملحوظة من الريف إلى المناطق الصناعية، إلا بعد عهد نابليون، مما يعكس ضعف تطور الصناعة[36].

أما على مستوى العلاقات المدنية والثقافية فقد خلفت حقبة نابليون مؤسسات قامت عليها النهضة الفرنسية، نظم إدارية وقانونية (إصدار القانون المدني) ومالية. إلى جانب تأسيس الجامعات والأكاديميات. ومن ابرز إنجازاته الثقافية الموسوعة الفرنسية، وتحفيز التأليف في الفلسفة والعلوم الأخرى، الأمر الذي استحق عليه نابليون وصف "الطاغية التنويري".

ولهذا يبدو أن من الإجحاف إسقاط معطيات المشهد البونابرتي على العديد من التجارب الانقلابية في بلدان العالم الثالث، وبضمنها العراق. فقد تنفس نابليون عطر عصر التنوير الذي مهد للثورة الفرنسية. أما رموز الانقلابات العسكرية عندنا فقد تربوا في كهف الجهالة العثماني الذي قطعهم عن تراث تأريخهم الحضاري. ولذا نجدهم يستلهمون من البونابرتية عسكرة الحياة وروح المغامرة، بنية حرق المراحل، من دون أن يلتفتوا إلى إنجازاتها التنويرية. منذ عقود والحديث يدور حول "الموسوعة العربية" فماذا حلّ بشأنها؟ واقل منها، "الأطلس العربي" متى يرى النور؟!

ويسترعي الانتباه حضور مشاهد الثورة الفرنسية ورموزها في ثقافة النخبة المنورة في العراق. ويعود ذلك إلى الحضور البارز لأحداث الثورة الفرنسية في مفردات مادة "التأريخ الأوربي" التي كانت تدرس أبان العهد الملكي في الصفوف المنتهية للمراحل الدراسية: الابتدائية والمتوسطة والإعدادية (الفرع الأدبي). ولربما كان ذلك تحت تأثير الثقافة الفرنسية لساطع الحصري، الذي لعب دوراً ملحوظاً في المناهج الدراسية وقتذاك. وأتذكر إن الفصل المكرّس للثورة الفرنسية كأن يستأثر باهتمام التلاميذ، بالمقارنة مع الفصل المتعلق بتأريخ بريطانيا الذي كانوا ينفرون منه، بسبب الكراهية التي استوطنت وعي العراقيين إزاء الاستعمار البريطاني.

كان وعي المجتمع يعرب بأشكال مختلفة عن الحاجة إلى زعيم مندفع يسرّع من مسيرته، ويعوّض العراق عن الفرص التاريخية التي ضاعت منه عبر القرون المظلمة. تأثر القومانيون بزعامة هتلر، واليساريون بزعامة ستالين، وذوي الثقافة التركية، باتاتورك.

وكانت البوصلة تتحرك من رمز لآخر حسب تغير الظروف والقناعات.ولهذا نجد أن الكثير من المتأثرين بالتجربة النازية، تحولوا لاحقا إلى التأثر بالتجربة السوفياتية.

تطلعت الجماهير إلى شخص الملك الشاب غازي، وعقدت عليه الآمال. وتجاوب هو مع تطلعاتها، فراح يجاهر بعدائه للإنكليز ويدعو إلى ضمّ الكويت إلى العراق عبر إذاعة خاصة به تبث موجاتها من قصر الزهور. ويمد الجسور إلى الضباط المتحمسين في الجيش، ويستعرض روح الإقدام والمغامرة عبر قيادة طائرته في أجواء بغداد. وبعثت التصرفات المندفعة للملك غازي الآمال لدى جماهير الشعب، فراحت تراهن على مقدرته على مقارعة الإنكليز وتحقيق الاستقلال الناجز والانتقال نحو تحقيق الوحدة العربية. ولكنها صحت ذات يوم لتجد أن جميع تلك الآمال لم تكن إلا كثبان رملية جرفتها الرياح بمقتله. وبقي الملك غازي في ضمير العراقيين رمزاً للوطنية. وحرص الوعي الشعبي على سلخ شخصيته عن منظومة العهد الملكي، بل وعدّه في مقدمة ضحاياه. وتجلت تلك المشاعر حين رفع بعض الناس صورة الملك غازي في التظاهرات الجماهيرية التلقائية صبيحة يوم 14 تموز 1958، في الوقت الذي كان يُذبَح نجله الملك فيصل الثاني ويُطاح بتمثال أبيه الملك فيصل الأول.

ومن الملاحظ إن المزاج السياسي للمجتمع العراقي يتجاوب مع الحركات الثورية الرديكالية للامم الأخرى وتتأثر بها تياراته، ويسترعي الانتباه بهذا الصدد أن تجربة المهاتما غاندي في النضال السلمي لتحرير الهند لم تجد لها أصداءً تذكر في المشروع السياسي العراقي، مع إنها كانت تحظى بتعاطف الرأي العام. ولكن أن تتعاطف معها شيء، وأن تتأثّر بمنهجها، شيء آخر. ولا تشير الأدبيات السياسية إلى تيّار تبنّى بوضوح فلسفة المهاتما غاندي في المقاومة السلبية. اللهم إلا ما نقله بعض شيوخنا الذين عاصروا أحداث أوائل العشرينات من القرن الماضي، حين شُبّه الشيخ مهدي الخالصي بالمهاتما غاندي، لتمرّده على مخططات الانتداب سنة 1922، حين هزجت بعض المواكب الحسينية:

 

غاندي بالهند، زغلول بمصر      وأنت ثالثهُم على هذا القُطُر

 

ولا تؤشر الذاكرة السياسية ترويجاً يذكر لمنهج المهاتما غاندي في المشروع السياسي العراقي إبّان  الثلاثينيات والعقود اللاحقة. ومع اشتداد  بأس الحركات الثورية في الصين وفيتنام وكوريا، تعرّضت التجربة الهندية للغمز من قِبَل اليسار الذي ألمّح إلى أن الغاندوية غذّاها الاستعمار البريطاني، لقطع الطريق أمام التحوّلات الثورية الراديكالية للشعب الهندي. وبقي الوعي السياسي العراقي يرى النضال السلمي والمقاومة السلبية ضرباً من السذاجة السياسية. إن نظم الحكم الجائرة والشرسة التي تعاقبت على الشعب العراقي، لم تُتح له اختبار جدوى أساليب النضال السلمي، وكردّ فعل تعزّزت في وعيه مقولة:

 

"الحق بالسيف، والعاجز يريد شهود"

 

ومما هيأ "للبونابرتية" تربة خصبة في العراق، استعداد الجماهير الدائم لعسكرة الحياة المدنية، وفي مقدّمة ذلك اندفاعها للانخراط في الميليشيات المسلّحة دفاعاً عن حياض الوطن. وتمثّل ذلك في اندفاع التلاميذ والطلبة إلى الانخراط في الكشّافة والفتوّة في عهد الملك غازي وفي "كتائب الشباب" إبّان حركة مايس 1941، وفصائل "المقاومة الشعبية" بعد 14 تموز 1958، وفصائل "الحرس القومي" بعد 8 شباط 1963.

بعد 14 تمّوز 1958 توسّمت الجماهير في شخص عبد الكريم قاسم المنقذ الموعود، الذي رسم ملامحه خيالهم الرومانسي المُعذّب بالكبت والحرمان والقمع. فمحضت الجماهير عبد الكريم قاسم حبها إلى حد الوَلَه حتى إنها حملت سيارته في إحدى المرات. أتذكر إن جدتي التي كان يربو عمرها على الثمانين عاماً، أعربت عن امتعاضها بعد مرور شهرين على الثورة- لأن المطربين لم يبادروا إلى التغني بعبد الكريم قاسم. ولم يخيب المطربون رجاءها، فبعد أسابيع أنشدت فرقة الإنشاد، انشودة :"عبد الكريم كل القلوب تهواك".

ويلاحظ إن عبد الكريم قاسم وعلى الرغم من تربيته العسكرية، لم تتغلب على سياساته وسلوكه النـزعة البونابرتية، وعسكرة الحياة، ولا يبدو انه كان متعاطفاً مع تشكيلات المقاومة الشعبية، إذ سرعان ما جمدها. كما انه لم يروّج خلال فترة حكمه لمخططات توسعية تذكر، باستثناء تلويحه بضمّ الكويت إلى العراق، من دون أن يقدم على ذلك.

وجدت البونابرتية مرتعاً خصبا لها في عهد صدام حسين، في ظروف هيأ لها بدأب وأناة. وبينما وفرت مسيرة الثورة الفرنسية ظروفا مؤاتية لبروز قيادة نابليون بونابرت وبسط هيمنته الإمبراطورية، بذل صدام قصارى جهده لخلق مقومات بسط ديكتاتوريته. فشرع ابتداءً بتصفية منافسيه على مستوى الحزب والدولة والقوى المعارضة. وزحف في الوقت عينه للسيطرة على المؤسسة العسكرية، ابتداءً بمنحه رتبة عسكرية متقدمة واشغال منصب وزير الدفاع، في أواسط السبعينيات.

لم يضطر نابليون إلى تصفية زعامات الثورة الفرنسية، لأنها صفت نفسها بنفسها وهيأت المسرح السلطوي له. ولم يظهر كمغتصب للسلطة كما يفعل فرسان انقلاباتنا العسكرية- ولكنه وجد عرش الزعامة شاغراً فملأه. ولم يفرض نفسه على المؤسسة العسكرية، لانه كان ابنها البار، الذي اثبت جدارته الميدانية في الحملة الأولى على إيطاليا سنة 1794 (كان عمره آنذاك 25 سنة) وفي الحملة الثانية عليها سنة 1796، وانتصاراته في الحملة على مصر سنة 1798/1799. الأمر الذي أكسبه احترام المؤسسة العسكرية التي ظلت تدين له بالولاء حتى آخر أيام حكمه. فبعد هزيمته سنة 1814، عاد متخفيا من منفاه في جزيرة ألبا، وتمكن خلال مائة يوم من إعادة تعبئة فلول جيشه، ليخوض معركة واترلو سنة 1815 التي سجلت هزيمته النهائية.

أما صدام حسين فظل غريباً عن المؤسسة العسكرية، على الرغم من تزلفه إليها وإغراق قياداتها بالامتيازات. كانت تدرك جهله بالعلوم والفنون العسكرية، واستفزها انتهاكه لتقاليدها، وخاصة "القِدم العسكري" حين رفع شخصيات من القاع مثل حسين كامل وعلى حسن المجيد ونصّبهم على قمة هرمها. هذا إلى جانب حماقاته بزج الجيش في معارك عبثية مهلكة. عمقت كل هذه العوامل غربته عن المؤسسة العسكرية، التي تجلّت بأوضح صورها في 9 نيسان 2003، حين انفضت عنه، ليشهد بام عينيه هزيمته العسكرية المنكرة، التي لم تصدقها جيوش الاحتلال، وأصيب بالإحباط الكثير من الجماهير العربية، التي عقدت عليه الآمال، وتوسمت فيه "صلاح الدين الأيوبي" المنتظر الذي سيغطي سماء القدس بالرماح، كما ينبئ بذلك النشيد الوطني العراقي.

تجلت النـزعة البونابرتية بوضوح في صدام حسين حين رفع شعار: "تباّ للمستحيل" المستوحى من طلب نابليون حذف مفردة "المستحيل" من اللغة الفرنسية، وتحول طلبه إلى مقولة شائعة في الفرنسية: Impossible n'est pas Francais، أي المستحيل ليس فرنسية [37]. وعندما قيل لنابليون أن جبال الألب الشاهقة تُعيق تقدّم جيوشه، أجابهم: يجب أن تُلغى من الخارطة [38].

ويُرسِّخ النـزعة الإرادوية لدى الطُغاة توفرهم على أدوات تنفيذ مغامراتهم، فالمجتمع بجميع موارده: البشرية والمادية رهن إشارتهم. ويغيب عن رؤوسهم أن العبرة ليست في إنجاز الفعل، بل في النتائج المترتبة عليه. وبسبب نجاحهم في تطويع الناس، يتوهّمون أن بمقدورهم تطويع قوانين الحياة، وإخضاع حقائقها لإرادتهم، الأمر الذي يغريهم بالاستهانة بها والإقدام على انتهاكها. إن معيار انتصارهم في المعارك التي يخوضونها، هو بقاؤهم في كرسي الحكم، ولا يكترثون بالخسائر والكوارث التي تلحق بشعوبهم ومستقبلها. إن بضاعة "تبّا للمستحيل" نابليونية الصنع التي روّج لها صدام حسين، لم تكن مجرد مقولة لاستنهاض الهمم، بل فلسفة اتخذ على أساسها الكثير من قراراته الارادوية، وفي مختلف المجالات.

1- تأتي في مقدمة سياساته الإرادوية، المغامرات العسكرية العبثية التي استغرقت سنوات حكمه، من دون أن تحقق أياً من أهدافها المعلنة على تهافتها. وكلفت البلد خسائر بشرية ومادية فادحة يصعب تقديرها. ولكن صدام حسين ظل مصراً على تحقيقه الانتصارات في جميع المعارك التي خاضها ومعياره في ذلك، بقاؤه في كرسي الحكم. ويكاد المرء لا يصدق وهو يسمع صدام حسين (يوم 2/7/2004 في جلسة توجيه الاتهامات إليه) إن سبب احتلال الكويت سنة 1990 كان توجيه بعض الكويتيين إهانة إلى المرأة العراقية. ويتساءل المرء، ماذا كان سيحل بالامم، لو أن توجيه الشتائم يسوغ شن الحروب؟ في الغالب إن البشرية كانت ستنقرض منذ عشرات القرون. أن مثل هذه الذريعة المتهافتة لا تسوّغ الاقتتال بين الأفراد، فما بالك بين الدول والأمم!

 2- تحولت مقولة "تبًا للمستحيل" إلى سيف مسلط على رقاب العلماء والمهندسين والفنيين في الصناعة، وخاصة رجال التصنيع العسكري. وما كان أحدهم ليجرؤ على النطق بكلمة قد توحي بتعذر إنجاز المهمة التي توكل إليه، حتى وان ارتبط الأمر بغياب حلقة تكنولوجية يتعذر التوفر عليها. وقادت تلك الأجواء المحمومة إلى إخفاقات مكلفة جداً.

3- الاستهانة بقوانين الاقتصاد الموضوعية، والإيمان بإمكانية تطويعها، كما لو إنها قوانين وضعية، وتجلى ذلك في مناسبات ومعالجات عديدة:

أ- بهدف كبح الارتفاع السريع في أسعار المواد الغذائية في سنة 1992، أقدم صدام حسين على إعدام مجموعة من كبار تجار السوق، بتهمة التلاعب بأسعار قوت الجماهير. وعلى اثر تلك المجزرة شهدت أسعار المواد الغذائية مزيداً من الارتفاع.

ب- أخضعت الفواكه والخضروات صيف سنة 1994 لتسعيرة حكومية، على اثر تولي صدام حسين منصب رئيس الوزراء (إلى جانب رئاسة الجمهورية). وأشاعت الأجهزة المخابراتية والحزبية في حينه أن ذلك الإجراء سيحل الكثير من اختناقات السوق. وكانت النتيجة أن استشرت السوق السوداء وارتفعت الأسعار اكثر. مما اضطر الحكومة إلى التراجع عن قرارها. والطريف في الأمر إن أسعار السوق انخفضت إلى اقل من الأسعار الحكومية بعد التراجع عنها.

ج- في محاولة لكبح التضخم وسحب جزء من السيولة النقدية من التداول، لجأت الحكومة إلى ألاعيب رخيصة، راحت ضحيتها شرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود. فقد لفقت مجاميع محتالة تدعي توظيف الأموال، وتغري الناس بعوائد شهرية تصل أحيانا إلى نسبة 100%، وهي نسبة عائد فلكية. ولم يطل عمر هذه المجاميع المحتالة التي كانت تقف وراءها الدولة، إلا بضعة اشهر سحبت خلالها عشرات مليارات الدنانير من التداول.

4- محاولة تغيير الخارطة السكانية للمجتمع العراقي وتمثل ذلك في تهجير عشرات آلاف المواطنين الكرد من المناطق الشمالية إلى وسط وجنوب العراق، واغراء عوائل عربية للنـزوح إلى المناطق الشمالية. وكذلك في إسقاط الجنسية العراقية عن مئات آلاف المواطنين العراقيين تحت ذريعة "التبعية" الإيرانية ورميهم خارج العراق.

5- انتهاك البيئة الطبيعية، وتمثل ذلك في تجفيف الأهوار الذي قاد إلى كارثة بيئية واقتصادية، قضت على الثروة السمكية في الاهوار التي كانت تمثل 60% من استهلاك الأسماك في العراق وتدمير ثاني اكبر ثروة لحيوان الجاموس في الشرق الأوسط، وعلى عشرات الأصناف من الطيور المحلية والمهاجرة.

 

3-2-3 الرؤية التآمرية

انغرست في وعينا السياسي مفردة "المؤامرة" وتشبّعت بها أجواءنا السياسية وسجل شيوعها خطاً بيانياً متصاعداً، حتى صور العراق خلال العقود الأربعة الأخيرة، انه مشروع دائم للتآمر.

يذكر المخضرمون الذين عاشوا صفحات المشروع السياسي العراقي أن مصطلح "المؤامرة" لم يجد له رواجاً واسعاً في العهد الملكي. لان المواجهات بين القوى السياسية (الحاكمة والمعارضة) كانت تحدث في الغالب- على المكشوف. وكانت القوة الحاكمة تستخدم مفردات مثل: الهدامين والمخربين والفوضويين.. وماشابه. بيد أن مفردة "المؤامرة" لم تجد حضوراً كبيراً في القاموس السياسي المتداول.

ولكن ما أن انفجرت ثورة 14 تموز 1958 حتى انتصبت مفردة "المؤامرة" وراجت بعد مرور اشهر معدودة على الثورة. وأعلن خلال زهاء أربعة اشهر (من 5/11/1958 ولغاية 8/3/1959) عن ثلاث مؤامرات (مؤامرة عبد السلام عارف ورشيد عالي الكيلاني والشواف).

التآمر في حقيقته، هو حصيلة إخفاق المشروع الليبرالي، الذي يسمح بالصراع المكشوف بين السلطة السياسية الحاكمة والمعارضة. وحين تستخدم الدولة العنف في معالجة الصراع تلجأ القوى المعارضة إلى نهج التآمر. وتعرف الأدبيات السياسية المؤامرة، إنها الفعل السياسي غير الشرعي لقلب نظام الحكم. والحقيقة إن المؤامرة هي الوليد الشرعي لأسلوب الحكم المستبد.

إن الوصول إلى السلطة بأسلوب تآمري، يحفز لدى السلطوي الجديد الإحساس بتآمر الآخرين عليه. وكما يقول المثل "يخاف السارق على عباءته، والزاني على امرأته". ويفسر الرؤى والمواقف المعارضة له بأنها ضرب من التآمر، فيسارع إلى كبحها، واستخدام العنف في اجتثاثها، وإشاعة روح القلق والتوجس لدى الرأي العام فدائماً ثمة مؤامرة تحاك! وبدلاً من معالجة التناقضات بحصافة سياسية عن طريق التقصي عن أسبابها وجذورها، يعمد السلطوي إلى اجتثاث هذه الجذور قبل أن تظهر نبتتها على سطح التربة. والسلطوي الاشطر: من يتغدى بخصومه قبل أن يتعشوا به.

أن الرؤية التآمرية إلى تناقضات المجتمع وانعكاساتها السياسية، تحكم أساليب التعامل معها، عن طريق التنكيل بالخصوم. الأمر الذي يزيد تلك التناقضات احتداماً. فيتحول الكثير من التناقضات الثانوية إلى تناحريه. إن اغلب علل الجسد تعالج سريرياً، ولا يلجأ إلى التدخل الجراحي إلا عند الضرورة. ولكن تصوروا ما الذي سيحدث لو إن جميع علل الجسد عولجت جراحياً! لن يكون ذلك ولا ريب- إلا تخريباً وانتهاكاً مبرمجاً للجسد الإنساني. وبالفعل فقد راجت في الوعي السياسي العراقي مقولة:"اقطع رأس وأمت الخبر". وما زلنا إلى الآن ننحو باللائمة على الزعامات التي تهاونت مع خصومها ونرى انها لو اجتثتهم من الجذور، لما قيّض لهم أن يقفوا على أرجلهم ثانية وينفذوا مؤامراتهم. وهذا ما سنتعرض له لاحقاً.

 

3-3 مؤسسة العنف العراقية

تُبيّن مسارات الإرادوية في الحركات السياسية في العالم، أن العنف يمثّل آليات عملها. أما في العراق فالأمر ينطوي على جدلية خاصة. فمؤسسة العنف العراقية عريقة تاريخياً وتمثّل امتداداتها المعاصرة حاضنة نموذجية للإرادوية. لذلك نجد أن الإرادوية لا تمثل ظاهرة عرضية في المشروع السياسي العراقي كما هو الحال مع الحركات السياسية في البلدان الأخرى، بل الرؤية المهيمنة على أغلب أوساط المجتمع العراقي.

لهذا فإن فرشة تاريخية لنشوء وتطور مؤسسة العنف في العراق تبدو ضرورية لفهم التداعيات الإرادوية المعاصرة في المجتمع العراقي. وهي في الوقت عينه مناقشة للرؤية التسطيحية إلى تداعيات العنف الذي يشهده العراق اليوم، واختزاله إلى مجرّد إرهاب مستورد لا تربة له في المجتمع العراقي "الوديع بطبيعته". وبهذا الحكم المبتسر يصار إلى إلغاء تأريخ مؤسسة العنف في العراق لآلاف السنين، فضلاً عن تداعياته المعاصرة وحتى يومنا هذا. قد تتفوق مدارس العنف المعاصر بتقنياتها، ولكنها لا تتوفر على الرصيد التاريخي الثر لمدرسة العنف العراقية.

 

3-3-1 الجذور التاريخية

خير من عبّر عن جموح العنف العراقي، الفنان الراحل جواد سليم في نصب الحرية. وتجتاح المرء عندما يتأمل هذا النصب بإمعان رعشة خوف وقلق. ويبدو الفرق واضحاً لدى مقارنته بوداعة تمثال الحرية في ميناء نيويورك. كما أننا لا نجد في النُصُب الملحمية لدى الشعوب الأخرى تجلّيات العنف الجامح في تأريخ العراق التي اختزلها نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد.

العنف قرين الاستبداد ودالته. وإذ أن العنف يستمد وظيفته من طبيعة تنظيم الدولة، فقد تَحقّق في وادي الرافدين عبر مسعى الدولة لقهر الطبيعة القاسية ومواجهة طغيان نهري دجلة والفرات. ويعزي أستاذ الآثار القديمة الدكتور تقي الدبّاغ ضراوة العنف السياسي للدولة في وادي الرافدين إلى ظاهرة العنف الذي تميّزت به الطبيعة، والتي تمثّلت في عنف فيضان الرافدين وخاصة دجلة، وعدم انتظامه وملاءمته أوقات المواسم الزراعية، بالمقارنة مع نهر النيل الذي لا يصاحب فيضانه في الغالب العنف والتدمير. ويستطرد الدكتور الدبّاغ فيسقط العنف المدمّر للطبيعة على العنف الذي تميّزت به حضارة وادي الرافدين، عبر المقارنة بين أسطورة الخلق المصرية والبابلية. تتسم أسطورة الخلق المصرية بالهدوء، حيث قضت إرادة الآلهة أن يكون أول إله خالق ملكاً، متمثلاً في الفرعون الإله. أما في أسطورة الخلق البابلية فلم تنشأ الملكية إلا بعد تنازع الآلهة فيما بينها من أجل السيادة على الكون. ولهذا نجد أن الصفة الغالبة لآلهة حضارة وادي الرافدين هي البطش والقوة والتقلّب. وبينما نلاحظ أن حضارة وادي النيل تميّزت بالاستقرار والشعور بالاطمئنان، نجد حضارة وادي الرافدين يسودها العنف والتوتر والتشاؤم والمفاجآت. فضلاً عن أن العراق إقليم مفتوح على الخارج، بينما يعدّ وادي النيل مقفلاً تقريباً أمام الغزاة، فتعرّض وادي الرافدين إلى هجرات الأقوام الكثيرة والغزوات العنيفة [39].

وعلى المستوى الميثولوجي تروي الروائية لطفية الدليمي كيف تحولت الآلهة "عشتار" في نهاية العصر البابلي وازدهار الإمبراطورية الآشورية إلى إلهة للحرب تقف على ظهر أسد حاملة أسلحتها، بعد أن كانت في العصر السومري وباسمها (إينانا) إلهة للحب والخصب والجمال [40].

وإذا اقترنت الحضارات العظمى لوادي الرافدين بالاستبداد والعنف، فإن أفول آخر حضاراته (العباسية) قاد إلى نكوص الدولة عن دورها الحضاري في مواجهة عنف الطبيعة، من دون أن تتخلى عن عنفها وبطشها إزاء المجتمع. وعلى هذا النحو تعرّض المجتمع العراقي على أثر سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 1258 م إلى عنف مزدوج: عنف الطبيعة المنفلت، وعنف الغزاة الذين تعاقبوا عليه حتى تأسيس حكمه الوطني سنة 1921. ويتبين حجم العنف الذي تعرض له أثناء هذه القرون من خلال إحصاء أهم الكوارث الطبيعية والسياسية التي عصفت ببغداد للسنوات (1258-1921): (86) فيضاناً لنهر دجلة، (40) حالة تفشّي لوبائي الطاعون والكوليرا، (110) حالة اقتتال (حروب غزو، وحروب أهلية، وفتن ومؤامرات وحصار). وكثيراً ما تزامن حدوث معظم تلك الكوارث في آن [41].

 

3-3-2 مؤسسة العنف في العراق الحديث

يفصل المجتمع العراقي المعاصر عن آخر صفحات تاريخه الحضاري ما يربو على ستة قرون، تُمثّل وفق منطق التاريخ شللاً في حركته. استنفد خلالها رصيده من إرثه الحضاري، باستثناء العنف الذي واصل الحاكمون ممارسته تجاه المجتمع، بينما تلفّع بالبداوة التي استشرت كمصد في وجه عنف الدولة واستبداداها، على مستوى المحكومين. وانعكست تداعيات العنف التاريخي في المشروع السياسي المعاصر.

 

أولاً: فشل الاتجاه الليبرالي الذي أسس له القانون الأساسي العراقي (الدستور) لسنة 1925. ويستغرب المرء حين يقرأ مواد الباب الأول من الدستور المتعلقة بحقوق الشعب، كيف اندحرت في حيّز التطبيق. بما يعني أن مضمونها الليبرالي جاء متقدماً بالقياس إلى الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع العراقي الذي ورث مظاهر القهر والاستبداد وتشبّع بها وعيه.

 

ثانياً: تابعنا سابقاً في الفقرة (3-2-5) سلسلة الانقلابات العسكرية في المشروع السياسي العراقي، التي مثّلت لحمته وسداه، وما خلّفه من وعي سياسي مغلق يرى في الانقلاب العسكري الحل الوحيد للخروج من أزمات المشروع.

 

ثالثاً: اصطبغ المشروع السياسي العراقي بطابع العنف. وتأسست في الوعي السياسي للمجتمع منظومة من المفاهيم والشروط تحكم النشاط السياسي، ارتقى بعضها إلى مصاف المسلّمات مثل: الروح الصِدامية، والجرأة، والإقدام، والصلابة، والتفولذ، والاحتمال الأسطوري لأصناف التعذيب الجسدي والنفسي، والاختفاء، والزوغان من البوليس السري، واحتمال الإضراب عن الطعام لأسابيع في السجن وغيرها. وتجلّت الروح الصِدامية في التظاهرات التي لم تخل من التصادم مع رجال الشرطة والانضباط العسكري، حتى بات مشهد الهراوات وهي تتهاوى على رؤوس المتظاهرين مشهداً مألوفاً، ناهيك عن ملاحم إطلاق العيارات النارية. وكان أحد المتمرسين في التظاهرات الصِدامية في العهد الملكي ينظر باستخفاف إلى التظاهرات السلمية في أعقاب ثورة تموز 1958. ويأنف من المشاركة فيها، لأنها على حد تعبيره: "طعام من دون ملح". وأظنه رحّب بالتظاهرات الصِدامية مع الانضباط العسكري لعبد الكريم قاسم، لاحقاً.

وعلى هذا النحو اقترن العمل السياسي في العراق بالنضال، وعُدّ الناشطون السياسيون مناضلين. ورُسمت للمناضل في خيال الناس صورٌ أسطورية مستوحاة من الأجواء الصِدامية للنشاط السياسي، ولا يجدر بمن لا يمتلك حدوداً معينة من مستلزمات النضال أن يزجّ نفسه بالعمل السياسي. وأولدت أجواء الرومانسية الثورية تلك رموزاً نضالية تتداول الجماهير أخبار بطولاتها وصلابتها. وحدث العكس حين انهار بعض تلك الرموز تحت وطأة التعذيب الذي لا يطاق. وسبب انهيارها خيبات أمل قاتلة لدى القواعد التي رسمت لها صور البطولة الأسطورية، وتساقطت جراء ذلك هياكل تنظيمية كما تتساقط قطع الدومينو. وتحوّل البطل الأسطوري إلى جبان متخاذل، وراح أولئك الذين رفعوه إلى مصاف الأبطال ينبشون سيرته الشخصية، علّهم يعثرون على مواطن ضعف فيها، تفسّر أسباب انهياره.

وفي أجواء العنف بين الحركات السياسية برزت في حينه ظاهرة تسترعي الانتباه، تمثلت في استقطاب معظم تلك الحركات عدداً من "الأشقياء" لتعزيز رصيدها الصِدامي. وكان لأولئك الأشقياء حضور ملموس في الانتخابات البرلمانية إبان العهد الملكي، بوصفهم أداة ضاربة تبث الرعب والفزع في صفوف الخصوم والجماهير التي تميل إليهم. واستمرت ذيول هذه الظاهرة إلى ما بعد ثورة تموز 1958، حين كانت بعض الحركات السياسية تبرّر وجود أولئك الأشقياء بين صفوفها، بأنها تمكنت من تهذيبهم وإرشادهم إلى الطريق السوي، والتخلّي عن خلفياتهم الشقواتية العدوانية. وهو تبرير متهافت. فتخلّي الشقي البلطجي عن إرثه الشقواتي يجعل منه فرداً عادياً، ويفقده "كفاءته" في إخافة الخصوم والتصدّي لهم. ولا يملك أولئك الأشقياء كفاءة غير الاستهانة بحياة الناس واستسهال سفك الدماء، وهذا ما لا يقدر عليه الإنسان السوي. والطريف في الأمر أن بعض هؤلاء الأشقياء أرسل في زمالات دراسية إلى أوربا، ولم يتخلوا عن سلوكهم الشقواتي هناك.

 

رابعاً: لدى دراسة المشروع السياسي العراقي نستخلص أن الأحزاب والتيارات السياسية الراديكالية كانت الأوفر حظاً في تعبئة الجماهير، وتحريك الشارع السياسي. أما التيارات  ذات الطابع الليبرالي فكان تأثيرها أضعف. واتّسم نشاطها بالموسمية، إذ لم يكن بمستطاعها مواجهة عنف السلطة بأدوات الفعل السياسي الليبرالية.

اليوم، وعلى الرغم من تغيّر مكونات وسياقات المشهد السياسي، نجد أن الأحزاب والتيارات التي تتبنّى النهج الليبرالي في سلوكها السياسي ما زالت ضعيفة التأثير في تحريك الشارع، مقارنة بالتيارات ذات السلوك الراديكالي. أما الأحزاب السياسية العريقة بكفاحها الراديكالي، فتُعوّل -إلى حدٍ بعيد- على رصيدها الثوري التاريخي. وهكذا نجدها تتمسّك بتاريخها النضالي الثوري، واجهة تسويقية، لترويج منتوجها الليبرالي الجديد.

 

خامساً: تمثّل عقوبة الإعدام مهما كانت مسوغات تطبيقها، أكثر العقوبات عنفاً. وحين يتوسع القانون في تطبيقات عقوبة الإعدام، فإنما يعبّر ذلك عن حجم العنف والعنف المضاد في المجتمع. نذكر ذلك بعيداً عن مسألة تعليق عقوبة الإعدام في العراق وما نشأ بخصوصها من  مناقشات فقهية. إنما نحاول الوقوف على الخط البياني لتصاعد تطبيقات عقوبة الإعدام في أرض الرافدين، ونورد أدناه خلاصة عن ذلك، في مقالة نشرها الباحث القانوني السيد طارق حرب [42].

1- عاقب قانون أورنمو (في الألف الثالث قبل الميلاد) بالإعدام على جريمة واحدة فقط، هي إغواء المرأة المتزوجة. وقبل نهاية الألف الثالث للميلاد عاقب قانون لبيت عشتار بالإعدام على جريمة واحدة أيضاً، هي ضرب المرأة الحامل، إذا ترتب على ذلك وفاتها.

2- عاقب قانون أسنونا (قبل قانون حمورابي) بالإعدام على ست جرائم.

3- توسع قانون حمورابي بعقوبة الإعدام (نحو 20 جريمة).

4- الراجح أن الفقه الإسلامي يعاقب بالإعدام في خمس جرائم: القتل المتعمّد، وأربع من جرائم الحدود (البغي، والردة، والحرابة، وزنا المحصن).

5- يعاقب القانون الهمايوني (العثماني) بالإعدام على نوعين من الجرائم: الماسّة بأمن الدولة، وجرائم القتل (في 14 مادة).

6- يعاقب قانون العقوبات البغدادي بالإعدام في الجرائم التي تمس أمن الدولة و 6 من جرائم القتل.

7- في قانون العقوبات الصادر في 19/7/1969 الذي حل محل قانون العقوبات البغدادي. بلغ عدد المواد التي توقع عقوبة الإعدام (39) مادة. ولم يكتف بذلك، بل نصّ على إيقاع عقوبة الإعدام بالحالات التي تماثلها في أفعال محدودة وغير محدودة. واعتبر هذا القانون بعض الأفعال التي تكون محلاً لالتزامات تعاقدية جرائم يعاقب عليها بالإعدام. كما ذهب القانون إلى اعتبار أي قول بمثابة إهانة للهيئات النظامية فعلاً عقوبته الإعدام على وفق المادة (225). كما وقرر عقوبة الإعدام في القرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة.

والجدير بالذكر أن عقوبة الإعدام تحظى بتأييد وحماسة الرأي العام العراقي والشواهد على ذلك كثيرة:

بعد ثورة 14 تموز 1958 تحولت عقوبة الإعدام إلى مطلب جماهيري، حين خرجت مسيرات حاشدة تطالب عبد الكريم قاسم بإنزال عقوبة الإعدام برموز العهد الملكي، وهي تهتف: إعدم إعدم! أما قصيدة الشاعر الجواهري:

 

فضيِّق الحبل واشدد من خناقهمُ                               فربما كان فــي إرخائِهِ ضرر

 

فقد ارتقت إلى مصاف الدستور، تطالب الجماهير عبد الكريم قاسم باعتماده. وللآن يلوم الكثيرون عبد الكريم قاسم على ضعف أدائه في استخدام العنف ويؤمنون أن حكمه كان سيستمر طويلاً لولا "إرخائه الحبل"، مدللين على فرضيتهم هذه، أن حكم البعث استمر 35 سنة بسبب كفاءة أدائه في استخدام العنف، بينما لم يدم حكم عبد الكريم قاسم إلا 55 شهراً.

إبّان حرب الخليج سنة 1991 كنت أنتظر حصة سيارتي من البنـزين في إحدى محطات الوقود وإذا برجال الأمن يجرّون أحد الشبّان وهم يوسعونه ضرباً. وأُشيع أنه مخرِّب. وكان يقف على مقربة مني رجل جاوز سن الكهولة، فعلّق ممتعضاً: لماذا يأخذوه، ليعلقوه ويشنقوه هنا على عامود الكهرباء، ليصبح عبرة لمن اعتبر. وبعد أن تقصّيت عن الأمر، ظهر أن الشاب المسكين تذمّر من  سوء توزيع النفط داخل المحطّة ولربما عرّض بالحكومة. وهكذا نجد أن الأخ المواطن قرّر إنزال عقوبة الإعدام بحقه على الفور!

 

سادساً: إن العنف لم يقف عند القتل فقط، بل والتمثيل بالقتلى، ومشاهد السحل بعد ثورة 14 تموز 1958 شاهد على ذلك. ومن أساليب التمثيل السادي الرسمي تصوير أجساد آلاف القتلى في معارك الحرب العراقية الإيرانية وبثّها في التلفزيون ضمن برنامج "صور من المعركة". وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على تلك المعارك أعاد التلفزيون عرض تلك المشاهد في برنامج يحمل عنوان "كي لا ننسى". مما يشفّ عن إصرار على تكريس العنف بأكثر صوره سادية وبشاعة.

وأخيراً، وبعد كل هذا، هل من المقبول أن نفسّر أحداث العنف الأخيرة بتسلل فلول إرهابية إلى داخل العراق وحسب. وهل بمستطاع هذه الفلول أن تنشط على النحو الذي نشهده إن لم تجد لها حاضنة مؤاتية في البيئة العراقية، التي يمتدّ تاريخها آلاف السنين؟

 كانت مدرسة العنف العراقي حتى الآن في موقع التصدّي، ولكنها تتحول اليوم إلى موقع الدفاع عن النفس، إذ باتت محاصرة بالمتغيرات العالمية والمحلية التي تهدد بانتزاع مبررات وجودها. ولهذا نجدها أكثر شراسة.

 

3-3-3 استدراك

قد يتراءى للقارئ أن وصف العراقيين وتأريخهم بالعنف، وإسقاطه على مشروعهم السياسي المعاصر، حكم ينطوي على التعسّف. لأن تاريخ البشرية وحاضرها حافلان بأشكال العنف المختلفة. فلماذا نلصق هذه الصفة بالعراقيين من دون غيرهم! ولوجاهة هذا الاعتراض، أستدرك موضحاً مفهومي للعنف.

مما لا مرية فيه أن العنف من الظواهر الملازمة لحياة الإنسان، ابتداءً بأصغر تفاصيلها، وصولاً إلى العوامل الحاسمة في تحريك أحداث التاريخ. فالعنف في ماهيته، هو أحد تجلّيات فعل القوانين التي تحكم الطبيعة والمجتمع. بيد أن البشر يفسرونه بدلالة الدمار الذي يلحقه بهم.

فالعنف الذي كان يوصف به نهر دجلة، هو حصيلة العوامل الطوبوغرافية التي تحكم مجراه. فهو إذاً ليس عنيفاً بذاته، بل بدلالة الدمار الذي كان يسببه للعراقيين. ولهذا الاعتبار يُعدّ نهر النيل وديعاً. وبموجب المعيار نفسه يقسّم الإنسان الحيوانات إلى عنيفة متوحشة، وأخرى أليفة مستأنسة، لخضوعها لسيطرته.

ومن المجدي أن نميّز بين العنف بوصفه تجلّياً لفعل قوانين الحياة، والعنف بوصفه أسلوباً في تعامل البشر مع ظواهرها. وستتوضح في هذا السياق الحدود بين "القوة" و "العنف".

يستخدم الناس القوة، التي تترجِم قدراتهم على الفعل في جميع أنشطة حياتهم: حين نمشي، حين نعمل، حين نغلق الباب ... الخ. ويشوب العنف هذه الأفعال أحياناً، حين نفرط في استخدام القوة، بما يتجاوز متطلبات الفعالية المعيّنة. نلاحظ أن سائق السيارة يمتعض حين نغلق بابها بشدّة، تفوق ما يستوجبه غلقها، لما يسببه ذلك من أضرار بها. ويسبب الإفراط في استخدام القوة في شدّ البرغي الإضرار بالماكنة. ويسبب الطبيب الأذى للمريض حين يصف له جرعة من الدواء تفوق احتماله، أو يقرر إجراء عملية جراحية له، في حين يمكن معالجة علّته بالدواء. وكذلك الأمر حين ينفعل أحد المحاورين، ويرتفع صوته، محولاً الحوار إلى سجال. إنه العنف في جميع هذه الحالات، متجسّداً في الإفراط باستخدام القوة بما يفوق متطلّبات الموقف.

وفي ضوء هذه الحقائق لا يقيَّم العنف بوصفه ظاهرة اجتماعية، بذاته، بل بدلالة النتائج التي تترتب عليه. فنحن لا نقيِّم المغزى التاريخي للثورة الفرنسية بدلالة مظاهر العنف الذي صاحَبها، بل بدلالة التحولات الكبرى التي تمخضت عنها. كما أن من التعسّف الحكم على انتشار الدين الإسلامي، بدلالة العنف الذي صاحب الفتوحات الإسلامية. فمعظم شعوب جنوب شرقي أسيا اعتنق الدين الإسلامي من دون أن تصله الفتوحات، مثل الشعب الإندونيسي الذي يمثّل في تعداده أكبر الشعوب المسلمة. ولكن هذا لا ينطبق على عنف بول بوت في كمبوديا، وصدّام حسين في العراق.

حين نقرأ تاريخ العراق في ضوء هذا الفهم، نجد أن العنف الذي وسم صفحاته، كان تلبية لمتطلبات وشروط بنائه الحضاري وقتذاك. بيد أن إشكالية العنف تجلّت حين نكصت المسيرة الحضارية للعـراق، وفقد العنف وظيفته الحضارية البنّاءة، فتحوّل إلى عنف مجرّد وظيفته التدمير. ولهذا لم يرث المجتمع العراقي المعاصر الوظائف الحضارية للعنف، بل عنفاً تدميرياً، عبثياً في حصيلته النهائية. ودخل مشروعه السياسي وهو يحمل رؤية مشبّعة بهذا الإرث. ولم تتمكن المذاهب الاجتماعية والسياسية الحديثة التي تأثرت بها طلائعه المنورة من تنقية رؤيته السياسية من أوضار هذا العنف المدمّر، ووجدت نفسها منجرفة في تياره.

إن من السذاجة النظر إلى العنف الشرس الذي نعيشه اليوم بوصفه وليد المرحلة، أو عنفاً مستورداً. وتمثّل هذه النظرة قفزاً على صفحات العنف المتصاعِد الذي مثّل لحمة وسدى المشروع السياسي العراقي، ابتداءً بانقلاب بكر صدقي سنة 1936، وليومنا هذا. فكل  صفحة من صفحاته كانت تهيئ لأسباب المزيد من العنف في الصفحة اللاحقة. وإذا ما قُيِّض لظاهرة العنف العراقي دراسة معمَّقةً، فسترسم لنا خطّاً بيانياً متصاعداً للعنف، نعيش ذروته اليوم.

وحين نصف العراقيين (ونحن منهم) بالعنف، لا يحدونا التعريض بتأريخهم الحضاري، أو الانتقاص من مآثرهم النضالية وتضحياتهم السخيّة. وما كنّا لنسلّط الضوء على موضوعة العنف العراقي لولا تداعياته المأساوية  الراهنة. ولشعورنا أن الفكر السياسي العراقي ما زال يتهرّب من تناول هذه الظاهرة، مكتفياً بإلقاء مسؤولية ما يحدث على جهات وراء الحدود. إن الانتقال إلى عراق خالِ من العنف لا يتحقق بتبرئة المجتمع العراقي من هذه "التهمة". بل بالاعتراف بهذه العلّة، وتسليط الضوء على عواملها، التاريخية منها والراهنة. عندها فقط يمكننا تلمّس سبل الخروج من دائرة العنف اللعينة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المُقْتَرَب الرْابـِع

الوَعي السِيْاسِي

 

يتطلب التقييم المنصف لأي مشروع سياسي وطني، الوقوف على مستوى وعي المجتمع الذي أسس المشروع. وتقاس -بالمقابل- فاعلية المشروع السياسي بدرجة تأثيره في تطوير هذا الوعي. وتبقى العلاقة بين وعي المجتمع وبين مشروعه السياسي علاقة جدلية، يحكمها التأثير المتبادل بينهما.

 

4-1 ما المقصود بالوعي؟

يمثل الوعي على وجه العموم انعكاساً للواقع في ذهن الإنسان. و يتشكل عبر ذلك نموذج ذهني مبني على المعلومات التي ترفد دماغ الإنسان. وتُعد التجربة المختبر الذي يشذّب ويؤصّل النموذج الذهني. وعلى هذا النحو يتشكّل الوعي، عبر العلاقة الجدلية بين النموذج الذهني والممارسة. وهو ما نطلق عليه بلغة السايبرنتيك (علم المنظومات) التغذية والتغذية العكسية.

ويمارِس الوعي وظائف عدّة، في المقدمة منها: ما يُسمى بالوظيفة الإدراكية (Cognizable Function). وتتجلّى في محاولة اكتشاف خصائص الظواهر والعلائق السببية بينها، القوانين التي تحكمها والنواميس التي تنتظمها. وبهذا يتحقق لدرجة ما المضمون المعرفي للوعي. بيد أن هذه الوظيفة غير كافية. إذ قد تنطوي عملية الإدراك على مواطن ضعف وخلل. وتختلف في أصالتها من فرد لآخر، ومن مجتمع لثانٍ، طبقاً لدرجة نضج عملية الإدراك واختلاف فاعلية الأدوات المستخدمة.

لهذا تنهض لتعميق المعرفة واختبار موثوقيتها وظيفة أخرى تُسمّى بالوظيفة الغائية (Teleological Function) التي تكمّل وظيفة الإدراك. وذلك عبر تحديد غايات معينة وأهداف واضحة. وتتجلّى عبر هذه الوظيفة العلاقة الجدلية بين المعرفة المجرّدة من جهة والتطبيق والممارسة من جهة أخرى.

وعلى أساس الوظيفة الغائيّة تتبلور الوظيفة البرمجية (Programming Function) لتكون دليل عمل لرسم الخطط والبرامج. وفي ضوء ذلك تتبلور المعايير التي تحكم السياسات والقرارات لتنفيذ تلك البرامج.

سقنا هذه الملاحظات الأولية عن الوعي، توطئة لطرح موضوعة: نشأة وتطوّر الوعي السياسي في العراق، بوصفه الحصيلة الملموسة للوعي الاجتماعي.

 

4-2 مصادر الوعي السياسي العراقي

اندلعت ثورة العشرين سنة 1920 في مجتمع تسوده العلاقات العشائرية، وتمتد عصبيتها إلى المدينة، وصولاٌ إلى الحارة. ولم تكن العلاقات الإقطاعية قد تبلورت بعد كمنظومة اقتصادية واجتماعية. بينما نجد أن الثورات البرجوازية في أوربا جاءت لإزاحة الإقطاعية وتأسيس الأسواق القومية، والتي على أساسها تكونت وتطورت الأمم الأوربية الحديثة. بمعنى آخر، إن علاقات الإنتاج في العراق وقتذاك لم تكن قد بلغت بعد النمط الإنتاجي الإقطاعي الذي جاءت الثورة البرجوازية في أوربا لإزاحته.

أخرجت ثورة العشرين ووليدها: الدولة العراقية الفتيّة، المجتمع العراقي من كهوف القرون المظلمة، وتسلطت عليه -على حين غرّة- الأنوار الساطعة للحضارة الأوربية. فوقف مبهوراً أمام برامجها الاجتماعية والسياسية وأطرها المذهبية: الليبرالية والاشتراكية والقومانية. وتأثرت النخب المنوّرة بهذه الأطر الفكرية والمذهبية لمجتمعات سبقت في تطوّرها المجتمع العراقي قروناً عديدة. ولم تكتفِ هذه النخب بالإعجاب والتطلّع في تجارب هذه المجتمعات المتقدمة وحسب، بل جمحت للّحاق بها، ولو عن طريق حرق المراحل، وانطلاقاً من المقولة المصرية الشعبية: "ما فيش حد أحسن من حد". وهنا يكمن سر الكبوات اللاحقة للمشروع السياسي العراقي، والتي قادته أخيراً إلى مصيره المأساوي في 9 نيسان 2003.

درج بعض الكتّاب والمؤرخين  على تفسير نشأة وتطوّر الأفكار الاشتراكية في العراق إلى نشاط العملاء السوفيت، وترويج الأفكار القومانية إلى نشاط عملاء النازية. ويتّسم هذا التفسير بالسطحية. فإذا كان بمقدور عملاء الدول الأجنبية فرض خياراتهم المبدأية على هذا النحو اليسير، لماذا لم تُوفّق بريطانيا العظمى في الترويج لخيارها الليبرالي في العراق، وقد كانت لها اليد الطولى في تأسيس نظامه السياسي!

وبالمقابل يذهب كتّاب عراقيون إلى الطرف المعاكس في تفسير التنامي الكبير الذي شهده التيار الاشتراكي، ويعزون ذلك إلى أن الظروف الاجتماعية والموضوعية كانت مؤاتية لتقبّل الأفكار الاشتراكية. وبهذا الصدد يقول الكاتب عزيز سباهي:

 

"أن الظهور المبكّر للطبقة العاملة العراقية وحركتها، سهّل لها أن تلعب في حركة المجتمع العامة دوراً يفوق وزنها العددي ... الأمر الذي يَحسُن الوقوف عنده، هو الظهور المبكّر للإنتلجنسيا وأثره"[43]   

 

يُستشف من الرأي أعلاه تغليب العامل الفكري على العامل الاجتماعي الذي يفترض وجود طبقة عاملة تحتضن الفكر الاشتراكي الثوري، طبقة عاملة متبلورة، لها موقع مؤثّر في العلاقات الإنتاجية للمجتمع، وليس مجرّد بواكير لها. لقد وسمت هذه الإشكالية مسيرة الحركة الشيوعية في العراق، فتوسّعَ حضورها على المسرح السياسي في أحايين كثيرة، وضاق في أحايين أخر، ولكن ليس بدالة المساحة التي تشغلها الطبقة العاملة في الخارطة الطبقية للمجتمع العراقي.

تشير البيانات الإحصائية أن عدد الطلاب ازداد من زهاء 2000 طالب سنة 1927 إلى زهاء 67000 طالب سنة 1956. أما العمال الصناعيون فازداد عددهم من 13140 عاملا سنة 1926 إلى 128000 عاملا سنة 1956. بمعنى أن الإنتلجنسيا تنامت بمقدار 34 مرّة مقابل حوالي 10 مرّات للعمال[44]. ويكشف حنا بطاطو أن حمَلة الشهادات  الجامعية والثانوية  شكلوا زهاء 67% من الأعضاء الرئيسيين في مختلف المجموعات الشيوعية سنة 1935. وبقيت الغلبة في الكادر القيادي في الحزب الشيوعي العراقي للإنتلجنسيا. وهو أمر يتناغم مع خارطة المجتمع العراقي[45].

أما التيار القوماني فتأثر بالقومانية الأوربية وخاصة (النازية والفاشية) وخُيّل إلى رموزه أن بالمستطاع بلوغ شأوه في الوحدة القومية، وفاتهم أن المجتمع العراقي لم يكن قد خطا بعد إلا خطوات في طريق الوطنية على المستوى الإقليمي، تكبحه العلاقات والذهنية العشائرية. وتبنّى التيار القوماني النـزعة الانقلابية -قولاً وعملاً- برنامجاً له، وظلّ متمسّكاً بها حتى النهاية. وعانى هذا التيّار تناقضاً حادّاً بين أهدافه الوحدوية المعلنة. وذهنيته وسلوكه السلطوي من جانب آخر. حيث شهد اختزالاً مستمرّاً، إلى نزعة إقليمية، ومن ثم مناطقية وعشائرية وأسرية، نزولاً إلى أصغر وحدة في المجتمع، العائلة.

أما الاتجاه الليبرالي فقد أثبت خيبته، على الرغم من تبني النظام الملكي المنهج الليبرالي في الحكم. إذ سعى مؤسس الدولة العراقية، الملك فيصل الأول إلى بناء دولة متحضّرة على أسس دستورية ليبرالية. ولكن أنّى له ذلك وهو لم يتوفر على قاعدة اجتماعية واقتصادية ترفد الليبرالية بمقومات وجودها و تطورها. لقد اقترن نشوء الليبرالية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي بالتحول العاصف في المجتمعات الأوربية إلى علاقات الإنتاج الرأسمالية، على أثر الانقلاب الصناعي. فكيف يقيّض لها أن تشقّ طريقها في مجتمع تسوده العلاقات والذهنية العشائرية!

وإذا كان للاتجاهات الراديكالية "الاشتراكية والقومانية" رصيد تاريخي في الحركات الثورية إبّان الحكم الإسلامي، فإن الاتجاه الليبرالي لا سوابق له -حتى من حيث المظهر- في تاريخ العراق منذ القدم. إذ سيطر على حضاراته ما يطلِق عليه المؤرخون "الاستبداد الشرقي".

لقد تعثّر التيار الليبرالي في طريقه، ولم تجد بعض رموزه مفراً من التحالف مع قطاعات غير سياسية مثل العشائر والجيش، الأمر الذي أفرغه من الخميرة الليبرالية الطارئة التي كان  يتوفّر عليها. والجدير بالإشارة أن ما يسمى "بالتيار الليبرالي" ما كان ليشق طريقه عبر أسلوب حكم ديموقراطي. إذ كانت النخب الحاكمة تدرك جيداً أن الأجواء الديموقراطية تتيح المجال للقوى الراديكالية من لفظها إلى خارج الحكم بين ليلة وضحاها. وكانت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية مختبراً أكّد هذه الحقيقة. فما أن وجدت التيارات الراديكالية متنفساً لها، حتى نظّمت نفسها ولعبت دوراً مؤثراً في الشارع العراقي، تمخضت عنه وثبة كانون سنة 1948. وبينما كان مؤسس الدولة العراقية الملك فيصل الأول، يسعى إلى توسيع رقعة المجتمع المدني، وزيادة نفوذه في تسيير أمور المجتمع العراقي، مع محاولة إحكام السيطرة على العشائر وكبح جماحها، نجد الحكم الملكي في آخر سنواته ييأس من المدن ويخشى تمردها، فيلجأ إلى تعزيز تحالفه مع مشايخ العشائر. ويأتي زواج الأمير عبد الإله على كريمة الشيخ محمد الحبيب، أمير ربيعة سنة 1956 ضمن هذا السياق.

رسّخت الليبرالية أقدامها في المجتمعات الصناعية عبر مسيرة طويلة، ومن خلال مؤسسات وآليات دستورية رصينة ومرنة تستوعب حراك المجتمع، وموازين القوى السياسية. أما في العراق وبحكم البيئة الاجتماعية المتخلّفة فقد ولدت هذه المؤسسات هزيلة، وخير شاهد على ذلك أن الحكم البرلماني (الذي بدأ أول مجلس له في 16 تموز 1924 واستمر حتى 14 تموز 1958) شهد 16 مجلساً نيابياً، لم يستطع إلا واحد منها فقط أن يكمل دورته. وبلغ معدّل عمر الدورة زهاء السنتين. أما على المستوى الوزاري فقد تعاقب خلال الحكم الملكي (الذي عمّر 37 سنة) 59 وزارة، أي بمعدّل وزارة لكل 7,5 شهراً. وشكّل نوري السعيد 14 وزارة خلال 29 سنة [46]. والجدير بالذكر أن العهد الملكي أجهز على التجربة البرلمانية سنة 1954، حين  حلّ المجلس النيابي المنتخب بتاريخ 9/7/1954، بسبب فوز أربعة عشر ممثلاً لقوى المعارضة في الانتخابات بما يمثّل نسبة 10% من مجموع أعضاء المجلس. وعلى هذا النحو سوّغ لقوى المعارضة سلوك سبيل الانقلاب العسكري. وهكذا أخفقت الليبرالية الهشّة التي حاول مؤسسو الدولة العراقية الفتية أن يؤطروا بها مشروعهم السياسي، بسبب غياب المقومات الموضوعية والذاتية والوعي الاجتماعي المُهيأ لاستيعابها، وانعدام الجذور التاريخية لها. فلم ترث مجتمعاتنا من تاريخها ما يشابه ديموقراطية "أثينا و روما"، إذ توالت عليها عبر العصور نظم الاستبداد، وكان آخرها الاستبداد العثماني.

وحين غادر المجتمع العراقي الكهف المظلم الذي قبع فيه ما يربو على الستة قرون، وبدأ مشروعه السياسي الوطني سنة 1921، لم تكن  قاعدة انطلاقه مشابهة لتلك الأمم التي بدأت بالتشكّل في ظل السيطرة الكولونيالية، مثل الهند التي رزحت قرنين تحت السيطرة البريطانية، وإندونيسيا التي خضعت ثلاثة قرون ونصف القرن للهيمنة الهولندية، وغيرهما من شعوب آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. كان العراق في تلك القرون يرزح تحت نير أكثر الإمبراطوريات تخلفاً واستبداداً (الدولة العثمانية). وإذا كانت الكولونيالية الرأسمالية قد حملت إلى الشعوب المستعمرة تناقضاتها، وغرست فيها جذور الوعي المضاد لها، فإن الإمبراطورية العثمانية بما عُرفت به من ركود، عملت على إدامة الوعي المتخلّف لدى الشعوب الخاضعة لها، مؤثرة إعادة إنتاج الوعي المنغلق على نفسه، لكي لا يرى الدنيا والحياة إلا ضمن تخوم الحكم العثماني المتخلّف، إلى درجة أن العراقيين هبّوا للدفاع عنه في الحرب العالمية الأولى سنة 1914.

من دلائل ضعف التجربة الليبرالية في المشروع السياسي العراقي، أن الأحزاب والتيارات السياسية لم تضع الديموقراطية -كمنظومة سياسية مستهدفة- ضمن أولوياتها. بل كانت الديموقراطية تقف عند حدود هامش الحرية الذي يتاح لتحرّك كل منها، أو الحصول على بعض المكاسب السلطوية المتواضعة. ولم يلاحظ في برامجها وسياساتها تحرك صميمي يثقّف الجماهير بأهمية الديموقراطية. وعندما كانت الأحزاب السياسية تأتلف في جبهات سياسية مناوئة للسلطة، كانت الديموقراطية شعاراً ترفعه، وسرعان ما ينحسر عند تحقيق هدفها الذي ائتلفت من أجله[47]. وهذا ما لوحظ بعد ثورة 14 تموز 1958. إذ سرعان ما انفرط عقد الفصائل السياسية  المؤتلفة في الجبهة الوطنية، وراح كل فصيل يناضل لتحقيق برنامجه السياسي بمعزل عن الآخر، وما أسرع ما تقاطعت تلك البرامج، إلى حد التناحر. وكان شعار "الحريات الديموقراطية" غالباً ما يرفع مشروطاً: لا حرية لأعداء الشعب. وبسبب الرؤية الضيقة للوطنية، التي أشرنا إليها سابقاً، فإن الحريات الديموقراطية كانت تُطلب لقطاعات من الشعب، بشرط حجبها عن قطاعات أخرى. وعلى هذا النحو فإن الإشكالية في الوطنية العراقية كانت تعصف بالبدايات الجنينية للديموقراطية الليبرالية.

ينحو حمَلة النـزعة الليبرالية باللائمة على التيارات السياسية الراديكالية في كونها وقفت وراء إخفاق المشروع الليبرالي. وفي جعبتهم الكثير من الشواهد على ذلك. ولكننا نطرح السؤال على نحو آخر: هل يقف استفحال التيارات الراديكالية وراء إخفاق المشروع الليبرالي أم أن إخفاق المشروع الليبرالي حفّز استفحال التيارات الراديكالية؟ ولا يحدونا في هذا الطرح، السؤال العبثي: أهي الدجاجة من البيضة، أم البيضة من الدجاجة؟ ولا منطق المحاكمة لأطراف المشروع السياسي العراقي. بل التقصّي عن الجذور والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي رسمت ملامح المشروع السياسي العراقي وحكمت مسارات تطوره.

وُلد هذا المشروع، خديجاً قبل أوانه، ولم تتلقفه حاضنة اجتماعية تكفل نموه الطبيعي. ولم تشفع له الأسس الليبرالية للقانون الأساسي العراقي الصادر سنة 1925، ولا حماسة الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية لهذا المشروع. إن الدساتير والقوانين لا تخلق العلاقات الاجتماعية قسراً، فما هي إلا قواعد وآليات عقلانية لتنظيمها وتطويرها. وإذا ما افتقر المجتمع إلى احتياطيٍ كافٍ للتطوّر في اتجاه معين، فإن القوانين لوحدها تعجز عن رفده بهذا الاحتياطي.

لقد صُمم القانون الأساسي العراقي، بمنطلقاته الليبرالية -في حقيقة الأمر- للشريحة المتمدنة من المجتمع العراقي. وإذا صح أن نسبغ صفة التمدن على جميع أبناء المدن -ولو على سبيل المجاز- فإن نسبتهم إلى مجموع السكان سنة 1930 لم تتجاوز 25% مقابل 7% للبدو و 68% لسكان الريف[48]. ومما يؤيد عدم اندماج المجتمع العشائري بالمجتمع المدني، إخضاعه منذ سنة 1918 لقانون دعاوى العشائر المدنية والجزائية[49]. وظل ساري المفعول طيلة العهد الملكي، حتى ألغي بعد ثورة 14 تموز 1958.

يُعد المشروع الليبرالي تاريخياً، الوليد الشرعي للثورة البرجوازية في أوربا، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمخضت عنها. أما ثورة العشرين في العراق فلا تنطبق عليها العديد من سمات الثورة البرجوازية، لا من حيث القوى الاجتماعية التي شاركت فيها، ولا تلك التي تزعمتها، ولا ببرنامجها ذي الأهداف التحررية العامة. فلم يكن للبرجوازية العراقية وزن اجتماعي واقتصادي وسياسي يذكر، يؤهلها لقيادة الثورة، ولم تسبقها مرحلة تنويرية كتلك التي مهّدت للثورة البرجوازية في أوربا. وفي الوقت الذي جاءت الثورة البرجوازية لتدك قلاع الإقطاع في أوربا، مهّدت ثورة العشرين لتطور العلاقات الإقطاعية وشبه الإقطاعية في العراق.

لم تتح للبرجوازية العراقية في ظل العهد الملكي ظروف مواتية تؤهلها لأداء دور سياسي فاعل في حياة المجتمع العراقي، بسبب ضعف نموها الاقتصادي، وبطء تبلورها الطبقي. ووقعت بين فكّي الرحى: الإقطاع، عدوّها تاريخياً، والطبقة العاملة عدوّها المستقبلي. وكلاهما أقوى منها. ودفع بها دورها الهامشي إلى المساومات والتحالفات السياسية مع رؤساء العشائر تارة، وممثلي الحركة العمالية تارة أخرى. وإذا كان تعايش البرجوازية مع العلاقات شبه الإقطاعية -وخاصة في القطاع الزراعي- أمراً يسهل تفسيره. فإن تحالفاتها مع الحركة العمالية أمر يحتاج إلى شيء من التوضيح.

من المعروف أن الطبقة العاملة في أوربا تنامت جنباً إلى جنب مع تطور البرجوازية، التي تبلورت طبقياً  أبكر من الطبقة العاملة. أما في العراق فجاء نشوء الطبقة العاملة أبكر وأسرع من نشوء ونمو البرجوازية العراقية، لأنها ولدت في كنف المشاريع الأجنبية مثل: سكك الحديد والموانئ والصناعات النفطية وغيرها. وتشير البيانات الإحصائية إلى أن عدد العمال في المشروعات الأجنبية بلغ في عشية الحرب العالمية الثانية 13450 عاملاً، مقابل 2750 عاملاً في المشروعات الصناعية الوطنية (بما فيها الحكومية)[50]. وعلى وجه العموم لم توفق البرجوازية العراقية في أن تؤسس لها حزباً يعبّر بوضوح عن مصالحها الطبقية. لذلك نجد أن الزعيم كامل الجادرجي يجاهد في نهاية الأربعينات من القرن الماضي لإقناع الحزب الوطني الديموقراطي لتبني فلسفة وبرنامج الحركة الاشتراكية الديموقراطية في الغرب. لأن الإفصاح عن برنامج رأسمالي صرف كان سيعزله عن الجماهير.

وجاءت ثورة 14 تموز 1958 اختباراً نهائياً لجدارة البرجوازية العراقية. فكان إطار برنامج الثورة توفير الظروف المواتية لنمو الرأسمال الوطني وكبح منافسة الرأسمال الأجنبي له. وعلى المستوى السياسي وجد ممثلو البرجوازية الوطنية والعناصر المتعاطفة معهم حظوة خاصة لدى عبد الكريم قاسم وتشكيلته السلطوية. وعلى الرغم من كل هذه التسهيلات، لم تجد البرجوازية لنفسها موقعاً مؤثراً في المشهد السياسي بعد الثورة. فقد سيطر عليه التياران الراديكاليان المتصارعان: الشيوعي والقوماني، ورسما ملامحه وحكما حبكته والذروة التي انتهى اليها في 8 شباط 1963. ومما يسترعي الانتباه أن كلا من التيارين كان خارج السلطة، بينما لم تعدم البرجوازية الوطنية ممثلين لها داخل تشكيلة الحكم طيلة عهد عبد الكريم قاسم. والدليل الدامغ على الضعف السياسي للبرجوازية العراقية، أنها أخفقت في استثمار الصراع بين التيارين الراديكاليين لصالحها. وجل ما قدرت عليه إجراء سلبي أقدمت عليه سنة 1959 تمثّل في تجميد الحزب الوطني الديموقراطي لنشاطه، احتجاجاً على حيثيات المشهد السياسي وقتذاك.

كُتِب الكثير في وصف همجية انقلاب 8 شباط 1963، ولكن لم يسلّط الضوء على أهم حقائقه، وهي وأدُهُ لما تبقى من تطلّعات ليبرالية للمشروع السياسي العراقي، حين راحت المنظومة الانقلابية تَرصّ وعلى نحو سافر مداميك أسس الحكم الشمولي المستبد.

وبعد مرور أقل من سنة ونصف السنة من انقلاب 8 شباط 1963 أقدم الحكم العارفي على تصفية القاعدة الاقتصادية الرثّة للرأسمال الوطني العراقي بإصداره قوانين التأميم في 14 تموز سنة 1964. إن الوقوف ولو بعجالة على الحقائق الرقمية لقوانين التأميم تلك، تكشف لنا عن الديماغوغية السياسية والإيديولوجية لروادها، وعن بؤس فاعليتها. وأدناه أهم ما انطوت عليه تلك القوانين:

1- تأميم 30 شركة من الشركات الصناعية والتجارية الكبيرة، ممن يتجاوز رأسمالها أو صافي موجوداتها على الـ70 ألف دينار.

2- تأميم جميع البنوك التجارية وشركات التأمين الخاصة، وعدّ القطاع المصرفي والتأميني حكراً على القطاع العام.

3- احتكار الدولة لصناعات الإسمنت والأسبست والسكاير. ولا مجال لإنشاء شركات خاصة فيها.

4- منح الحكومة سلطة حصر استيراد المواد التي ترتئيها والاتجار بها.

 

وقد بلغت قيمة الشركات والمصارف المؤممة حوالي 26 مليون دينار (على أساس القيمة الاسمية للسهم). وحيث أن القطاع  العام نفسه كان مساهماً في بعض المؤسسات المؤممة بحصة قدّرت بـ3 ملايين دينار يصبح صافي الرأسمال المؤمم 23 مليون دينار. وحين نسقط منه 4.5 مليون دينار استثمارات أجنبية، ومبلغ 9.5 مليون دينار قروضاً للمصرف الصناعي بذمة الشركات المؤممة، فإن الرأسمال الوطني المؤمم يكون في حدود 9 مليون دينار[51]. وكم يبدو هذا الرقم تافهاً لدى مقارنته بتكوين رأس المال الثابت المحلي، الذي بلغ 147.6 مليون دينار سنة 1964[52]، أي ما يشكّل نسبة 6%. ومثل هذه النسبة لمشاركة الرأسمال الخاص كانت مقبولة في أغلب البلدان الشيوعية خلال مرحلة الانتقال من الرأسمالية نحو الاشتراكية، وخاصة في الصين. كما ويقلل من أهمية هذا الرقم التصاعد المستمر لمشاركة القطاع العام في تكوين الناتج المحلّي الإجمالي، والتي تجاوزت في نهاية السبعينات نسبة 75%. ونتساءل: هل أراد مشرّعو قوانين التأميم لسنة 1964 إشاعة العدالة في توزيع ثروات المجتمع؟

إن ما شهدته السنوات اللاحقة من إثراء لفئات طفيلية، زحفت من الريف والمدن الصغيرة، لتحل محل البرجوازية المنتجة التي طالتها قوانين التأميم، تكشف عن ديماغوغية روّاد تلك القوانين. ثم جاء تأميم النفط سنة 1972، ليوفر للدولة موارد مالية هائلة حارت في كيفية تبديدها، وساهمت من حيث النتيجة في رسم لوحة اجتماعية هجينة في توزيع الثروات، وأنماط استهلاكية شوهاء، كان في مقدمة المنتفعين منها، مضارب الأنس الغجرية التي ازداد الطلب عليها خلال العقود الأخيرة، على نحو لم يشهده المجتمع العراقي.

والجدير بالذكر أن الليبرالية السياسية حاولت أن تجد لها مساحة في منظومة الحكم العارفي، حين تسنّم الدكتور عبد الرحمن البزّاز ولعدد من الأشهر رئاسة مجلس الوزراء سنة 1965-1966، وحظيت توجهاته الليبرالية بتأييد البرجوازية. ولكن سرعان ما أُزيح عن موقعه لأنه كان يغرّد خارج السرب.

وكان آخر فصول الانتقام مما تبقى من البرجوازية التجارية لمدينة بغداد، المجزرة الوحشية التي دُبّرت لعدد من كبار التجار في تموز سنة 1992، بحجة تلاعبهم بأسعار قوت الجماهير[53]. وقد مهدت للمجزرة مقالات في بعض الصحف الرسمية، تومئ إلى أن البرجوازية لن تكتفي بالأرباح التي تجنيها، بل ترنو بأعينها إلى السلطة السياسية لتقفز إليها.

 

4-3 تنويه

قد يسترعي انتباه القارئ أننا لم نتناول تيار الإسلام السياسي ضمن التيارات السياسية الأساس التي حكمت مسارات المشروع السياسي السابق. وخشية أن يعدّ ذلك إغفالاً أو تغافلاً لدور الإسلام السياسي اقتضى الأمر تفسير ذلك:

 

أ- من المجدي بادئ ذي بدء التمييز بين الحركات الإسلامية من جانب والإسلام السياسي من جانب آخر. ما من أحد يمكنه التقليل من شأن  التأثير الفاعل للباعث الديني ودور المرجعيات الدينية في التأسيس للمشروع السياسي العراقي. وتجلّى ذلك بوضوح في ثورة العشرين سنة 1920 كما مرّ ذكره. ولكن بعد تأسيس الدولة العراقية، وظهور التيارات السياسية، لم يتبلور في المشهد السياسي تيار ديني سياسي يمتلك برنامجاً سياسياً على غرار التيارات الأخرى. إن الباعث الديني لوحده -مهما كان قوياً- لا يجعل منه تياراً سياسياً إن لم يؤطره برنامج سياسي. وهذا ينطبق على جميع حركات التحرر الوطني. وخير مثال على ذلك الثورة الجزائرية. فلقد كان للباعث الديني فيها دور لا يقل عن الدور القومي، إن لم نقل أقوى. فالنشيد الثوري للثورة الجزائرية يعطي الأولوية للباعث الديني حيث يقول:

 

"شعب الجزائر مسلم، وإلى العروبة ينتسب"

 

ولكن الباعث الديني لم يتبلور في تيار يطرح برنامجاً سياسياً إلا بعد زهاء ربع قرن من انتصار الثورة الجزائرية سنة 1962. أما في التجربة الإيرانية فإن الإسلام السياسي طرح برنامجه منذ الستينات، وجاءت الثورة الإسلامية سنة 1979 ترجمة لهذا البرنامج.

 

ب- يمكن القول بأن تأسيس الدولة العراقية مثّل تاريخياً نفياً للإسلام السياسي الذي كان متجلياً في الخلافة العثمانية، التي انتفت في كنف منظومتها الإيديولوجية والسياسية، إمكانية الاستقلال الوطني كما مرّ ذكره. وإذا كانت هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى قد سجلت انحسار قاعدة الإسلام السياسي، فإن حركة مصطفى كمال أتاتورك الإصلاحية وإلغاء مؤسسة الخلافة الإسلامية في عقر دارها سنة 1924، وجّهت ضربة قاصمة للغطاء الإيديولوجي للإسلام السياسي في عشرينيات القرن الماضي.

وإذا كانت التيارات السياسية الناشطة على المسرح السياسي مثل: القوماني والاشتراكي والليبرالي، تستلهم تجارب حية ومتصاعدة في الغرب وروسيا، فإن الآسلام السياسي لم يكن بمقدوره أن يستلهم من تجربة تقوضت للتو.

 

ج- استمر هذا الوضع طيلة العهد الملكي (1921-1958) بيد أن إخفاق تجربته الليبرالية الطارئة وبدء مسلسل الانقلابات العسكرية سجّل بدايات نشوء الإسلام السياسي. ويبدو أنها كانت ردة فعل على سيطرة الاتجاهات الراديكالية العلمانية (اليسارية والقومانية) على المشهد السياسي العراقي في أعقاب ثورة 14 تموز سنة 1958. حينها خشيت الحركات الإسلامية من أن تُبتلع، فسارعت إلى تنظيم نفسها لمواجهة الموقف المصيري. وظهرت دعوات إلى التنسيق بين المرجعيات الشيعية والسنية، ولكنها لم تتمخض عن صيغ تنظيمية موحّدة، وسلك كل منها مساراً مستقلاً.

 

د- نشط الإسلام السياسي خلال العقود اللاحقة حين كان التيار الليبرالي يلفظ انفاسه الأخيرة، في كنف التشكيلات النخبوية السلطوية المستبدة. وما كان بمقدوره أن يصمد أمام شراستها إلا بتنظيمات ثورية قوية وبرامج راديكالية ذات أهداف انقلابية. وكانت القاعدة الجماهيرية للإسلام السياسي تتوسع كلما أخفقت السلطة المستبدّة في معالجة مشاكل وتأزمات المجتمع.

هيأ إخفاق برامج التيارين القوماني والشيوعي تربة خصبة لتقبّل أوساط واسعة من المجتمع العراقي أطروحات الإسلام السياسي. فقد تربّع التيار القوماني على دست الحكم أربعة عقود، لم يُقدّم خلالها حلولاً لمشاكل المجتمع، بل عمّق من انقساماته. أما التيار الشيوعي الذي مثّل أعرق تيار سياسي في البلد، وحظي بقاعدة جماهيرية واسعة، فلم يتمكن من تعبئة الجماهير وقياداتها لإحداث تحولات مؤثرة في الحياة السياسية للمجتمع العراقي. وقد أضعف انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في أوربا الشرقية المصداقية الفكرية للتيار الشيوعي، نظراً لارتباطه التاريخي بتلك التجربة، ومثّلت إنجازاتها العظمى مصدر إلهام له.

 

هـ- لم يقيّض للإسلام السياسي القفز إلى دست الحكم ولا حتى الدنو منه. ومن جانب آخر لم تفلح النخب الحاكمة في كسب ودّه بتكتيكاتها الديماغوغية وارتداء لبوس الدين حيناً، والتقرب من بعض الأوساط والرموز الدينية، حيناً آخر. والحصيلة أن الإسلام السياسي في العراق لم يتلوث بأدران السلطة المستبدّة. وعزز ذلك -مقترناً بالتضحيات الجسام التي قدّمها- من رصيده.

 

ولكل ما تقدم يصعب على الباحث تقييم تأثير الإسلام السياسي في المشروع السياسي العراقي السابق. ويمكن القول أن جهوده مثّلت استثمارات بعيدة المدى، تتحقق عوائدها في المشروع السياسي القادم.

 

 

4-4 إعادة إنتاج الوعي

نستعير من علم الاقتصاد السياسي مفهوم "إعادة الإنتاج" الذي عالجه أول مرة عالم الاقتصاد الفرنسي فرانسوا كينيه، في القرن الثامن عشر. وتتمثل إعادة الإنتاج الاجتماعي في: استمرار الوجود المادي للمجتمع، بل وكل كائن حي. وإذ أن الوعي هو ما يميز الإنسان عن المخلوقات الأخرى، فإن إعادة إنتاج الوعي بتجلياته المختلفة هو سر تطوّر المجتمعات البشرية، ومعيار تمايز رقيّها. وتتحقق إعادة الإنتاج الاجتماعي بمستويين: البسيط والموسّع. ويقصد بالبسيط تكرار الإنتاج بالقياسات والشروط عينها، بما يعني الديمومة من دون نمو أو تطوّر يذكر. وخلافه إعادة الإنتاج الاجتماعي الموسّع الذي يؤشّر التطور الكمي والنوعي. وفي مراحل انتكاس المجتمعات يعاد الإنتاج الاجتماعي بخط تنازلي، ويمثل ذلك نكوصاً إلى الوراء.

إن آليات وعي المجتمع سواء في حالات المراوحة أو الحركة الصاعدة أو النكوص إلى الخلف، إنما تأتي في سياق إعادة الإنتاج والعلاقات الاجتماعية بمكوناتها المادية والروحية. هذا، مع أن العلاقة بين الواقع المادي للمجتمع ووعيه لا تتحقق على نحو ميكانيكي أو وفق آليات التبعية الفجّة. وتحكم انعكاسات تغيير الواقع المادي في وعي الإنسان شروط معينة، و بالارتباط مع طبيعة التغيير، وما إذا كان قد تحقق بتأثير تطور وعي المجتمع ذاته، أم بفعل عوامل خارجية. وفي الحالة الأخيرة لا يتطوّر الوعي إلا عبر مخاضات متعسرة. ونشهد ذلك بجلاء في البلدان القائمة على الاقتصاد الريعي، بفضل الثروات الطبيعية التي حباها الله، حيث يحتدم التناقض بين الإيقاع البطيء لتطور وعي المجتمع من جانب، والتسهيلات الحضارية المستوردة من جانب آخر. حتى لتكاد مدنها تنافس مدن البلدان المتقدمة صناعياً. وفي خضمّ هذا الصراع يدافع الوعي الاجتماعي المراوح، عن مؤسساته المتكلّسة، مروّجاً لما يسمى بالمنهج الانتقائي، مصراً على التخندق في مواقعه، معيداً إنتاج عناصره ضمن التركيبة عينها.

لا يخفى الدور الكبير الذي تلعبه التكنولوجيا في تنمية وعي المجتمع. ولكنها حين تُصدّر إلى مجتمعات متخلّفة، لا تلعب الدور نفسه في تنمية وعيها، وصولاً إلى تفاوت مستوى مهاراتها في التعامل مع التقنيات الحديثة المستوردة. حتى أن بعض دول العالم الثالث توصف بأنها مقابر للتكنولوجيا الحديثة[54].

 

4-5 قياس تطوّر الوعي

يخضع الكثير من الظواهر للقياس، وبعضها للقياس الدقيق. أما وعي المجتمع فهو من أكثر الظواهر تعقيداً، وأقلها خضوعاً للقياس. بالإمكان قياس تطور بعض العوامل المؤثرة في الوعي، ولكن من الصعب قياس مدى تأثيرها في تفاعلاته الداخلية. فمثلاً يمكن اعتبار نسبة المتعلمين في المجتمع مؤثراً في درجة وعيه. ولكن أيعني ذلك أن لهذه النسبة نفس التأثير في وعي مختلف المجتمعات. كما أن وعي النخبة المنورة لا يقيّم بمعزل عن وعي قطاعات المجتمع على مختلف مستوياتها. لأن الوعي الاجتماعي تحكمه قاعدة الأواني المستطرقة. والشواهد على ذلك كثيرة. فكم من متعلمين ما زالت دودة التخلّف تنخر وعيهم.

لقد جاء نمو الإنتلجنسيا في الأمم الأوربية وأميركا استجابة لمتطلبات التطور الحضاري والصناعي العاصف. أما في مجتمعاتنا فقد تأسست الإنتلجنسيا لتنهض بالمجتمع، بينما نجدها تحمل في خلايا وعيها علل تخلّف مجتمعاتنا. والفرق كبير بين الحالين بقدر تعلّق الأمر بعمق الوعي وفاعليته.

وعلى هذا النحو فإن الوعي الاجتماعي لا يقاس بالأرقام، بل من خلال درجة استجاباته للأحداث والتحولات على مستوى المجتمع المعني، والاتجاهات العامة في تطور الإنسانية.

كيف كانت، وكيف هي الآن ردود فعل مجتمعنا إزاء الأحداث والمتغيرات وكيف يتمثلها وعيه، وما هي رؤاه لسبل معالجة الإشكاليات التي تواجهه وتتحكم بمصيره؟ يحضرني في هذا الصدد القول المأثور:

 

"المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين"

 

ونتساءل: ماذا يعني أن تمتلئ الكف باللدغات، بينما يواصل الفرد/المجتمع مد يده في الجحر نفسه. ألا يعني ذلك أنه يعاني نقصاّ وخللاً في عمق إيمانه (وعيه). ألا يشف ذلك أن المجتمع لا يزال يراوح في إعادة إنتاج وعيه؟

يمثل المشروع السياسي العراقي (1921-2003) معيناً لا ينضب من الدروس والعبر فماذا يعني إغفال تلك الدروس. ليواصل وعينا النظر إلى الأحداث والمستجدات بالنظارات نفسها؟

عندما يتأكد المرء أن النظّارة باتت تغشي رؤيته، يذهب إلى طبيب العيون. لماذا نصرّ على وضع النظّارات نفسها ونتحمّل الغشاوة التي تسببها هل يقع ذلك ضمن اعتزازنا بثوابتنا، ومسلماتنا التي نأبى التراجع عنها. مهما كان الثمن!!

إن من يراجع أحداث ووقائع ومداخلات ثورة العشرين سنة 1920 والمرحلة التي مهّدت لقيام الدولة العراقية، يرى في المشهد السياسي الراهن فلماً مصوراً لتلك الحقبة التي يبعدنا عنها ما يربو على الثمانية عقود.

حسناً، هل نريد لمشروعنا السياسي القادم، أن يتخذ مسارات المشروع السابق نفسها، ليخيب كما خاب سلفه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تمثّل قياساً لدرجة ديناميكية وعينا خلال ثمانية عقود.

 

4-6 ردود الفعل

لم تقتصر خسائر النهج الإرادوي للمشروع السياسي العراقي على المآسي والكوارث التي تعرّض لها المجتمع. بل وعلى ما أفرزته من سلبية لدى الجماهير إزاء العمل السياسي. فالجماهير تحاكم الأشياء بنتائجها وحصادها ومن خلال تجاربها الحسّية، وهي محقّة في ذلك. والسلبية ظاهرة خطرة، ينبغي أن لا يستهان بها. فإذا كانت الاندفاعات الإرادوية قد سببت الكوارث، فإن السلبية السياسية وعدم الاكتراث، إذا ما كُرّسا، فمن شأنهما مسخ المجتمع.

لقد دأبت النخب الحاكمة في العهد الملكي -في مواجهتها للحركات الشعبية- ترويج مفاهيم نخبوية مفادها: أن السياسة خلقت لرجال السياسة، وليس لكل من هب ودب. لها مواصفاتها ومستلزماتها. وما على عامة الناس إلا الانقياد لمشيئة ممتهني السياسة، وانتظار الخير والرفاهية على أياديهم التي تمسك بعصا سحرية. ولكن بشرط أن لا تشوّش عليهم قطعان الغوغاء والدهماء والرعاع الجاهلة!

وإذا تقصّينا مضمون هذه الرؤية النخبوية سنجدها تلتقي مع الرؤية الإرادوية، وإن اختلفت مشاربهما وأهدافهما. فكلتا الرؤيتين ترى في الجماهير عجينة تشكّلها على النحو الذي تشاء.

وفي عهد عبد الكريم قاسم ارتدت الإرادوية السياسية زيّاً رومانسياً، حين خُيّل له أن بمقدوره إدارة دفّة البلد عبر سلوك مثالي عصامي، فينأى بنفسه عن مراكز القوة مروجاً لأطروحة: "فوق الميول والاتجاهات". وراح يسعى إلى تحقيق الموازنة بين مراكز القوى السياسية، من دون أن يُكوِّن له قاعدة سياسية منظمة يلجأ إليها عند المُلمّات. ولم تتمكن تلك الموازنات السياسية من إبقائه في دست الحكم إلا 55 شهراً، على الرغم من حب الجماهير لشخصه، إلى حد الوله أحياناً. ولا تزال ذكراه في ضمير الجماهير الفقيرة، بعد مرور أربعة عقود على رحيله.

أما الإرادوية السياسية للحكم العارفي، فكانت عديمة اللون والرائحة والطعم منعزلة اجتماعياً، من دون نسغ صاعد أو نازل. وقد وُلدت ميتة تجربة الاتحاد الاشتراكي التي أريد لها محاكاة التجربة المصرية، وأخفق القائمون عليها في تسويقها.

دخل الموقف من النشاط السياسي في ظل حكم البعث مرحلة جديدة. فبعد أن كانت الأنظمة السابقة تتضايق من المشاركة الجماهيرية في النشاط السياسي، انتهج حزب البعث سياسة معاكسة من حيث الظاهر. تمثلت في الزج القسري لأوسع الجماهير في النشاط السياسي، ولكن في إطار آليات حزب البعث العربي الاشتراكي فقط. وحُظر على الأحزاب والحركات السياسية الأخرى من ممارسة نشاطها، و شُرّعت القوانين الصارمة لاجتثاث أي نشاط سياسي خارج إطار حزب البعث. وكان المبدأ: "من ليس معي فهو ضدي"، وعُدّ مارقاً من الوطن. ورُوّج لشعار: "جميع العراقيين بعثيون وإن لم ينتموا". ويترتب عليهم طبقاً لذلك المشاركة بالفعاليات السياسية للحزب الحاكم، ابتداءً بالفعاليات الجماهيرية مثل: المسيرات والمهرجانات والندوات، وصولاً إلى التطوع في الجيش الشعبي، وجيش القدس، وغيره. وعلى هذا النحو عُدّ جميع العراقيين مناضلين حتف أنوفهم، كما أصبح بطل مسرحية موليير "طبيباً رغماً عنه". وعُدّت المغامرات العسكرية التي أقدم عليها النظام فرصة تاريخية نادرة لأبناء الشعب العراقي، يعوضوا فيها ما فاتهم من دور وطني وقومي في العهود الغابرة!

ولم يقتصر الأمر على الانفراد بالسلطة السياسية وإلغاء الآخر، على مستوى الممارسة الشرسة وحسب، بل وأكسب بعداً إيديولوجياً غريباً في نوعه. فقد صرّح صدام حسين أكثر من مرّة: أنه لا يمثّل سلطة تقليدية بل -على حد قوله- إن نصفه حكومة والنصف الآخر معارضة. وإذا ما وُجدت معارضة حقيقية ينبغي عليها أن تتفاهم وتنسّق معه لإحداث التغيير وحتى الانقلاب! وعلى هذا النحو جمع في شخصه السلطة والمعارضة !!!

والآن، هل أتاح حكم البعث حقاً تسييس الجماهير، وانتشالها من وهدة السلبية السياسية، أم العكس؟

لا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلّب الكثير من أدوات التنظير. لأن ما حدث يوم 9 نيسان 2003 يجيب ببلاغة عن هذا السؤال.

 

4-7 الانتهازية، بين الوعي والسلوك

 الانتهازية: من المفردات شائعة الاستخدام في حياتنا، على أنها من المصطلحات المستحدثة التي لا رصيد يذكر لها في تراثنا اللغوي، مع وجود مصدرها في معاجمنا. "نَهَزَ" بمعنى تناول الشيء أو قذفه، وانتهز الفرصة بمعنى اغتنمها، أو اهتبلها، أو بادر إليها. وكلّها معانٍ لا تشي بمدلولات سلوكية مستهجنة. بل على العكس: فاغتنام الفرص سجيّة إيجابية. فالحياة فرص، ومن لا يغتنمها يُعدّ خائباً، أو "أغبراً" بلغتنا المتداولة.

الانتهازية، تعبير سياسي معاصر، روّجت له الحركة الشيوعية في حينه. إذ كانت تسم أي فصيل أو شخص ينحرف عن خطّها السياسي انتهازياً، باتجاه اليسار أو اليمين، منوّهة إلى أن بواعث الانحراف ذاتية المنشأ. وبهذا أضفت على الانتهازية طابعاً سلوكياً. ويسترعي الانتباه أن الماركسية لم تؤصّل في أدبياتها الجذور الأبستيمولوجية (المعرفية) للانتهازية. حتى أن معاجمها الفلسفية لم تتناول مصطلح الانتهازية، مُبقية مدلولاتها ضمن الأطر السياسية.

أما في واقعنا فقد ضُمّنت مفردة الانتهازية مدلولات سلوكية، وقد كَرّس تداولها واقع حياتنا السياسية المتقلّب، الذي جعل من السلوك النهّاز أحد متطلّبات حياة الناس، وبمستويات متفاوتة، أبسطها: التقيّة التي تُمثّل السبيل الوحيد لنجاة المرء بجلده من شراسة الاستبداد. والسلّم الذي يرتقي به الطامحون لنيل المكاسب والحصول على المناصب.

وعلى أية حال فالسلوك الانتهازي لا يمثل -بتقديرنا- المعضلة الأساس التي يواجهها مجتمعنا. فمتى استقامت آليات الحياة السياسية زالت بالتدريج الظروف التي تغذّي الانتهازية، وما تنضح عنها من سلوكيات مقيتة. المعضلة الحقيقية تكمن في مستوى الوعي الاجتماعي الذي يتطلّبه خلق آليات حياة قويمة، لا تستلزم حركة ماكنتها زيوت الانتهازية.

سنحاول في ضوء تجربة مشروعنا السياسي الاقتراب من جذور الانتهازية في وعي المجتمع العراقي والعوامل الموضوعية التي تغذّيه. دعونا بادئ ذي بدء نتقصّى عن موضوعة "الانتهازية" في إطار العلاقة الجدلية بين الواقع والوعي.فالواقع الراكد لا يولّد إلا وعياً راكداً لا يتجاوز في رؤاه تخوم واقعه المنغلق. وحين يتعرّض هذا الواقع الراكد لعوامل التغيير من خارجه، تتعسّر استجابة الوعي لهذا التغيير. ويتطلّب الأمر فترة زمنية قد تطول أو تقصر، حتى تتأصّل في تربة الواقع. وفي الوقت الذي قد يحتوي الوعي الاجتماعي هذا النمط من التغيير ويتعايش معه -ولو على مضض أحياناً- بوصفه أمراً واقعاً، يظلّ يدافع على نحو أو آخر عن مواقعه السلفية. ويجدر بنا في هذا الصدد التمييز بين "التعايش" و "العيش". فالتعايش يعني التعامل مع التغيير من دون الاندماج به. أما العيش فيفترض استجابة الوعي للتغيير والتفاعل معه.

يعود تاريخ الانتهازية في وعي المجتمع العراقي إلى البدايات الجنينية لنشأة الوطنية العراقية على أثر الاحتلال البريطاني للعراق إبّان الحرب العالمية الأولى. فبسبب عدم وضوح أفق المشروع الوطني، وانبثاقه تحت تأثير العامل الخارجي (الاحتلال البريطاني) ظل الوعي الوطني يتأرجح بين الاستبداد التركي السافر والاحتلال البريطاني "الكافر". إن التأرجح هنا لا يشف عن انتهازية في السلوك، بقدر ما يشف عن عدم تبلور الوعي الوطني واستقراره. بيد أن كلاً من طرفي الصراع الأجنبي: الترك والبريطانيين، انطلق من منظوره المصلحي وراح يلصق بالعراقيين سلوك التقلّب. فوصفهم الترك بخيانة العهود، ونعتهم البريطانيون بالانتهازية[55]. اشتكت المس بيل للملك فيصل الأول، سلوك كبار الرموز السياسية المتقلّب بين الولاءين: التركي والبريطاني. فكان تعليقه.

 

"لا بد لكم أن تدركوا أننا قد استُعبِدنا على مدى ستة قرون من الزمن. ولا بد للعبد أن يحمي نفسه بالحيلة والدهاء. إنه يضطر إلى إرضاء جميع الأطراف. حتى أنا أقوم بذلك. إننا لم نتمتّع بقرون من الحرية التي من شأنها أن تعلّم المرء كيف يكون حراً"[56]

 

في العقود اللاحقة لتأسيس الدولة العراقية اتخذت الانتهازية مسارات جديدة، تحت تأثير التقلبات التي رافقت تطور المشروع السياسي العراقي. وأوقعت الفجوة بين تطلعات الوعي الرومانسية للنخب المنورة وواقع المجتمع العراقي، ذلك المشروع في فخ حرق المراحل الذي نجمت عنه خيبات أمل وإحباطات قاتلة. وأولد ذلك مستويين من الانتهازية: انتهازية الوعي، وانتهازية السلوك. لقد تمخض عن تأرجح الوعي وعدم استقراره تحولات سريعة من قناعة فكرية إلى أخرى. فالكثير ممن كان متأثراً بالنازية الألمانية، تحوّل بعد الحرب العالمية الثانية إلى المواقع الفكرية للماركسية. وبعد انتكاسة الحزب الشيوعي العراقي في 8 شباط 1963 تحول الكثير من الماركسيين إلى التشبّث بأهداب الدين.

لا يصح أن نسم هذه التحولات الدراماتيكية في المواقع الفكرية، بالسلوكية الانتهازية. إنما هي في حقيقة الأمر تزعزُع وعدم استقرار في الوعي، نتيجة التقلبات السريعة في منظومة الحياة السياسية. وقد ولدت هذه البانوراما المحبطة سلوكيات نهّازة لتشق طريقها وتتكيّف مع المتغيرات.

تمثّل الانتهازية السلوكية رافعة في المنظومة السياسية القلقة، ومن شأن استقرار المنظومة انحسار وظيفة هذه الرافعة. أما انتهازية الوعي فتمثّل المعضلة الحقيقية في تطور المجتمعات، وتنذر بعواقب وخيمة وتستدرج المجتمعات إلى منـزلقات خطيرة.

 

 

 

 

 

 

المُقْتَرَبُ الخْامِس

تَقْييمُ أداءِ المَشْروعِ السِياسِي العِراقِي

 

5-1 التطيّر من التقييم

تتمثل واحدة من أهم إنجازات الفكر الإداري المعاصر في إخضاع الفعاليات على اختلاف مستوياتها للتقييم، وبموجب معايير تصاغ وفقاً لطبيعة تلك الفعاليات وأهدافها. وتجدر الإشارة إلى أن درجة استجابة تلك الفعاليات للتقييم وتفاعلها معه، إنما يؤشر درجة حيويتها، واحتياطي التطور الذي تتوفر عليه.

ويختزن الفرد العراقي في اللاشعور بواعث على النفور من التقييم أسستها القيم الاجتماعية التي تدعو إلى التستر على العيوب. ومن تجلّياتها الصورة المخيفة التي ترسم للامتحانات المدرسية في ذهن التلميذ ... "ففي الامتحان يكرّم المرء أو يهان". فهو بمثابة المحكمة التي تصدر الأحكام بالإدانة أو التبرئة، وليس بمثابة محطّة تقييم للانتقال إلى مرحلة أعلى. وساهم في خلق هذه الصورة، الاشتقاق اللغوي لمفردة "الامتحان". فمحن تعني: ضرب وأجهد، والمحنة: ما يمتحن به المرء من بليّة. وعلى هذا النحو يتحول الاختبار إلى محنة وبليّة، الأمر الذي يسوّغ للتلاميذ والطلبة أن يتوسلوا بأية وسيلة لتجاوزها، بما في ذلك الغش. وينطبق موقف الطلبة في الامتحان -وإلى حد بعيد- على موقف أجهزة الدولة ومؤسساتها من الرقابة والتقييم عموماً، ومحاولة تضليلهما.

ويغذي الموقف المتطّير من التقييم عامل آخر يضرب جذوره في نسيج ثقافتنا، يتجلّى في ميلنا إلى الأسلوب الوصفي والإنشائي في تناول الظواهر والحقائق، وعزوفنا عن التقييم العددي الدقيق. ويصيب معظم قرّائنا السأم من المقالات والنتاجات الفكرية التي تعتمد الجداول الرقمية. ويمثل ذلك -بتقديري- خللاً في تماسك وعينا الثقافي، يصل أحياناً درجة الميوعة. نستخدم في كلامنا، وكتاباتنا مفردة "الاعتداد" .. . فهذه معلومة يُعتدّ بها، وتلك لا يُعتدّ بها. ولكن يرجح عندي أن الكثير منّا لا ينتبه إلى الجذر اللغوي "للاعتداد" ومدلولاته المعرفية. عدّ الشيء، فاعتدّ، أي صار معدوداً. وهذا شيء لا يعتد به، أي لا يلتفت إليه، ولا يركن إلى موثوقيته. وبمعنى آخر، إن عدم إخضاع الأشياء والظواهر للقياس العددي، يقلل من درجة موثوقيتها.

إن استمرار عدم الاكتراث بالتقييم الدقيق للأشياء، وخاصة التقييم الرقمي، إنما يشفّ عن الإصرار على الانفلات المعرفي، والاستهانة بخطورة تداعيات ذلك في وعي المجتمع[57].

 

5-2 الكلفة والعائد

يتمثل المعيار المألوف في تقييم جدارة أي مشروع في المقارنة بين تكاليفه وعوائده. فإن تجاوزت عوائده تكاليفه عُدّ رابحاً، وخلافه يُعدّ خاسراً. ألا يجدر بنا أن نخضع تقييم مشروعنا السياسي (للسنوات 1921-2003) لهذا المعيار، لنقف على تكاليفه وعوائده؟

ما أخشاه في هذا الصدد، أن يعدّ البعض عناصر التكاليف مؤشرات لجدارة المشروع، فيقيسها بالتضحيات الجسام، وخاصة البشرية، التي قدمها الشعب العراقي قرباناً لمشروعه الوطني. وعلى هذا النحو ينتهك معامل الجدارة، فتغفل العوائد، ويقتصر على الكلفة. وينقلنا ذلك من المنهج العقلاني في التقييم، إلى المنهج الرومانسي العاطفي. كما في روايات العشق، التي تقاس جدارتها بعمق معاناة العاشقين والتضحيات التي يقدمونها قرباناً لعشقهم. الهوة بين المنهجين: العقلاني والرومانسي عميقة جداً. فالأول تحكمه تداعيات العاطفة التي لا ترسو على وقائع قابلة للقياس، بينما تحكم الثاني النتائج الملموسة التي تتمخض عنه.

يتعذّر علينا الإحاطة في هذا الكتاب بالخسائر المادية والمالية الهائلة التي تكبدها الشعب العراقي جرّاء مشروعه السياسي. أما الخسائر البشرية ومعاناة المجتمع فلكَ أن تتحدّث عنها بلا حرج: ملايين الضحايا والمعوقين جسدياً ونفسياً. ولن نغالي إن قلنا بأن المجتمع العراقي بأسره، يحتاج إلى إعادة تأهيل نفسي. هذا إلى جانب مئات آلاف الأمهات الثكالى، والأرامل. ولا يقتصر عدد الأرامل -كما نبهتني إحدى الزميلات في الدائرة- على زوجات الشهداء فقط، إذ قالت: نحن جيل الأرامل وإن لم نكن متزوجات ... فثمّة شهيد لا أعرف من هو- كان سيتقدّم لخطبتي لو بقي على قيد الحياة! ... وتقول الباحثة الاجتماعية الدكتورة خولة ناجي سعيد: كان معدّل الزيجات أسبوعياً في بغداد، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي يصل إلى زهاء 1000 زيجة. وانخفض الرقم إلى 450 زيجة سنة 1985، وإلى 340 زيجة سنة 1993 [58].

 

5-3 الكفاءة والفاعلية

يقودنا معيار التقييم أعلاه (الكلفة والعائد) إلى مفهومي الكفاءة والفاعلية، التي يُخلط بينهما أحياناً في الأدبيات الشائعة. وتتمثل الكفاءة (Sufficiency) في الموارد التي يستلزمها إنجاز فعالية معينة، أو إنتاج منتوج ما. بينما تتمثل الفاعلية  (Efficiency) في أسلوب وآليات اندماج تلك الموارد لإنجاز  الفعالية المستهدفة. وينطبق مصطلح "الإنتاجية" الشائع، على الفاعلية. إذ يؤشر ارتفاع أو انخفاض الإنتاجية، تحسّن أو تردّي الفاعلية. ولا يُقاس تقدّم الأفراد والمنظمات والمجتمعات بما تتوفر عليه من موارد، بل بدرجة فاعلية استثمارها، وعقلانية توظيفها. قد يرث شقيقان حصّة متساوية من الثروة، يبددها أحدهما، بينما ينهض الآخر بتنميتها.

في ضوء الاعتبارات أعلاه، يترتب علينا أن نقيّم المشروع السياسي العراقي، ونتفادى الخلط بين عناصر الكفاءة والفاعلية. وعلى سبيل المثال، إن الرصيد الحضاري التاريخي للأمة، يُعدّ أحد موارد كفاءة نهضتها، ولكن شريطة أن يُحسِن توظيفه (الفقرة 2-4). بينما دأب خطابنا على التعامل مع التاريخ بوصفه مُعطى جاهزاً، يمارس تأثيره تلقائياً. وتنتفخ أوداجنا فرحاً، وتشمخ أنوفنا كبراً، حين نستمع إلى الأجانب وهم يمجّدون تاريخنا الحضاري، ونغدو كما تقول العرب: "أنف في السماء وأست في الماء"، فنكبر مقالاً بينما نصغر فعالاً. وما درينا أن هذا التمجيد و الإطراء، إنما هو تعريض مبطّن بضعف فاعلية مشروعنا الحضاري الراهن. وينطبق هذا على عناصر الكفاءة الأخرى لمشروعنا الحضاري. فنحن حين نتحدّث عن الرافدين العظيمين: دجلة والفرات، إنما نفصح في حقيقة الأمر عن إخفاقنا في الانتفاع من مياههما كما ينبغي، والتفريط بها، حين نقدمها هبة مجانية لمياه الخليج. بينما بات جفافهما خطراً يهدد مستقبل أجيالنا القادمة.

وعندما نتحدث عن الثروات الطبيعية التي أغدق الله بها علينا، تقفز إلى الذهن مشاهد الفقر المدقع لملايين العراقيين، حين اصطف العراق في نهايات القرن الماضي ضمن مجموعة البلدان الأكثر فقراً في العالم، وتشتت الملايين منهم في بقاع الأرض، سعياً وراء لقمة العيش. وتبلغ المأساة ذروتها، عند تناولنا العنصر البشري بوصفه العامل الحاسم في كفاءة المشروع الحضاري. فيقطر القلب دماً حين يستذكر المرء التضحيات الجسام التي قدمها الشعب العراقي، ليصحو في نهاية المطاف وبلده رهن الاحتلال.

تحكم العلاقة بين عناصر الكفاءة والفاعلية جدلية، حري بنا أن نستوعبها بعمق، لتكون لنا بوصلة تؤشر المسارات العقلانية للمشروع السياسي القادم، تحدونا في ذلك مبادئ "علم المنظومات" التي لا تحكم على فاعلية المنظومة بمدخلاتها فقط، بل بمخرجاتها.. أي جدارتها في توظيف المدخلات.

 

 

5-4 الفرصة الزمنية

يُعدّ الزمن مقياساً جوهرياً للفاعلية. فما من نشاط يقيّم بمعزل عن الزمن الذي يستغرقه. وينطبق هذا على جميع فعاليات الحياة (عدا العاطفية منها). وانطلاقاً من ذلك يمكن تقييم درجة فاعلية المشروع السياسي العراقي بدالّة الزمن الذي استغرقه وطول الشوط الذي قطعه قياساً بنتائجه.

يصطف العراق في مقدمة البلدان التي نالت استقلالها في القرن العشرين، وقد أسس لأول دولة عربية تنظم إلى عصبة الأمم، ويمتد عمر مشروعه السياسي 82 سنة (من 1921 إلى 2003). عدد كبير من الشعوب نال استقلاله بعد العراق بعقود، ولكنها سارت حثيثاً على طريق تعزيز استقلالها وبناء مؤسساتها، ولم تشهد النهاية الدراماتيكية، والتفريط بالسيادة الوطنية التي شهدها العراق.

يتسم التطور الذي شهدته الإنسانية في القرن العشرين بالحركية المتصاعدة بوتائر عالية، يتعذّر مقارنتها بالقرون السابقة. أما المشروع السياسي العراقي فاتسمت حركته بالبندولية (نسبة إلى حركة بندول الساعة، إلى اليسار وإلى اليمين ولكن ضمن الحيّز نفسه). وتختلف الحركة البندولية عن الحركة اللولبية المتصاعدة للتطور، التي يحكمها قانون نقض النقيض الجدلي. وتلك أقرب في حقيقة الأمر إلى حركة سيزيف[59]. والحصيلة النهائية للمشروع السياسي العراقي هو عودة البندول سنة 2003 إلى المشهد السياسي لسنة 1921. حين طرحت أهداف الاستقلال ونيل السيادة الوطنية، والتطلّع نحو تأسيس مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

قد يكون من التعسف أن نحكم على حركة المجتمع العراقي بالركود في ظل مشروعه السياسي السابق، ونغفل الكثير من الإنجازات التي حققها على صعد مختلفة. ولكن ما أود وضع النبرة عليه، هو أن تلك الإنجازات لم تؤسس لنقلة نوعية في حياته، تقيّض له الانطلاق في ركاب التقدّم، أسوة بأمم أخرى، لا يتوفر العديد منها على الكثير من أسباب ومقومات التقدّم التي يتوفر عليها العراق. ولهذا السبب بقي المشروع السياسي العراقي هشاً، يسهل اختراقه وتقويضه، وهذا ما حدث.

 

5-5 إخفاق الليبرالية

لم يشهد المشروع الليبرالي الذي أسس له القانون الأساسي العراقي لسنة 1925 خطاً متصاعداً. وفيما عدا فترات محدودة نعم فيها المجتمع بحريات نسبية، فإن الاحتقان المتصاعد مثّل السمة المهيمنة على المشروع السياسي العراقي.

ولم تقتصر تجليات فشل المشروع الليبرالي في سلوك النخب الحاكمة فقط، بل وانعكست في سلوك القوى السياسية المعارضة. وظهر ذلك في تحالفاتها مع القوى غير السياسية، مثل العشائر والجيش. وسجل باكورة انتكاس المشروع الليبرالي، ضلوع أكثر الرموز السياسية ليبرالية في انقلاب بكر صدقي سنة 1936. ولم تستخلص تلك القوى والرموز الدرس من التجربة الانقلابية الأولى: من أن الديموقراطية لا تجود بها بنادق الجيش. فنجدها تعاود الكرّة ثانية، في الضلوع في انقلاب 14 تموز 1958. وإذا كان ضلوع القوى الراديكالية في الانقلابات العسكرية أمراً يسهل تفسيره، فإن ضلوع القوى الليبرالية فيه، دليل قاطع على فشل المشروع الليبرالي برمته.

وعلى هذا النحو لم يؤسس المشروع السياسي لوعي وثقافة ليبراليتين في أوساط المجتمع العراقي. ولم تتحول الديموقراطية إلى هدف محوري لتعبئة الجماهير، بل مجرد هدف يدرج في برامج القوى السياسية المعارضة، ومواثيق الجبهات الوطنية التي كانت تأتلف في بعض المراحل. ولم يكن من النادر إبرام الصفقات المنفردة بين أحد أطراف المعارضة السياسية والسلطة الحاكمة، تاركاً وراء الظهر هدف النضال من أجل الديموقراطية. وبعد ثورة 14 تموز سرعان ما انفضّت جبهة الاتحاد الوطني، وتلاشى المحور الرابع من أهدافها (إطلاق الحريات الديموقراطية الدستورية). وبالمقابل طفت على السطح الرؤى الحزبية لمستلزمات المرحلة، وتقاطعت إلى حد الوصول إلى درك الاقتتال المأساوي بين القوى التي كانت قبل بضعة أشهر مؤتلفة في جبهة نضالية. وما كانت لتصل إلى ذلك الدرك لو لم  يختفِ في غمضة عين البرنامج الديموقراطي الذي تضمّنه ميثاق الجبهة.

إن ثقافة العنف المتصاعد التي طبعت بميسمها المشروع السياسي العراقي، تمثل الشاهد على قبر المشروع الليبرالي، الذي وُورِي الثرى قبل أن يبلغ سن الفطام. كما أن القضاء المبكر على بدايات