حقائق مخفية عن علاقة البعث

القسم الثالث

صالح مهدي عماش ومحمد المهداوي

 

زهير كاظم عبود

 

لم ينتبه  احد من الباحثين بدقة  لما ورد من حقائق مثيرة خلال المحاكمات التي عقدتها المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع  المسماة ( محكمة الشعب ) أو محكمة المهداوي كما يسميها البعض ،  فقد ظهرت بعض الحقائق التي تشير الى ارتباط وعمل صالح مهدي  عماش ومحمد المهداوي ضمن وكالة المخابرات المركزية ، وقد اشيع وقتها أن عماش هو المسؤول عن ارتباط أحمد حسن ا لبكر بحزب البعث المشهور بعدم كفائته  السياسية  والثقافية   وكراهية العسكريين له  وشهرته بين أقرانه  بالحقد وابتلاءه بالأمراض النفسية والعقد .

وأذا كنا نعتبر أختيار نوري السعيد رئيس الوزراء   في العهد الملكي في العام 1956 للرئيس ( الرائد ) صالح مهدي عماش للسفر شخصياً الى العاصمة الأيطالية  روما لأستلام السلاح الأمريكي والبريطاني المرسل الى العراق لمهاجمة القطر السوري وأسقاط حكومتها الوطنية في مؤامرة تكشفت بعدئذ اطرافها امريكا وبريطانيا والحكومة العراقية بالتعاون مابين رئيسا وزراء كل من العراق وسوريا  نوري السعيد وأديب الشيشكلي  ، أذا أعتبرنا  أن هذا الأختيار  كان أعتباطاً ودون وجود سبب في أختيار نوري السعيد لهذا الأسم ولهذه المهمة الكبيرة الحجم والبالغة السرية ، فأن الحقيقة تدعونا لتقليب هذا الأمر ومعرفة ما أذا كان هناك سبباً  منطقياً  يدعو رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد في  أختيار أسم صالح مهدي عماش بالذات في كتاب سري للغاية أرسله الى وزارة الدفاع بهذا الخصوص يحدد فيه مهمته  .

كان الرئيس صالح  عماش عنصراً من عناصر الأستخبارات العسكرية ولم يكن ترشيحة بناء على رغبة الأستخبارات وأنما كان أمراً صادراً من رئيس الوزراء نوري السعيد دون ان يتعرف أحد على السبب الحقيقي وراء هذا الأختيار  ، ونفذ عماش المهمة بنجاح واوصل السلاح الى القوات العراقية ، وبالنظر لتوافق موعد تنفيذ المؤامرة على سورية مع قيام الأعتداء الثلاثي على مصر ، مما جعل التنفيذ مستحيلاً أن لم يكن صعباً أمام تصاعد الحس الوطني والشعبي وغليان الشارع العربي المتعاطف مع مصر ضد العدوان الثلاثي والقوات الأجنبية المعتدية .

في نفس الوقت كانت وزارة الدفاع العراقية قد ارسلت ضمن بعثتها العسكرية الرئيس الأول الركن محمد المهداوي الى الولايات المتحدة الأمريكية في دورة عسكرية ، وكان المهداوي مسؤولا عن خلية الضباط البعثيين ضمن هذه الدورة ، وكان صالح مهدي عماش  هو المسؤول الحزبي عن محمد المهداوي ، وكانت كلمة السر المتداولة بينه وبين التنظيم هي

 (( ابو هدى يسلم ))  ، وابو هدى هو اللقب الحقيقي لصالح مهدي عماش وهدى هي ابنته التي عملت مع سلطة صدام في تصنيع الاسلحة البايلوجية والجرثومية التي استعملت ضد العراقيين وصارت وزيرة في الزمن الصدامي بالأضافة الى كونها صارت  عضوة في القيادة القطرية الأخيرة للبعث  قبل أن تسقط في نيسان 2003 ، وخلال أقامته في الولايات المتحدة أستطاعت الأجهزة الأمريكية أن تكسب ود محمد المهداوي أن لم تستطع تجنيده لصالحها من خلال علاقة وثيقة ارتبط بها المهداوي مع (  بيل ليكلاند  ) المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والمتحدث باللغة العربية وصاحب الخبرة الطويلة في العمل الدبلوماسي ضمن المنطقة العربية والذي يرتبط بعلاقة شخصية مبهمة مع جمال عبد الناصر لم يوضحها من كتب عنه  أذ عرف عنه أنه كان ضابط الأرتباط بين السفارة الأمريكية في القاهرة وبين الضباط الأحرار الذين كان يمثلهم غالباً جمال عبد الناصر .

وبالنظر للمعلومات التي وردت الى دائرة الأستخبارات العسكرية العراقية  حول الشكوك التي تفيد بأرتباط محمد المهداوي مع المخابرات الأجنبية واتجاه النية الى استقدامه الى العراق تمهيداً لأعتقاله ومحاكمته ، فقد أرسل صالح مهدي عماش كلمة السر ( ابو هدى يسلم ) مع مسؤول المخابرات المركزية (  بيل ليكلاند )  ليبلغة بعدم العودة لوجود تحقيق ضده ونية لأعتقاله وخشية من كشف الشبكة المخابراتية وتصفيتها   بالنظر للمهمة المناطة بها  .

ابلغ ( بيل  ليكلاند )  كلمة السر الى محمد المهداوي الذي ازداد وثوقاً بان الرجل الأمريكي يعمل ضمن المنظومة التي يعمل بها مع صالح مهدي عماش ( انظر طالب شبيب الصفحة 276 من كتابة عراق 8 شباط 1963 ) ويذكر المرحوم علي كريم سعيد في حاشية الصفحة 280 من كتابه من حوار المفاهيم الى حوار الدم مايؤكد  تفصيل الشبهات التي تحوم حول ارتباط صالح مهدي عماش بالمخابرات الأجنبية .

وليس مصادفة أو اعتباطاً أن يفشي عماش كلمة السر الموجهة الى محمد المهداوي بواسطة رجل مخابرات أمريكي مع معرفته بمهمته الأستخبارية .

ومن الطريف ان يحضر محمد المهداوي اعلى مؤتمر حزبي للبعث في العراق مرتدياً بدلة سوداء ونظارة سوداء ويحمل بيده حقيبة سوداء ودون أن يردد شعار الحزب . (   شهادة حسن وداي العطية كتاب علي كريم ص 329 ) ، وان يتم انتخابه عضواً  أصيلا في القيادة القطرية للحزب .

وفي شباط 1963 تم تعيين المقدم محمد المهداوي قائداً لكتيبة الدبابات الرابعة بالأضافة الى تعيينه نائباً لرئيس أركان الجيش .

وبيل ليكلاند جندي سابق في مشاة البحرية الامريكية عمل في السفارات الأمريكية في القاهرة وفي انقرة وميونيخ ، ونقل الى بغداد بعد قيام الجمهورية ليعمل بصفة معاون للملحق العسكري الأمريكي في السفارة الأمريكية ببغداد ، لكن مهمته الحقيقية هي كونه ضابط  الأرتباط بالشبكات العاملة والمتعاونة في العراق  .

وبقيت العلاقة مستمرة بين محمد المهداوي وبين بيل ليكلاند في بغداد رغم الحذر الشديد ،  غير أن بيل ليكلاند بقي يمد الجسور مع صالح مهدي عماش ويساعده مادياً حسب ما أشيع عنه ، ثم جرى أبعاد صالح مهدي عماش من الأستخبارات الى الأنضباط العسكري  ومن ثم من الجيش حيث احيل على التقاعد  بالنظر لأتهامه بالتأمر على السلطة .

صار مهدي عماش  عضوا في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1966 ولغاية 1971 وتبوء اخطر المراكز في السلطة العراقية ، حيث عمل كوزير للدفاع في سلطة شباط 63 ، ونائباً  لرئيس الوزراء ووزير الداخلية في سلطة انقلاب تموز 68 ، ومن ثم صار نائباً لرئيس الجمهورية ، وصالح مهدي عماش من مواليد بغداد 1925 .

ليس من باب المصادفة ان يكون اول البعثيين الداعين الى شن حرب على ايران هو صالح مهدي عماش في العام 1963 ، يقول المرحوم طالب شبيب في كتابه عراق 8 شباط الصفحة 278 انهم لم يصغون الى استعداءات عماش على ايران عام 1963 ، فعاد للتاجيج عام 68 واستدعى السفير الأيراني الى مكتبة وكان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية وأخبره ماهو رد فعل أيران أذا قام العراق بقصف  مصفاة خرمشهر ومطار عبادان .

وقبل ان يكون عماش وزيرا للداخلية كان زيرا للدفاع وارتباطه مستمر ببيل ليكلاند الذي كان يتحين الفرص للحصول على طائرة سوفياتية من نوع الميغ او دبابة سوفيتية من الأنواع التي وصلت للعراق ، وحضر بيل ليكلاند اجتماعا مع ممثل وزير الدفاع في حينه المقدم جميل صبري البياتي معاون مدير الامن العام الذي كلف بالاستمرار بالاتصال ببيل ليكلاند والتعاون معه حول رسم الخطط والمعلومات الاستخبارية فيما يخص المواجهة المسلحة  مع الاكراد ، وكانت المواجهة بين الجيش العراقي والحركة الوطنية الكردية المسلحة قد بدأت  ، وبناء على طلب من عماش شخصياً حسب مايزعم صبري طلبت وزارة الدفاع العراقية من الولايات المتحدة الأمريكية تزويدها بأربعين بطارية كبيرة الحجم خاصة بالدبابات  .

طلب المسؤول الأمني الأمريكي الحصول على دبابة سوفيتية من نوع T62  مقابل الموافقة على صفقة البطاريات ،  وتعد تلك الدبابة من احدث الأسلحة الثقيلة التي ارسلها الأتحاد السوفيتي للعراق ، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية  تلح   لمعرفة أسرارها وقدرتها القتالية  ونقاطها السرية  العسكرية ، ولم يكن بلد آخر غير العراق قد حصل عليها بأستثناء دول حلف وارشو ، وهي جزء من صفقة كان قد عقدها المرحوم عبد الكريم قاسم مع الأتحاد السوفيتي قبل نهايته بانقلاب شباط 63 ،.

 ابلغ صالح مهدي عماش موافقته شخصياً ورسمياً على الصفقة وأشترط السرعة في عقد الصفقة وتم توثيق بنود الصفقة التي وقعها معاون مدير الأمن العراقي مع ممثل وكالة المخابرات المركزية ، ولم تمض ايام حتى حطت طائرة نقل ضخمة في مطار الحبانية العسكري لتسلم البطاريات التي تم استعمالها وادخالها الخدمة العسكرية في الجيش العراقي المنشغل بقتال الأكراد  فوراً .

ويذكر حازم جواد في مذكراته المنشورة في جريدة الحياة أن علي صالح السعدي حضر يوما ما بعد انقلاب شباط 63 الى مجلس قيادة الثورة ويحمل مسدس ويبحث عن صالح مهدي عماش لأعتقاله أو قتله ،   وقال عنه هذا الجاسوس الجبان ، وكان هذا بعد الأنقلاب بشهر واحد .

واستطاع صالح مهدي عماش ان يوصل خارطة الدبابة السوفيتية الى المخابرات الأمريكية ، غير انهم الحوا بالحصول على جسم وهيكل الدبابة ، قام عماش وصبري بعرض الأمر على مجلس قيادة الثورة الذي تخوف من انكشاف السر امام المخابرات السوفيتية فيضيع السوق السوفياتي ويتنصل السوق الأمريكي فيفقدون كل الأطراف ، وقام السيد طالب شبيب بالأتصال بالسفير الامريكي لتسوية الأمر والتخلص من هذا الأحراج والورطة بزعم ان المخابرات السوفياتية اكتشفت الأمر فتمت تسوية الأمر الى هذا الحد .

وبعد انقلاب عام 1968 قام  احمد حسن البكر باعتقال جميل صبري المعاون الاسبق لمدير الأمن العام والذي أصبح جزء من الأسرار الخاصة بقضية تسريب الدبابة السوفياتية ، وأمر بتحطيمه ومن ثم جعله مشلولا لاقدرة له على النطق والحركة ، ثم جرى اطلاق سراحه بزعم انه لم يثبت عليه شيء ليموت دون أن يتمكن من كتابة الأسرار التي يعرفها أو يتمكن من تطهير ضميرة من اللطخات التي اشترك بها مع البكر وعماش ومحمد المهداوي فرحل حاملاً آثمه ليلاقي ربه بما يحمل من افعال له اوعليه .

وبالأتفاق بين البكر وصدام على تحجيم دور صالح مهدي عماش تم عزله عن وزارة الدفاع التي تم تسليمها ابتداءًا  الى احمد حسن البكر واناطة وزارة الداخلية بصالح مهدي عماش ، ورصد الأخطاء والاخفاقات التي حصلت في عهده ليتم عزله كسفير ضمن السفارات البعيدة عن العراق بعد أن تعهد لهما بلزوم الصمت  ، وكان الأتفاق الذي ذكره طارق حمد العبد الله أن صالح مهدي عماش تم تخييره بين التصفية أو القبول بمنصب السفير مدى الحياة وأن يبتعد عن امور السلطة في العراق وعدم التحدث عما يعرفة من اسرار  ، فكان أن اختار الأمر الثاني ليحل سفيراً صامتا لبلاده منشغلاً بمعالجة نفسه والأستجمام على شواطيء فنلندا ومن ثم الموت غريباً ومنبوذا ، بعد ان امتلأ تاريخه بالشبهات والأعمال التي خسر بها الله قبل أن يخسر الشعب العراقي والوطن ، عمل طويلاً  من أجل ان يجعل حمامات  الدم جارية في العراق ، ساهم بشكل فاعل في العديد من الجرائم شخصياً وارتكب المجازر التي يندى لها الجبين ولاتشرف الأنسان وسيذكرها  التاريخ العراقي له بكل سوء  ، ولذا يتذكر اهل العراق صالح مهدي عماش بما اقترن اسمه بالشبهات والشكوك والريبة  ، وليس اكثر احتقاراً ومذلة حين يصفه تافه ومنبوذ مثل خير الله طلفاح المشهور ببذاءه اللسان وسوء الخلق والتربية بأن عماش (  بصقة عراقية )  ،  وكان موضع شك وريبة فقد ذكره الجميع ممن كتب مذكراته من قيادات البعثيين كونه رجل مشكوك في اخلاصه للعراق ،  ولكنه صار من خلال هذا الشك وزيرا للدفاع ووزيرا للداخلية ونائباً لرئيس الوزراء  وسفيرا ، وتعكزت ابنته على الشكوك والأسرار التي احاطت حياته ومست وطنيته لتصير عضوة في القيادة القطرية ووزيرة لأعلى وأرفع مؤسسة ثقافية في العراق .

مات عماش بعد ان مات محمد المهداوي ورحل قبلهما بيل ليكلاند ليدفنا معهما سر علاقة أفتضحت لجميع القيادات البعثية وعرف الجميع بها  وتستروا عليها أو حاولوا تغطيتها عن اعين الناس  ، أو غضوا النظر عنها مع علمهم جميعاً بأن المهمة المناطة بصالح مهدي عماش ومحمد المهداوي هي مهمة تجسسية لصالح المخابرات الأمريكية كجزء لايتجزأ من عملية القطار الأمريكي في العراق  .