كونانبايف شاعر التراث الطليعي

                                      خلدون جاويد

  قراءة ديوان اباي كونانبايف تفضي الى معاينة تطور شخصيته عبر مراحل حياته ، وتفتح طاقاته الفكرية كلما انطلق من المحلية الى العالمية . اذ لايمكن لأديب ما ان يتطور حقا وفعلا في ادبه ونصوصه من دون الاطلالة على مالدى الآخرين ، وهكذا فعل الشاعر كونانبايف . ان المقدمة التي كتبها الناقد مختار اويزوف عن الشاعر ( 1845-1904) لتعتبر نموذجا لشرعية التحرك خارج الاطر الضيقة ! ولا خوف من العالم الخارجي اذا كنا فعلا نستند الى ظهير من القناعات العلمية الحقيقة غير الهشة وذلكم في امتحان الحضارات وسباق الأزمنة الناهضة .
وابتداءا يشير الناقد الى ان كونانبايف شاعر كازاخي شديد السطوع والشاعرية ، مولده في جبال جنكيز بمحافظة سيميبا لاتينسك وهو خريج مدرسة احمد رضا ، قد كان هو والتلاميذ يصرفون الليل والنهار في حفظ نصوص القرآن وفي اداء فريضة الصلاة والصيام ، واذا كان أباي يتقن الفقه الاسلامي ، فانه كان ، وفي الوقت ذاته يوسع من دائرة اهتماماته ومعارفه . وفي تلك الفترة يسيطر عليه بصورة مبكرة الولع بالشعر وقد انبجس لديه حبه عندما كان يستمع الى حكايات وذكريات الجدة زيرا ، راوية الحكايات القديمة الحية ، وعنها كان يحفظ عن ظهر قلب الحكايات والاساطير وقصص الابطال والاغاني التاريخية التي كان قد سمعها في القرية ، أي الابداع الفني المتنوع للشعراء الشعبيين والمغنين في سهوب بلاده ، وحينما التحق اباي بالمدرسة بعد ذلك ، اولع بقراءة شعراء الشرق وكان يلجأ في جو المدرسة تلك الى الادب الشعبي الكلاسيكي . وتشير المقدمة الى ان الشاعر "ومنذ الحداثة احرز عن جدارة واستحقاق شهرة الخطيب الفصيح الحاد الذكاء واستطاع ان يصبح من اساطين فن الخطابة الرائعة ، وتعلم تقدير الكلمة الشعرية تقديرا عاليا ، فاذا كان كونانبايف واعوانه يقدرون فقط اسلافهم من شيوخ القبيلة ويحفظون عن ظهر قلب خطبهم واقوالهم وحكمهم وامثالهم فان اباي خلافا لارادة ابيه اهتم بالمنشدين الشعبيين واتقن نتاج كافة الشعراء والزجالين والنظامين السابقين الذين كانوا يتبارون في ما يشبه ( سوق عكاظ ) من اجل الفوز بامارة الشعر " :

" موسيقى الكلمات الرائعة
والمعاني الملهمة التكوين
والحديث البليغ المنسجم
مصابيح الروح في الظلماء "

وعلى عكس تراث الشعوب في اسداء الاحترام لشخصية الشاعر والاحتفال بمآثره فان البايات والبكوات يتفاخرون بأفضلية غيابه قائلين " الحمد لله حيث لم يولد في عشيرتنا لا شاعر ولا زجال " بينما اجترح اباي أجمل التعابير الحسية النابغة وفي رؤية سامية المضامين :

" ان ناء كاهلك بأذى الناس
فلتتلذذ بالاغنية الصادقة
ماقيمة الاوسمة الزائفة
من سماسرة الكلم الرخيص "

والى أن يشير في احدى القصائد – واغلبها بلا عنوان – الى دور الشاعر في الحياة ، ذلك الدور الذي امتاز به أباي نوعيا وجراء ظروف الحضور الاستثنائي للمثقفين من الرفاق والعمال الثوريين المنفيين الى قريته النائية والذين اثروا على وعيه ودوره كشاعر طليعي في مجتمعه .... يقول ( عام 1896 ) :

" يلقى الشاعر بلعناته الصاعقة
على الظالمين ...والمستعبدين
وتحيق بالعالم الهموم والكوارث
فمن سواه يحكيها للبشر ؟
كلمة الشاعر العملاقة الغاضبة
تنصب محكمة الشرف ، والعقل
يكتب مايمليه الضمير
مكتسحا كل الأوشاب ... "

  ولعل هذه القصائد قد جاءت انعكاسا لنبذ النزاعات التي كان يزج شيوخ القبائل فيها كامل البيئة الاقطاعية ، وتشير مقدمة الديوان الى ان الشاعر " فضح في أشعاره الصادقة الحادة جهارا وانتقد بلا رحمة عيوب وجهاء العشائر الاقطاعيين ودعا جماهير الشعب الى الاغتراف من مناهل العلم القادر وحده على أن يدل هذه الجماهير الى طريق الحياة الجديدة " ...
وفي تلك الفترة تعرض هو وآخرون الى صدامات ثورية هزته من مواقع الرؤية الضيقة لثقافة القرية بحكاياها واساطيرها او باقليمياتها ودفعت به الى التعرف على مالدى قوميات العالم من ثقافات انسانية الطابع ..
واعجب اباي كل الاعجاب بمؤلفات بوشكين وليرمنتوف وكريلوف وسالتيكوف وشيدرين وليف تولستوي . فمنذ عام 1866 أخذ اباي يترجم الى اللغة الكازاخية مؤلفات كريلوف وبوشكين ولير منتوف وجعلها لأول مرة في متناول الشعب الكازاخي وبلغة يفهمها هذا الشعب .
" وكانت ادارة المنطقة قلقة اشد القلق من الصداقة المتينة والطويلة الامد بين اباي والثوار المنفيين ، ووصلت الانباء عن اباي باعتباره شخصا يشكل خطرا على القيصر وكان هو يشق طريقه بشجاعة وايمان باسلوب نضاله الجديد:

" لتتأمل في اعماقي المتأججة
فانا وطريقي ...غريبان عليك
لقد خضت المعارك الضارية
   لأنير الدرب للأجيال القادمة "

ان من يقرأ انشطة الثقافة لديه ، يدرك بأنه لم يعش حياة ذاتية قانعة ولكن معركة ضارية مع منابع الحياة الكبرى وقد كرس سنينه لخلق شخصية مفتوحة قادرة على الابداع ، ويشير الناقد اويزوف الى أن اباي قد اغترف من ثلاثة منابع : 1- الثقافة الكازاخية القديمة
2- الثقافة الشرقية التاجيكية والأذربيجانية والاوزبكية 3 - الثقافة الروسية والثقافة العالمية عن طريقها .

ان اطلاعات اباي على الشعراء الروس وايضا غوته و بايرون وعموم الكلاسيكيين الغربيين وكذلك الاطلاع على الادب اليوناني والروماني  ... كان مثار قلق الرجعيين والسكونيين الذين يخافون على الادمغة النائمة من الاستيقاظ والاستفسار عن الماهيات والتحلي بالعلم . الجهل صمت والعلم حركة ! ولذا فهم لايخافون من الاول ويرتعبون من علمية الشاعر وريادته .
لقد عزز الشاعر قدراته الابداعية وتلقائية موهبته بالتحلي بالعلم وتوسيع دائرة الوعي والثقافة بأن ذهب بعيدا الى حيث دراسة فلسفة سبنسر وسبينوزا ونظرية دارون وأغاني الشعوب وملاحمها وقرأ ( مجنون ليلى ) و( فرحات وشيرين ) و ( الاسكندر المقدوني ) لقد أعاد كتابة الملاحم مطورا بملكته المتميزة ( 11 ) بحرا لموسيقى الشعر .
ان الاقطاعيين والرجعيين طبّالون من الدرجة الاولى اذ كانوا يواجهون هذا الميل نحو العالمية باعتبارها استيرادا غير شرعي وانتهاكا للأصالة وشخصية الامة .
الرجعيون في كل مكان يعبرون عن تفاعلهم مع الحداثة باسلوب متخلف يرتد عليهم بالخسران .. كيف ؟ :
1- انهم يمنعون المثاقفة مما يؤدي الى الحفاظ على الفكر الواحد ، وهذا يشبه رغبتهم بضرورة تلاقح الدم في عائلة واحدة فقط ومن الناحية الطبية فقد اثبت ذلك سلبيته ازاء حيوية الأجساد . وهو في الفكر يعزل الامة ويدمرها ويلقي بها اسفل سافلين أي بالضبط مثلما عليه الآن الامة العربية وغيرها من الامم . لا علم لا تكنولوجيا لابحوث ! لا ريادية في شئ ! . وفرحون ايضا .. الاختصاص الوحيد البارعون به هو العقاب والقصاص والمنع والقتل . الابداع لدينا في ضبط قواعد النحو واستهلاك واستعباد المرأة واهانة الطفولة .
2- مسطرة الذهن على مقاس فكر واحد يمنع التقييم الموضوعي لما عند الآخرين وذلك بسبب التلقين الضاغط والتحبيذ المفرط لما هو محلي او اقليمي او قومي مما يؤدي الى تخريب الذات ومنعها من العالمية مشهدا للثراء البشري اللآمتناهي في تعدده وابتكاره . واذا اقتضت الموازنة فان من أجمل ماعبر عنه الشاعر رسول حمزاتوف – بهذا الصدد - عندما قال انا سفير بلدي في العالم وسفير  العالم  في بلدي .

  وكما استوعب اباي الجمال بمبادئه العلمية ولكتاب عظام مثل بيلينيسكي وتشيرنيشيفسكي فانه استوعب افضل مافي ثقافة الشعب الكازاخي طوال القرون واغنى هذه الكنوز بثمار الثقافة الروسية ، وكان اباي ، باهتمامه بالتراث العظيم للثقافة الروحية للشعب الروسي ، قد وقف على رأس أكثر الحركات تقدمية في تاريخ الفكر الاجتماعي لشعبه :

" ان طرقت أبياتي قلوبكم الصماء
فاعدو الصقر لرحلة الصيد
حسبنا جواد اصيل ، ورفيق
صادق الود ، وزاد للطريق "

وكما وقف الشاعر بالمرصاد ضد الزيف والخمول ومجانفة النضال وقد سجل وكاللهيب تلك المبادئ الشماء في قصائد عديدة ، فانه وجه نضال غضبه ضد البايات والبيكوات الذين عملوا على تجهيل المجتمع واتباع سياسة فرق تسد اضافة الى حساسية الشاعر من التمايز الاجتماعي آنذاك :

" الباي مترف يمتلك القطعان
ضجت به زرائبه ومضاربه
هيهات ان يهدي لوجه الله
شيئا ... فوراء كل هدية غاية !! "

ان أباي كونانبايف طليعي لامن موقفه التراثي فحسب بل في كونه شاعرا واقفا على رأس الصراعات الاجتماعية دافعا لها بجرأة فاضحا لكل مايشين كرامة الانسان ، ان على الشاعر ان يبرق بنار الافكار :

" حينما يفتقد الناس الارادة
تبرق انت بنار الفكرة
وتنطلق مزاميرك اللآهبة
تبعث الفزع والسهاد
في قلوب الخائرين والجبناء
ان اخترت الصمت يارفيقي
مدخرا لغتك البليغة
سيضل القطيع ...بوادي الخواء " ...

انه شاعر محرض يستدرج القوى الى الاعمال المشتركة المضادة للسلطة السائدة مستخدما التناغم القرآني للسطور في بناء موسيقي شعري وهذا وارد لدى كثير من الشعراء العرب او المسلمين من غير العرب :

" لتدخروا قواكم  ... ياحصيفي الفكر
ولتصونوا السعادة والسلم
– لاتخاصموا وتنابزوا بالألقاب
بئس الاسم الفسوق بعد الايمان –
ان ضاعت الحقيقة
في ضجيج المهاترة
تلاشت أصداؤها كالدخان في الهواء "





ويتميز الشاعر على جبهة التشكيل التصويري او اللغوي ايضا ، وعلى الرغم من ان اغلب قصائده مؤرخة في سنوات 1890 ، فان ذلك يعود الى قوته الشمولية واتساع افقه واطلاعه :

" السنة النيران تندلع من حولي
وأنا اريد أن أصوغ هذه الآلام
ولكن الجهل يخيم كالضباب
فكيف تنفذ كلماتي كالشعاع
الى أفئدة الذين لايعلمون ؟
والذين لايجنحون للسلم
وأشهرها في وجه المتعجرفين
والذين لايخشون بشاعة الجريمة
،،
أحمل رأسي على كفي في المستنقع
واغرس قدمي في الارض
لا أبيع وطني او اغادره !! "

وأخيرا فقد ضمن اباي العديد من الموضوعات كالاسطورة في قصيدة الاسكندر المقدوني كما كتب قصيدة " مسعود " راويا فيها قصة عن هارون الرشيد اضافة الى قصص ونكبات قد ألمت به وعبر عنها بشكل دامع ومؤثر كما وصف الطبيعة والبيئة والفصول ، مع تأكيده لموقفه الاخلاقي النبيل من المرأة واحترامه لها مع انتباهته الشاعرية لها .. ان اباي يهوى الجمال ولكن ( احيانا ) في صيغة البحث عن اللآنهاية ، اللآمرسى ، عن التيه في العيون تلك التي يخايلنا انها رمز لصورة الحياة الرائعة الجمال ...

" سلاما ياذات الحواجب الدقيقة
فهذي دمعاتي ...تعتم العالم
لم يعرف الكون كوكبا مثلك
لم يخطر على الارض من قبل ملاك !
ساحدق في عينيك اللتين بلا قرار
وابحر فيهما بشراعي التائه ... "

لا تضير اخلاقيات اباي كوننبايف ان يتغزل ...ان يتطور في مسار ثقافي صاعد ومتعدد .. ان يؤمن بالمحبة الانسانية فهي تشتمل العالم اجمع وان العلم ليس وصفة معلبة ..ان الكلمة السامية والخالدة هي تلك البوصلة الرائعة التي حفزتنا على ان نأخذ العلم ولو كان في الصين .! والآن تصب كل تلك الجهود الجبارة للوعي الانساني في نافذة لايزال يخشاها المذعورون من العلم انها نافذة الكومبيوتر حيث يقترب الينا كونانباييف ومعه كل افذاذ الكلمة السحرية : الشعر العاشق والوهج الانساني .